Se connecterأطلق أسد صرخةً مدوية خرجت من أعماق قلبه، حتى بدا وكأن الليل كله قد ارتج لها. تردد صدى زئيره بين اتساع البحر وظلمة السماء، ولم يكن هو قادرًا على سماعه، لكنه شعر بكل ما يحمله من وجع. أما لامار، فقد وصلها صدى تلك الصرخة، فازداد حزنها، وتضاعفت حيرتها، ولم تعد تعرف أين يكمن الصواب وأين يختبئ الخطأ.الأسد لا يزأر إلا في حالتين... حين يُجرح حتى الأعماق، أو حين يبلغ ذروة انتصاره وسعادته. وكذلك كان أسد. غير أن هذا الزئير، مهما كان قويًا، لم يكن قادرًا على قتل الفريسة، ولا على إصلاح ما انكسر بينهما، ولا على انتزاع الحقيقة من لامار. لكنه، على الأقل، خفف شيئًا من النار المشتعلة في صدره.ظل واقفًا يحدق في الأمواج الهائجة، وكأنه يرى نفسه فيها؛ مضطربًا، ثائرًا، لا يعرف إلى أين تمضي به مشاعره. ومع مرور الوقت بدأت العاصفة تهدأ، وخفت حدة المطر حتى صار مجرد قطرات متفرقة، لكنه لم يتحرك من مكانه، مفضلًا البقاء تحت السماء المفتوحة وأمام البحر، علّه يستطيع ترتيب أفكاره التي أصبحت تتبعثر كل دقيقة أكثر من سابقتها.لم يعد يعرف إن كان يلوم نفسه لأنه بدأ هذه اللعبة من الأساس، أم لأنه ما زال يريد الاستمرار فيها ر
قال أسد بحدّة، وقد بلغ به الغضب منتهاه:"تكلمي يا لامار!"ارتجفت لامار من نبرة صوته القاسية، وشعرت وكأن الكلمات قد تجمدت في حلقها. حدقت فيه بعينين مذعورتين، ثم تمتمت بصوت مرتعش:"و... ولا شيء... ليس لدي ما أقوله يا أسد... ماذا تريدني أن أقول؟"كان أسد يحاول بكل ما يملك أن يضبط أعصابه وألا يفقد السيطرة على نفسه. لقد استنفد صبره بالكامل، ولم يعد قادرًا على الاستمرار في تلك الدوامة من الأسرار والكذب. كان قلبه قد تعلق بها بالفعل، ولذلك أصبح خوفه أكبر من أن تكون كل مشاعرها مجرد خدعة.أمسك بذراعيها بقوة، حتى برزت عروق عنقه من شدة التوتر، واشتدت ملامحه وهو يضغط على أسنانه، ثم قال بصوت امتزج فيه الغضب بالقهر:"لماذا يا لامار؟ لماذا كل هذا الكذب؟! هل تظنين أنني أحمق؟! لماذا كلما منحتك فرصة لتصححي خطأ، ترتكبين أخطاء أكبر؟! لماذا؟! هل تعتقدين أن الدنيا ستسير دائمًا كما تريدين؟! وهل تظنين أنك وحدك من يفهم، وأن جميع من حولك سذّج لا يدركون شيئًا؟!"كانت كلماته تتوالى عليها كالصدمات، بينما وقفت هي عاجزة عن التفكير. لم يكن ما يخيفها غضبه وحده، بل ما قد يحدث لو اعترفت بالحقيقة كاملة. كانت تعلم أن ما ق
امتلأت عيناها بالدموع من جديد. تنهد أسد باستسلام. أسد: دموع... مرة أخرى؟ أجابته ببراءة وهي تحاول عبثًا مسحها بكفيها الصغيرتين: لامار: إنها... تنزل وحدها... لا أستطيع منعها. ظل يتأملها بصمت. وكانت حركاتها العفوية البسيطة تضعف مقاومته في كل مرة. ثم قالت بصوت متحشرج: لامار: كنت خائفة جدًا... ولو حدث لك شيء... ماذا كنت سأفعل بعد ذلك؟ قال أسد بصوت هادئ وهو يحاول طمأنتها: أسد: حسنًا... اهدئي، أنا بجانبك. رفعت لامار عينيها إليه، وظلت تحدق فيه طويلًا، وكأنها تنتظر منه شيئًا بعينه. ثم قالت بصوت مرتجف: لامار: ستبقى معي دائمًا... أليس كذلك يا أسد؟ همَّ أن يتكلم، لكنها وضعت سبابتها برفق على شفتيه، تمنعه من مقاطعته. لامار: شش... دعني أكمل... لا تعدني بشيء إن كنت لن تفي به... أنت... ستبقى معي، أليس كذلك؟ دائمًا... مهما فعلت... مهما أخطأت... ستظل تمسك بيدي، وتقول لي: "أنا معك"... أليس كذلك يا أسد؟ ظل أسد ينظر إليها بصمت. كانت تتحدث بانفعال شديد، وجسدها كله يرتجف، وعيناها الممتلئتان بالدموع تلمعان تحت ضوء البرق، بينما تنتظر منه جوابًا يطمئن قلبها. ولم يتردد. ولم يفكر. ولم يحتج إلى
بقيت لامار تحدق تارة في ضوء الإشارة، وتارة أخرى في أسد.كانت تراه يصارع العاصفة وحده، يحاول إصلاح نظام الاتصال، بينما الأمطار الغزيرة تنهمر عليه بلا توقف، وصوت الرعد يهز المكان بقوة حتى يبعث الرعب في النفوس.كانت ترتجف وهي تضم سترته إلى صدرها، ترفع أكفها بالدعاء، وتناجي الله أن يحفظهما.في تلك الليلة، كان الجو مرعبًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير فيه...كيف تركها في المكان الأكثر أمانًا، ثم خلع سترته وألبسها إياها، بينما خرج هو ليواجه البرد والمطر والخطر وحده.شعرت بوخز مؤلم في قلبها.كان يخاطر بنفسه من أجلها...وهي، في المقابل، لم تكن تجازيه إلا بالكذب... والخداع.ظلت تراقبه بعينين يملؤهما الندم.وفجأة رأته يعود مسرعًا إلى غرفة القيادة، ويبدأ بالبحث في أحد الأدراج عن شيء معين.لم تستطع أن تسأله، فقد كان منشغلًا تمامًا.وأخيرًا عثر على الجهاز الذي يبحث عنه.كان مقياسًا خارجيًا خاصًا بالمحرك.أراد أن يتأكد إن كان اليخت لا يزال يسير بالسرعة التي ضبطها بنفسه، أم أن العاصفة أصبحت هي التي تتحكم في حركته.فإذا أظهر المقياس سرعة أعلى من السرعة المبرمجة، فهذا
أخذ أسد دفتر الرسم من بين يديها برفق، ثم نظر إلى الصفحة التي كانت مفتوحة.وجدها قد رسمت امرأةً تقف على منصة إعدام، يتدلى جسدها كظلٍّ معتم، وقد لوّنت الرسم كله تقريبًا بلون داكن، بينما تركت موضع القلب فارغًا تمامًا، بلا لون ولا ملامح، وكأنه غير موجود أصلًا.عقد حاجبيه وهو يتأمل الرسم.لم يفهم مغزاه، لكنه أدرك شيئًا واحدًا؛ أن صاحبة هذا الرسم تحمل في داخلها ما هو أكثر تعقيدًا مما تُظهره للناس.زاد استغرابه عندما لاحظ مدى إتقان الرسم ودقة تفاصيله.أغلق الدفتر بهدوء ووضعه جانبًا، ثم سحب القلم من يدها المرتخية.نزل إلى الأسفل وأحضر بطانية، ثم عاد إليها وغطاها بعناية.جلس للحظات يتأمل ملامحها النائمة، ثم مرر يده بين خصلات شعرها بهدوء.وقال بصوت خافت:أسد: كل شيء فيكِ يدفعني إلى كرهك... ومع ذلك أعجز عن ذلك. وفي الوقت نفسه لا أستطيع أن أحبك كما ينبغي. يا لامار، لقد جعلتِني عاجزًا عن كرهك، وعاجزًا عن حبك، وكأنكِ تريدينني أن أبقى عالقًا في المنتصف بلا مشاعر واضحة.تنهد وأكمل وهو ينظر إليها:أسد: لكن ضحكتكِ... وعيناكِ... ووجودكِ نفسه... لا يسمح لي بأن أبقى بلا إحساس. أريد فقط أن أفهم لماذا لم تس
صعدت لامار أمامه وهي لا تزال تتألم، بينما لم يكن أسد يعلم حتى ماذا سيفعل معها هذه المرة. جلست على السرير تفرك ساقها التي كانت تؤلمها وتحرقها، تنتظر منه أن يأتي كعادته ليساعدها أو يطمئن عليها، لكنه لم يلتفت إليها أصلًا، بل تابع صعوده إلى الطابق العلوي.بقيت تراقبه باستغراب، فقد اعتادت أن يتدخل كلما تورطت في مصيبة، أما هذه المرة فقد تركها تدبر أمرها بنفسها.وبعد قليل، صعدت إليه فوجدته جالسًا أمام الأرجيلة، يضع الحاسوب على ساقيه ويعمل بتركيز.اقتربت وجلست بجانبه.لامار: البارحة كنت على وشك الموت من المرض، حتى ظننت أنك لن تستيقظ صباحًا... واليوم أراك جالسًا تدخن الأرجيلة!أسد: إن وجدت السم الآن فسأشربه، لعلني أنسى المصائب التي تلاحقني بسببك.لامار: كنت أريد فقط مشاهدة التلفاز، والله لا أعلم من أين ظهرت تلك الأشياء.أسد: حسنًا، اصمتي الآن، أنا مشغول.التزمت الصمت، بينما واصل العمل دون أن يرفع عينيه عن الشاشة.بدأ الملل يتسلل إليها. مرة تنظر إلى البحر، ومرة تراقبه وهو يعمل، ثم نهضت واتجهت إلى المطبخ، تناولت بعض الطعام حتى شبعت، ثم نزلت إلى الأسفل.لم تمضِ دقائق حتى غلبها النعاس.وحين استيقظ
قال أسد وهو يقترب منها أكثر:— وإن لم أبتعد؟بقيت لامار تنظر إليه بصمت، بينما كان قلبها يخفق بقوة داخل صدرها. كانت أنفاسه القريبة تربكها، ولمسته السابقة ما تزال حاضرة في ذاكرتها، أما عيناه فكانتا ثابتتين عليها بطريقة جعلتها تفقد قدرتها على التفكير بوضوح. لم تكن تفهم سبب الراحة التي يشعر بها كلما نظ
انتهت الأغنية أخيرًا، وتعالت التصفيقات حول النار الصغيرة المشتعلة على الشاطئ. كان الجميع يصفق بحماس ويثني على العازف والمغني، وحتى أسد شاركهم التصفيق بابتسامة هادئة.أما لامار فبقيت صامتة.كانت تنظر إلى الأرض، تحاول إخفاء أثر الدموع التي باغتتها أثناء الأغنية.التفت أحد الشبان إلى أسد وقال بحماس:—
ما إن أنهت لامار المكالمة حتى أعادت الاتصال بعزيز بسرعة، وقد اشتعل الغضب والخوف داخلها في آن واحد.ما إن أجاب حتى قالت بانفعال:— لماذا صورت إخوتي؟ ولماذا ذهبت إليهم أصلًا؟ ألم تعدني أنك ستبتعد عنهم؟جاءها صوته باردًا على الطرف الآخر:— ذهبت فقط لأصل الرحم. ما بكِ غاضبة هكذا؟ ظننت أنك اشتقتِ إليهم
كانت لامار لا تزال تضحك خلف الباب، غير قادرة على التوقف بعد المشادة الطريفة التي حدثت بينها وبين أسد قبل لحظات. وما إن فتحت الباب قليلًا حتى فوجئت به أمامها مباشرة. اختل توازنها وسقطت نحوه، لكنه أمسكها بسرعة قبل أن ترتطم بالأرض أو تؤذي قدمها المصابة أكثر.قال أسد وهو يرفع حاجبه وينظر إليها بنظرة من







