LOGINحبيبي الأصم
بقلم: كاميليا جود الفصل الثامن بدأ أسد يرمش بعينيه محاولًا السيطرة على دموعه التي لم تنزل منذ سنوات. كان يكبحها بكل ما يملك، وكأن البكاء خيانة لقسوته التي بناها طوال عمره. وفي داخله كانت تتكرر كلمات ابتهال: ابتهال: "ففيّ لكَونْسِير يا ولدي... والكونسير كيقتل مولاه." أسد: "إما أن تسقطي على سجادة وتدعي الله أن يغفر لك، أما أنا فلا أملك شيئًا لأفعله لك." نهض فجأة، وبدأ يذرع الفيلا جيئة وذهابًا في حالة اضطراب شديد، يمرر يده في شعره إلى الخلف بعصبية، كمن يطارد شيئًا لا يراه أحد غيره. كان الماضي يلحقه. ذكريات ما عاشه في تلك الدار، وما تحمّله من قسوة زوجها، وما فقده يوم حُرم من السمع. أمسك أذنيه بيديه، يدور في المكان كمن يحاول الهروب من نفسه. ثم بسرعة ارتدى ملابسه أيًّا كانت، ورماها عليه دون ترتيب، وخرج مسرعًا كعادته. انطلقت سيارته بسرعة، تاركًا وراءه آثار الإطارات على الأرض. --- وصل إلى الدار البيضاء. وما إن اقترب من الفيلا حتى لمح سيارة إسعاف متوقفة أمام الباب، وجموعًا من الناس. تجمد في مكانه. بقي داخل السيارة ينظر بصمت، وعيناه محجرتان. كان يعرف الإجابة قبل أن تُقال. نزل ببطء، واتجه نحو الباب. كان يونس خارجًا، فلما رآه اقترب منه. قال يونس بصوت منخفض: "عظم الله أجرك، و أجركنا واحد يا اخي" سكت أسد لحظة، ثم قال ببرود: "متى حدث هذا؟" أجاب يونس: "ليلة أمس... بعد ساعتين تقريبًا من خروجك." سأل أسد: "أين والدك؟" أجاب يونس مترددًا: "هرب." ضحك أسد ضحكة قصيرة باردة وقال بسخرية: "هرب؟ جميل... يوم جنازة، واحد ميت، والثاني هارب. عائلة كاملة ناقصة." ثم دخل دون أن يضيف كلمة. كانت الأنظار تتبعه في صمت. لم يكن أحد يجرؤ على تفسير ملامحه. صعد الدرج ببطء. كانت سارة في الأعلى تبكي، فلما رأته خفضت نظرها فورًا. تجاوزها دون أن يلتفت. اتجه مباشرة إلى غرفة أمه. وقف أمام الباب. يده على المقبض. تردد للحظة. ثم فتح. دخل. كانت هناك. ممددة على السرير، مكفنة بالأبيض. السكون يملأ الغرفة، لكن النهاية كانت تملأ كل شيء. رائحة المسك تغطي المكان، لكنها لا تخفي رائحة الموت. تقدم ببطء. ثم سقط على ركبتيه أمامها. كأنه فقد القدرة على الوقوف. اقترب أكثر، وانحنى، ووضع رأسه على الكفن. وصمت. ثم بدأ البكاء. بكاءً مكتومًا، متقطعًا، لا يشبه أي بكاء عرفه من قبل. قال بصوت مكسور: "سامحيني..." "سامحيني يا أمي..." "أنا لم أستطع أن أودعك..." "لم أستطع أن أراكِ وأنتِ تذهبين..." "أنا سامحتك... سامحتك، سامحتك..." توقف قليلًا، ثم أضاف بصوت منخفض: "وأنتِ أيضًا سامحيني... على كل السنوات التي ابتعدت فيها عنك، وتركتك وسطهم." كان يعيد الكلمات نفسها كأنه يحاول ترميم شيء داخله انهار بالكامل. سارة كانت تقف عند الباب تبكي بصمت، غير قادرة على الاقتراب. دخل يونس بهدوء، ووضع يده على كتف أسد. قال: "كل نفس ذائقة الموت" دفع أسد يده فورًا، ثم مسح وجهه بسرعة، وحاول أن يستعيد تماسكه بالقوة. بعد لحظات، وقف معهم لحمل الجثمان. كان في المقدمة، يساعد في رفعه مع يونس. نزلوا به السلم وسط الدعاء وصوت الشهادة. خرجوا به إلى الخارج، حيث كان الحزن يملأ المكان. ووصلوا إلى المقبرة. كان القبر محفورًا. وتم إنزال الجثمان فيه. وقبل أن يُغطى بالتراب، اقترب أسد قليلًا. وانحنى. ووضع جبهته للحظة قربها. ثم ابتعد بصمت. وبدأ الدفن…أما هي فظلت تعيد في رأسها كلمة "يُصلّى عليكم"... وظلت تقول في نفسها: كيف اظن أن الرجل يحبني إذن؟ ولماذا لم يعترف لي بعد؟ رغم أنه قال لي "حبيبتي"... غمرتها فرحة غريبة، أحست أنه على وشك الاعتراف لها.خرج أسد من الحمام وشعره مبلل يقطر ماء. ارتدى ملابسه بجانبها وهو لا يخجل. لبس بنطالاً أسود خفيفاً للنوم وربط حزامه، ثم جاء بجانبها على السرير وتمدد.*لامار:* ما زلت لم تقل لي إلى أين ستأخذني... ألم تعدني؟ *أسد:* هل سنذهب الآن؟ إلى الغد. *لامار:* فقط قل لي. *أسد:* مفاجأة. *لامار:* فقط لمحة أرجوك. *أسد:* مم... لا وجود لهذا المكان على الأرض.*لامار:* ك... كيف؟! *أسد:* نامي و تغطي، ستضليني تعطيني ظهرك هكذا؟ أقسم أن لا استطيع التحكم في نفسي هذه المرة، لقد أطفأتِ ناري للتو. ابتعدي عني، منذ أن جئت وأنا أستحم سبع مرات في اليوم. *لامار:* هه النظافة من الإيمان، حتى و إن كانت بلوطتك كافرة هه.*أسد:* استديري و نامي... يا لحظي النحس، كنت أنوي أن أقضي لالليلة ... استديري، استديري و تغطي. *لامار:* هه.ظلت لامار تضحك، فالتفت وتغطت بغطاء. عانقها من الخلف وأخفى وجهه في عنقها، التصق بها كطفل صغير. ظلت
*لامار:* لم أفهمك... ما بك؟ *أسد:* كنت أنوي اليوم ألا نخرج من هذه الغرفة حتى تتوسلي و تترجيني، و أفدي فيك كل ما فعلتِ بي منذ أن أتيتِ... أردت أن أريك هذه البلوطة كم هي قوية، و هذا الذي احتقرته ماذا يستطيع أن يفعل بك... و لكن بما أنك تبينتِ أنك نقية... فليس وقته بعد... سأتركه حتى يأتي أوانه النقي 😉نهض عنها و هي تردد كلامه في نفسها. ما فهمته هو أنه كان يظنها ليست عذراء. لا تعرف أتغضب لأنه أخذ عنها هذه النظرة، أم ترضى بالموقف النبيل الذي اتخذه معها و لم يرد أن يلمسها و يضيع لها شرفها الذي حافظت عليه طوال حياتها. نظرت إليه فوجدته يبحث عن شيء ما، و السيد هتلر على قناة نايل سات.*لامار:* (ارتدت فستانها و ذهبت إليه تنظر إلى بنطاله و تقول في نفسها: آه، لقد أصبحتَ البلوطة أكثر مني طولاً) أسد... ما الذي تبحث عنه؟ *أسد:* هاتفي... (نظر إلى سرواله القصير) من سيطفئ هذه النار الآن؟ *لامار:* و هاتفك لماذا؟ *أسد:* لأستدعي فتاة أخرى. *لامار:* ماذاا؟! *أسد:* هل تصرخين؟ *لامار:* نعم أصرخ، و سأجمع عليك كل ناس هذه الجزيرة، و أجمع عليك حتى عائلة روبن ليرون المكبوت الذي تركوا معه ابنهم. أنا لست لام
دخل إليها الغرفة فوجدها تبكي. رفعت بصرها إليه، مسحت دموعها سريعاً، وأشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى.*أسد:* أتبكين يا لامار؟ *لامار:* (نظرت إليه) كلا... إنني أغسل وجهي فقط... ماذا ظننتني أفعل؟ *أسد:* لا، لعلّ وجهك يحتاج إلى غسل حقاً، أو لعلّك مقهورة بلا حد.*لامار:* حاشاك.جلس بجوارها. *أسد:* إذن، ما بالك الآن؟ ستتظاهرين بالغضب وأنا أبقى حائراً، وأنتِ تدفعينني بعيداً، هكذا؟*لامار:* ابتعد عني. *أسد:* أبتعد؟ (اقترب خطوة) ها أنا أبتعد... أأبتعد أكثر؟ *لامار:* أسد! *أسد:* إذن فهميني ما بك... ما الذي يقلقك ويبكيك؟ هم؟... ألستِ في إجازة؟ *لامار:* حتى ولو كنتُ في إجازة... ما كان عليك أن تقول لي هكذا. يكفي، ابتعد عني أرجوك.(اقترب حتى التصق بها) أأبتعد؟ شعرت لامار بالغصة، وما زاد غضبها أنه لم يعتذر بعد. نهضت لتذهب فجذبها إليه بقوة فاصطدمت به. نظرت إليه فتسارع قلبها من جديد. أمالها فوقه، وجذبها إليه، وأزاح بيديه خصلات شعرها عن أذنها وهمس لها...*أسد:* لا أريد أن أرى دموعك مرة أخرى.سكتت لامار في تلك اللحظات. توترها كله سكن، واستكانت بين يديه. طالع عينيها وهي طالعته، فتحدثت أعينهما بصمت
أخذت لامار تتجول في أنحاء المنزل، تتأمل كل زاوية فيه. كان كل شيء موضوعًا في مكانه بعناية، والبيت يغمره دفء وهدوء مريحان. يتكون من طابقين؛ الطابق الأرضي مفتوح، يضم عدة صالات، ومطبخًا، وحمامًا، وصالة رياضية، أما الطابق العلوي فيحتوي على غرفة النوم والمكتب. كان المنزل صغيرًا، أشبه بكوخ راقٍ، بسيطًا وأنيقًا في الوقت نفسه، تمامًا كما اعتاد أسد أن يفضل البساطة وينفر من الترف.دخلت غرفة النوم الهادئة ذات الإضاءة الخافتة، وضعت حقائبها، وجلست تتأمل المكان، ثم غرقت في أفكارها. كانت تتساءل عما سيحدث لاحقًا. فأسد لا يكف عن إطلاق الوعود، وكل تصرفاته توحي لها بأنها ما زالت جزءًا من حياته، وأنه يريدها أن تبقى إلى جانبه. كان ذلك يسعدها، لكنه في الوقت نفسه يربكها ويؤلمها، لأنها لا تزال تجهل ما ينتظرها. الشيء الوحيد الذي كانت متأكدة منه هو أنها أصبحت تعشق أدق تفاصيله؛ حركاته، ورائحته، وحضوره... كل شيء فيه بدأ يسكن قلبها.بدلت ملابسها، واكتفت بفستان منزلي خفيف بلون وردي هادئ، كانت تظهر من تحته أطراف ملابسها الداخلية ذات اللون الوردي الداكن قليلًا، ثم رفعت شعرها على هيئة كعكة.بعدها بدأت ترتب ملابس أسد د
ظلت لامار تنظر عبر المنظار، بينما كان أسد يعانقها من الخلف. كان مستمتعًا بكل لحظة يعيشها؛ ففي حضنه فتاة أخذت عقله كله. لقد أتعب نفسه وهو يحاول مقاومتها والابتعاد عنها، لكنه لم يكن يشعر بنفسه إلا وقد اقترب منها أكثر. كان شيء في أعماقه يهمس له بأنها صادقة معه.بدأ اليخت يقترب من الجزيرة، وكادت لامار تطير من شدة الفرح والحماس، ممزوجة بشيء من التوتر. بدت الجزيرة أكبر بكثير مما تخيلته؛ فقد كانت تظن أنها مجرد جزيرة صغيرة، لكنها فوجئت بأنها واسعة للغاية.وما إن اقتربوا من الميناء حتى رأت الزوارق البحرية التابعة للحرس تتقدم لاستقبالهم، وظلت ترافق اليخت حتى توقف. كانت تنظر حولها وعيناها تلمعان بالدهشة. ورغم أن الليل قد أرخى سدوله، فإن أضواء الميناء ومنارته كانت تضيء المكان حتى بدا وكأنه في وضح النهار.صعد إليهم أحد أفراد الحرس، وكان يبدو من أصول إفريقية، فرحب بهم وحمد الله وصولهم سالمين، ثم حمل حقائبهم وغادر.أما لامار، فلم تكن تكف عن التحديق فيما حولها بانبهار؛ فكل شيء كان مختلفًا تمامًا عما رسمته في خيالها. كانت تظن أن الجزيرة ليست سوى غابة، لكنها وجدتها أشبه بمدينة متكاملة. حتى الميناء شُيّ
غطست لامار بينما كان أسد يحسب لها الوقت. وصلت إلى خمس ثوانٍ ثم خرجت تلهث، فعرف أن هذا هو أقصى ما تستطيع تحمله. أعادها إلى الماء مرة أخرى، وأمسك رأسها برفق حتى لا ترفعها سريعًا، فتمكنت هذه المرة من الصمود ست ثوانٍ. ثم كرر الأمر، وظل ممسكًا بها حتى بلغت سبع ثوانٍ.استمر يدربها؛ ففي كل مرة كانت تستسلم، وما إن يهددها بأنه لن يأخذها إلى ذلك المكان الذي وعدها به، حتى تغوص مجددًا رغمًا عن نفسها. وفي النهاية استطاعت أن تبقى تحت الماء خمس عشرة ثانية كاملة دون أن تأخذ نفسًا، فأطلق سراحها، فهذا أقصى ما يمكنها تقديمه بطاقتها.خرجت من الماء تلهث بقوة، فاتكأت على حافة المسبح. جذبها إليه برفق وأراحها مستندة إلى صدره.قال أسد: "حسنًا... استريحي الآن، لم يعد لدي ما أطلبه منك."رفعت رأسها إليه بفرحة واضحة وسألته: "إذن... ستأخذني معك، أليس كذلك؟"ابتسم وقال: "بالتأكيد."انفرجت أساريرها، ونهض الاثنان من المسبح. كانت تجفف شعرها الذي ابتل تمامًا والتفَّت خصلاته، بينما اقترب منها أسد حتى لامس أنفه أنفها، وكأنه يشتاق إلى قربها.قالت وهي تبتعد قليلًا: "ابتعد عني... منذ قليل كنت تعاقبني، والآن جئت تتودد إلي!"
حبيبي الأصمبقلم: كاميليا جودالفصل السابعقال سفيان:"أنا لا أملك رقم هاتفه. حاول أنت يا يونس."أجاب يونس:"عندي، لكن الإشارة ضعيفة… هنا سأحاول الاتصال به."بدأ يرن الهاتف.ثم قال:"لا… هاتفه مغلق."---عند أسد…شعر بثقل شديد ينزل على صدره.ارتدى بدلة الغوص، ووضع قارورة الأكسجين خلف ظهره، وخرج إلى
حبيبي الأصمبقلم: كاميليا جودالفصل السادسخرج أسد، تاركًا خلفه سارة تناديه. كانت تحبه منذ صغرها، وقد بكت كثيرًا يوم رحل.لقد كبرا معًا وسط المعاناة نفسها.فقدت هي والدها، وتخلت عنها والدتها، فتولت جدتها راوية تربيتها. وكان عزيز وراوية يعاملانها بقسوة، وكانا يعاقبانها هي وأسـد بإجبارهما على النوم ف
حبيبي الأصمبقلم: كاميليا جودالفصل الخامسركضت الخادمة وفتحت له الباب.دخل أسد دون أن ينظر يمينًا أو يسارًا، واتجه مباشرة نحو الدرج.كان عزيز على وشك أن يتحدث، لكنه صمت عندما رآه يصعد.صعد أسد الدرج بخطوات سريعة حتى وصل إلى الغرفة. وضع يده على مقبض الباب وأغمض عينيه للحظة.كانت آخر مرة جاء فيها إل
حبيبي الأصمبقلم: كاميليا جودالفصل الرابعشعر أسد بشيء قاسٍ في داخله، شيء أحرقه، لكن ملامح وجهه لم تُظهر أي ردة فعل.قال:"أنا قادم."أنهى المكالمة وألقى الهاتف على السرير بقوة. بقي واقفًا يلهث، بينما ارتعب روبن وجلس في إحدى الزوايا.كان يعرف أن أسد، في بعض الأحيان، عندما يغضب يصبح كالإعصار. لذلك







