LOGINحبيبي الأصم
بقلم: كاميليا جود الفصل السابع قال سفيان: "أنا لا أملك رقم هاتفه. حاول أنت يا يونس." أجاب يونس: "عندي، لكن الإشارة ضعيفة… هنا سأحاول الاتصال به." بدأ يرن الهاتف. ثم قال: "لا… هاتفه مغلق." --- عند أسد… شعر بثقل شديد ينزل على صدره. ارتدى بدلة الغوص، ووضع قارورة الأكسجين خلف ظهره، وخرج إلى الخارج. ترك روبن داخل المنزل وأغلق الباب الكبير خلفه. كان عادل قد بدأ يشعر بالنعاس، فلما رآه يخرج في هذا الوقت إلى البحر ارتبك. قال عادل: "أين تذهب في هذا الوقت؟ لن ينام أحد، ولن يدع أحدًا ينام… يا رب، لا تجعل شيئًا يخرج له من البحر في هذه الليلة، أرجوك." نهض عادل وهو يلعن، وأخذ يتبعه بحذر. --- كان أسد داخل البحر. يمشي في الأعماق كأنه يبحث عن شيء يهرب منه داخله. لم يكن يعرف ما هو بالضبط. حتى وصل إلى نقطة عميقة، ثم غاص أكثر. بقي تحت الماء مدة طويلة، يسبح بعنف، كأن الغرق يخفف شيئًا في صدره. كان الهاتف في يد يونس يرن باستمرار، لكن لا أحد يجيب. حاول يونس البحث عن أرقام الحراس أو عادل، لكنه لم يجد ما يفيده بسرعة. --- هل سمعتم يومًا عن إنسان يهرب من نفسه؟ هذا كان حال أسد الآن. كان يهرب من صوره، من ذاكرته، من وجه أمه. كلما حاول أن يقسو قلبه، كان قلبه ينتصر عليه في النهاية. بقي تحت الماء ساعات طويلة، حتى بدأ جسده ينهك. ثم خرج أخيرًا، وصعد إلى الشاطئ، ورمى قارورة الأكسجين بعيدًا، وخلع نظارات الغوص، ثم تمدد على الرمل في عز الليل. كان البحر هادئًا، والنجوم تنعكس على سطحه. وأسد ممدد، يضع ذراعيه تحت رأسه، وعيناه مغلقتان بقوة. أما عادل فكان يراقبه طوال الوقت، جالسًا على كرسي، لا يجرؤ على النوم. كان كلما غلبه النعاس يسقط الهاتف من يده، فيستيقظ فزعًا، ثم يعود ليمسكه من جديد. وبقي على هذه الحال حتى بدأ الصباح يقترب. --- مع شروق الفجر 🌅 عاد أسد إلى منزله، ودخل لينام. استحم، ثم ارتدى سروالًا فقط، وانهار على السرير، واضعًا يده فوق عينيه. كان شعره مبللًا، وكتفاه عريضين، وجسده مرهقًا. كان يحاول أن يطرد صورة أمه من ذهنه، لكنها لم تتركه. --- مع صباح جديد… دخلت الشمس من الزجاج الكبير المطل على البحر. نهض أسد من سريره ببطء. نظر إلى روبن، فألقى عليه وسادة، فاستيقظ النمر الصغير وبدأ يهاجمه في لعب عنيف. كان روبن لا يزال صغيرًا، لكنه قوي، يتغذى على اللحم والأسماك، ويتم الاعتناء به طبيًا بشكل جيد. كان أسد يربي الحيوانات التي لديه منذ صغرها، ثم يعيدها إلى المحميات عندما تكبر، ثم يأتي بغيرها. لهذا كانت حيواناته معتادة على العيش معه بحرية داخل الفيلا، بلا أقفاص. فتح أسد هاتفه بعد أن وضع شريحة جديدة. وجد عشرات الاتصالات من يونس وسارة. حاول أن يرفع الهاتف، لكنه لم يستطع. دخل عادل إلى الغرفة، ورآه في تلك الحالة. توقف أمامه بصمت. كان وجهه مليئًا بالحزن. قال أسد: "م… ماتت؟ صحيح؟" هز عادل رأسه بأسف. في تلك اللحظة، أغلق أسد عينيه بقوة. ثم أسند رأسه إلى الجدار. كان الألم بداخله أشد من أي شيء. حريق داخلي لا يُرى. بقي صامتًا، لا يتحرك. عادل شعر بالخوف وخرج بهدوء، بينما بقي روبن يراقبه في صمت. ثم ضرب أسد رأسه بيده بقوة، وقال بصوت منخفض: "لن أحزن عليها… لا… هي من تخلت عني وتركتني في الشارع… لن أحزن… لا يجب أن أحزن."يونس: ولماذا تكذب؟ كان بإمكانها أن تقول ببساطة إنها ابنة فلان.أسد: ابنة خالد الفهري؟ يا رجل، ما بك؟ ذلك الرجل عقيم أساسًا، و انظر إلى عمرها! و أنت حيواناتك المنوية أكثر من سكان الصين وما زلت أعزب.يونس: ههههه، لا أعلم، لكنها لا تبدو طبيعية بالنسبة لي، و كأنها تحاول لفت انتباه شخص ما. انظر إلى تصرفاتها.أسد: هيا بنا نغادر من هنا. مضى وقت طويل منذ أن خرجت للمشي. روبن انتهى من طعامه، فلنتمشَّ داخل الغابة، فهي جميلة. و هذه الفتاة، إن كانت تخطط لشيء ما فسنعرف ذلك لاحقًا. أما إذا غادرت دون أن تفعل شيئًا فسنعتبر الأمر عاديًا.يونس: نعم، هذا احتمال أيضًا.نهض الاثنان للمشي، وتبعهما روبن بين الأشجار حتى الظهيرة. وعندما اشتدت حرارة الشمس، غادر يونس لأنه كان مضطرًا للذهاب إلى الشركة. كان هو من يدير كل شيء هناك، رغم أن الشركة أصبحت في وضع سيئ وتراجعت أعمالها بسبب سمعتها السيئة، إذ لم تعد تسدد مستحقات الناس، وأصبح الجميع يتجنب التعامل معها.أما أسد فعاد إلى منزله متعبًا ومتعرقًا من طول المشي. ترك روبن ودخل ليستحم، ثم خرج مرتديًا سروالًا عسكري الطابع وقميصًا زيتوني اللون، واستلقى على الأريكة على ب
الفصل 14بعد أسبوعين...استيقظ أسد مجدداً على عادته في صباح جديد مشمس وحار، وأخذ يضرب الوسادة في روبن حتى يوقظه.استيقظ الاثنان ودخلا إلى الحمام، وكان أسد في مزاج جيد هذه المرة، خاصة بعدما أصبحت شركة التصدير الخاصة به تتصدر قائمة الشركات في البورصة، وكانت أموره تسير على أفضل ما يرام.خرج من الحمام، وبدأ كعادته يتصارع مع روبن. كان يتركه يفعل ما يشاء حتى يخدش كتفه بمخالبه فتسيل منه قطرات من الدم.توجه إلى غرفة الملابس وارتدى سروالاً أبيض بخطوط سوداء، وبقي عاري الصدر، لا يضع سوى سلسلة فضية رقيقة حول عنقه، فهي الوسيلة التي تنبهه إلى إشعارات هاتفه.أخذ نظارته وقبعته، ارتداها بالمقلوب، ثم ألقى قبعة أخرى على روبن ووضعها له وهو يضحك.خرج الاثنان نحو الشاطئ.أحضر له محمد فطوره.كان محمد أقرب الموظفين إلى أسد، لأنه شخص هادئ ومنظم ويهتم بأسرته وأطفاله، كما أنه يتحدث ببطء ووضوح، وهو ما يساعد أسد على قراءة حركة شفتيه وفهم كلامه بسهولة، على عكس كثير من العاملين الذين يتحدثون بسرعة أو بتوتر.وضع له محمد فطوره المعتاد.كما وضع أمام روبن قطعة من لحم الخنزير، فجلس يفترسها بنهم.أمسك أسد كوب القهوة بيد،
تابعت سيارة الأجرة سيرها حتى وصلت إلى حي شعبي بامتياز. أمام كل باب مجموعة من الأشخاص يجلسون يتناولون بذور دوار الشمس، يتبادلون الأحاديث عن المارة ويخوضون في أخبار الجيران. هنا امرأة تجلس مع أطفالها، أحدهم يرضع منها، وبجانبها صينية بطيخ لم يتبق منها سوى القشور. وفي رأس كل زقاق مجموعة من العاطلين عن العمل يتجمعون حول الأحاديث والنقاشات، يتحدثون عن كل شيء وكأنهم خبراء في كل المجالات.توقفت سيارة الأجرة أمام منزل لامار... أو بالأحرى فاطمة الزهراء، لأن لامار ليس سوى الاسم الذي اشتهرت به في الملهى الليلي.كان المنزل بسيطاً، بابه مفتوح وستارة تفصل المدخل عن الداخل. كانوا يستأجرون الطابق الأرضي فقط.نزلت من السيارة، دفعت الأجرة، بينما كان أطفال الحي يراقبون كل شيء كعادتهم.دفعت الستارة ودخلت، فوجدت والدتها نائمة، وإخوتها مصطفين كعلب السردين في ذلك الحر الشديد، بينما التلفاز يعمل وهم يتابعون برنامج "رشيد شو".قالت رقية:"يا زهيرة، أراك عدتِ مبكراً، وهذا ليس من عادتك."قالت لامار وهي تدخل بخطوات متثاقلة:"اجمع رجليك ودعني أمر. كأنكم سقطتم من طائرة هنا. عدت مبكراً لأن السهرة انتهت بسرعة وتفرق ال
قالت لامار:"يا إلهي! هل أصابك الجنون أم ماذا؟ أُلين قلبه؟ نعم، قد يحبني، لكن الكذب والخداع لا علاقة لي بهما إلا الخير والإحسان. يكفي أن ينظر إليّ تلك النظرة حتى أفضح كل شيء. أبعدني عن هذه الفكرة، فأنا لا أصلح لها."قال عزيز:"اتضح أنك جبانة أكثر مما توقعت."قالت لامار:"هل أنت عاقل أم فقدت صوابك؟ أتريد أن ترميني في طريق رجل مثل ذلك؟ وإذا أصبحت مشنوقة وأنا ما زلت في عز شبابي؟ أنا ما زلت أحلم بأن أصبح مشهورة مثل صافيناز."قال عزيز:"لن يحدث لك شيء إذا التزمت بما أقوله. لماذا بدأتِ ترتجفين من الآن؟"قالت لامار:"انظر يا طويل العنق، مهما بدا الأمر سهلاً، لساني لا يعرف الترويض. نحن لا نعيش إلا بين الذئاب، ولذلك اضطررنا أن نظهر أنيابنا ونصبح أقوياء. آكلهم قبل أن يأكلوني حتى أُطعم أولئك الذين ينتظرونني في البيت. أما الكذب والخداع فلا أعرفهما، فقد يخرج عليّ بسيف فأموت من الخوف."قال عزيز:"أي سيف؟ هل هو عنترة بن شداد؟ إنه رجل عادي، بل سيعجبك كثيراً عندما ترينه، وقد تقولين لي بعدها: هنا سأبقى."قالت لامار:"لا، لا... وإذا اكتشف أمري؟ وإذا فعل بي هذا روكان شيئاً؟"قال عزيز وهو يتفحصها بنظره:"
حبيبي الأصمبقلم: كاميليا جودالفصل الحادي عشرعند أسدنزل أسد من اليخت، وكان عدد من الرجال في انتظاره. أما روبن فكان جالسًا فوق كتفه، وقد ازداد حجمًا وأصبحت أنيابه أكثر بروزًا.كانت بشرته قد ازدادت سمرة بفعل شمس الجزيرة القاسية التي قضى فيها الأسابيع الماضية.ما إن وطئت قدماه الأرض حتى أسرع عادل نحوه.عادل:"الحمد لله على السلامة. الحمد لله أننا رأيناك بخير."أسد:"هل سأل عني أحد؟"عادل:"جاء كثيرون لتقديم العزاء، وكنا نعيدهم. ألغينا جميع مواعيدك. وهناك شاب جاء مرتين ولم يجدك."أسد:"من هو؟"عادل:"قال إن اسمه يونس."أسد:"حسنًا... أحضر الغداء إلى المنزل، وأحضر طعام روبن أيضًا."دخل أسد إلى الفيلا، بينما أطلق عادل زفرة ارتياح بعدما ابتعد عنه.ففي وجود أسد كان يشعر دائمًا بالتوتر.تمتم عادل:"كنت أظنه سيترك ذلك النمر هناك، فلماذا أعاده معه؟ سيأتي يوم ويطير فيه رأس أحد الرجال."ثم توجه نحو الطباخ.عادل:"جهز الغداء، روكان عاد."الطباخ:"الحمد لله على سلامته. ربما أصبح أكثر هدوءًا الآن."عادل:"لا أعرف كيف يفكر هذا الرجل. عقله لا يمكن توقعه أبدًا. لولا الراتب الكبير الذي أتقاضاه، لكنت..
حبيبي الأصمبقلم: كاميليا جودالفصل العاشرساد الصمت بينهما للحظات.ثم قالت سارة:"هل نسيتني يا أسد؟"أجابها:"لو كنت قد نسيتك، لكنت سألتك من أنت."قالت بحزن:"أنت لا تسأل عني أبدًا."ردّ:"حتى التي أنجبتني لم أعد أسأل عنها."تنهدت وقالت:"كم أصبح قلبك قاسيًا."نظر إليها وقال:"وهل ترين أن قلبي لم يقسُ بعد؟ ما الذي أبقاكِ هنا حتى الآن؟"أجابته:"عودتك."قال:"وماذا ستضيف عودتي أو تنقص؟"قالت:"ستحميني."ابتسم ابتسامة باهتة وقال:"لم أستطع أن أحمي نفسي من الهواجس التي تسكنني، ولا من العنف الذي أحمله بداخلي حتى أصبحت أؤذي نفسي... فكيف سأحميكِ أنتِ؟"قالت بهدوء:"أنا لا أخاف منك."صمت قليلًا، ثم قال:"سارة... يجب أن أرحل. إذا احتجتِ إلى شيء... فأنتِ مرحب بكِ."ثم تجاوزها ومضى.امتلأت عيناها بالدموع وهي تراقبه يبتعد.وقبل أن يغادر الفيلا، التقى بيونس.قال يونس:"أنت راحل؟"أجاب أسد:"وماذا سأفعل هنا؟"قال يونس:"لا تنسنا، أرجوك."رد أسد:"أنت تعرف أين تجدني."وأشار له بنظرة فهم منها يونس أنه مرحب به في أي وقت.ثم ركب سيارته وغادر.كان أكثر هدوءًا الآن.فأمه أصبحت تحت التراب، لكنها على الأ






