/ الرومانسية / حرارته في فمي / الفصل 2: الاستدعاء الأول

공유

الفصل 2: الاستدعاء الأول

작가: Déesse
last update 게시일: 2026-06-18 07:38:12

تيو

---

ثلاثة أيام.

ثلاثة أيام لم أنم فيها. ثلاث ليالٍ أحدق في السقف، وأعد الشقوق، وأعيد مشاهدة مشهد المحكمة في رأسي، النظرة الرمادية، الرداء الأسود، الابتسامة الخفية. ثلاثة أيام أتنقل بين مكاتب المحاماة والبنوك وكتّاب العدل، أملأ استمارات، أوقّع أوراقاً، أتصل بأناس لا يردون. ثلاثة أيام أكذب على أمي، أقولها أن كل شيء سينجح، وأن أبي سيخرج، وأن العدالة ستعترف ببراءته، أقدم لها كلمات فارغة لا أصدقها أنا نفسي. ثلاثة أيام أشاهدها تذبل، وملامحها تتساقط، وعيناها تغوران، وأفاجئها تبكي وحدها في المطبخ أمام فنجان قهوة بارد. ثلاثة أيام أرى أختي تلوذ بغرفتها لتبكي دون أن أسمعها، وأسمعها تكتم شهقاتها في وسادتها ليلاً.

أنا منهك. مجهود. في نهاية حبلي. جسدي ليس سوى قشرة تمضي بدافع العادة، بردّ فعل، لأن الأمر يتطلب ذلك.

وهذا الصباح، بينما أشرب قهوة باردة في الشقة الصامتة، أمي لم تستيقظ بعد، أختي محبوسة في غرفتها، يهتز هاتفي على طاولة المطبخ.

رسالة. مرسل غير معروف.

"تيو ديلما مدعو إلى مكتب القاضي ديلاكروا اليوم الساعة 14:00. قصر العدل، الطابق الثالث، المكتب 312. الحضور إلزامي."

أقرأها ثلاث مرات. ديلاكروا. هذا الاسم لا يقول لي شيئاً، ومع ذلك يتردد في داخلي كصدى. أبحث على الإنترنت، أصابعي ترتجف. قاضي تحقيق. متخصص في القضايا المالية. آه.

إنه هو.

الرجل ذو العينين الرماديتين. ذلك الذي كان يراقب فمي.

ترتعد قشعريرة في عمودي الفقري، تصعد على طول عمودي الفقري، تجعل شعري ينتصب على ذراعيّ. خوف؟ لا، ليس فقط. شيء آخر، أكثر غموضاً، أكثر عمقاً، أكثر حميمية. ترقب أرفض تحليله، خليط من القلق والفضول المريض. صوت في داخلي، صغير، مخزٍ، يهمس أنني سأراه مجدداً.

الساعة 13:45، أنا أمام قصر العدل. الواجهة المهيبة، الأعمدة الرخامية، الأعلام التي ترفرف في الريح الباردة. كل شيء يبدو لي عدائياً، مهدداً، كبيراً جداً، بارداً جداً. أجتاز فحوصات الأمن، أظهر استدعائي بيد ترتجف، أمر تحت البوابة التي تصدر صوتاً دون سبب، يفتشني، يسمح لي بالمرور. أصعد إلى الطابق الثالث عبر درج لا نهاية له، كل خطوة جهد، كل هبوط محنة.

الممر طويل، لا نهائي، مضاء بنيونات تطن، ضوء شاحب يعطي كل شيء لوناً مريضاً. أبواب خشبية داكنة تصطف، جميعها متطابقة، بلوحات نحاسية بالية بفعل الزمن. أسماء محفورة، ألقاب، أرقام. مكتب 312. أطرق.

— تفضل.

صوت عميق، رزين، جهوري، يبدو قادماً من بعيد جداً ومع ذلك يتردد بالقرب، في صدري، في بطني. أدفع الباب.

الغرفة واسعة، أكبر بكثير مما تخيلت. مكتبات من الأرض إلى السقف مكسوة بملفات وقوانين، تجليد جلدي، عناوين ذهبية، رائحة ورق قديم وخشب ملمّع. مكتب ضخم من خشب الماهوجني، منظم بشكل مثالي، لا ورقة بارزة، لا قلم شاردة. نافذة تطل على المدينة، لكن السماء رمادية، والضوء كئيب، وكل شيء يغرق في شبه ظلام محكم. وخلف المكتب، هو.

إدوارد ديلاكروا.

لا يرتدي رداءه اليوم. بذلة داكنة، بقصة مثالية، قميص أبيض ناصع، لا ربطة عنق، الأزرار الأولى مفتوحة تترك مجالاً لرؤية بداية صدر قوي. شعره مشوش قليلاً، وكأنه مرر يده فيه، وكأنه استيقظ لتوه من قيلولة أو خرج من عناق. إنه أكثر إبهاراً مما كان عليه قبل ثلاثة أيام. أطول. أعرض. أكثر حضوراً. أكثر وسامة أيضاً، بجمال خطير، مغناطيسي.

يرفع عينيه نحوي، وأشعر فوراً بتلك النظرة تثقل على جلدي كيد غير مرئية، كلمسة لا تجرؤ على الحدوث. عيناه الرماديتان تجوبان وجهي، تتوقفان على فمي لثانية زائدة، ثم ترتفعان نحو عينيّ.

— تيو ديلما. اجلس.

صوته هادئ، رزين، مهني، لكن هناك شيئاً تحته، اهتزاز بالكاد محسوس، دفء مكبوح، يجعلني أطيع دون تفكير. أجلس على الكرسي المقابل له. إنه غير مريح، عمداً على الأرجح، منخفض جداً، صلب جداً، مصمم لإبقاء الجالس عليه في موقف دونية.

لا يقول شيئاً.

ينظر إليّ.

تمر الثواني. عشر. عشرون. ثلاثون. دقيقة. أبدأ بالشعور بعدم الارتياح، أتقلب على كرسيّ، أشبك رجليّ وأفككهما. أتساءل، لكسر الصمت، لأقول شيئاً، أي شيء.

— سيدي القاضي، جئت بخصوص والدي...

يرفع يده، يقاطعني دون كلمة. حركته سلسة، آمرة، حاسمة. أصمت، جملتي معلقة، فمي لا يزال مفتوحاً لكسرة ثانية قبل أن أغلقه.

يواصل النظر إليّ.

أخفض عينيّ، أرفعهما، أخفضهما مجدداً، كحيوان محاصر بضوء ساطع جداً. هو ساكن، ساكن تماماً، كتمثال، كسنور متربص. فقط عيناه تتحركان، تجوبان وجهي ببطء منهجي، تتوقفان على شفتيّ، عينيّ، رقبتي، كتفيّ، يديّ، وتعودان بلا انقطاع إلى فمي.

خمس دقائق. عشر دقائق. أفقد الإحساس بالوقت. رقبتي تبدأ تؤلمني من فرط التجمّد. يداي مبتلتان على فخذيّ، أشعر بالعرق يتصبب على صدغي، يسيل ببطء على ظهري، قطرة ترسم طريقاً حارقاً على طول عمودي الفقري.

أخيراً، يتكلم.

— لديك فم جميل جداً، تيو.

صوته محايد، منفصل، كمن يعلق على الطقس أو لون شعرك. أنتفض، أكاد أسقط من كرسيّ.

— عذراً؟

— فمك. إنه معبّر. يقول كل ما لا تقوله. في هذه اللحظة بالذات، يرتجف قليلاً، الزاوية اليسرى تنخفض بشكل غير محسوس. أنت خائف، لكنك ترفض الاعتراف بذلك. تضم شفتيك واحدة إلى الأخرى لمنعهما من خيانة مشاعرك، لكنهما ترتجفان رغم ذلك. هذا رائع.

أبقى بلا صوت، فمي مفتوحاً بغباء، أغلقه فوراً عندما أدرك أنه يراقبني. ما هذا الاستجواب؟ لماذا يتحدث عن فمي؟

— لم آت للحديث عن فمي، سيدي القاضي. جئت من أجل والدي.

يميل رأسه قليلاً، حركة بالكاد محسوسة، وكأنه يدوّن ردتي، وكأنه يقيم مقاومتي.

— والدك. جاك ديلما. إطار مالي، اثنان وخمسون عاماً، متزوج، ولدان. أنت وأختك إيزابيل.

— نعم. إنه بريء.

يبتسم. ابتسامة بالكاد مرسومة، ارتعاشة في الشفتين، لكنها تجعل عينيه تلمعان ببريق خطير.

— كلهم أبرياء، تيو. هذا ما يقولونه.

— ليس هو. أنا أعرفه. إنه والدي.

— أنت تعرفه. بالطبع. الآباء دائماً أبطال في أعين أبنائهم. حتى اليوم الذي يتوقفون فيه عن ذلك.

نبرته ساخرة، شبه قاسية، ذرة ازدراء في صوته. أشعر بالغضب يتصاعد في داخلي، ساخناً، أحمر، عنيفاً.

— أنت لا تعرفه. أنت لا تعرف شيئاً عنه.

أقوم، مستعداً للمغادرة، لصفع الباب، للهروب من تلك النظرة التي تحرقني. لكن صوته يثبّتني في مكاني، يجمّدني في منتصف حركتي.

— اجلس.

كلمتان. فقط كلمتان. لكن النبرة تغيرت. لم تعد اقتراحاً، بل أمر مطلق، سلطة لا راد لها. جسدي يطيع قبل أن يقرر دماغي، ساقاي تخذلانني، أجلس مجدداً بثقل، غاضباً من نفسي، من ضعفي، من هذا الخضوع اللاإرادي.

يقوم بدوره، ببطء، برشاقة سنورية، يدور حول مكتبه. إنه طويل حقاً، أدرك ذلك الآن تماماً. قرابة المتر والتسعين، بنية رياضي مخبأة تحت البذلة، أكتاف عريضة، خصر نحيف، يدان قويتان. يقترب من كرسيّ، يتوقف على بعد متر مني، لا أكثر. أشعر بعطره، خشبي، توابل، مخمور، مع نفحة جلد وشيء أكثر حيوانية، أكثر خشونة. قلبي يتسارع.

— تيو. أعرف أن والدك بريء.

أرفع عينيّ نحوه، مذهولاً، غير مصدق. شفتاي تنفرجان، لا يصدر أي صوت.

— أعرف أنه وقع في فخ زملائه. أعرف أنه لم يلمس هذا المال أبداً. أعرف كل هذا منذ اليوم الأول.

— إذن لماذا... لماذا هو في السجن؟

— لأنني أريد ذلك.

الصدمة عنيفة لدرجة أنني أبقى فمي مفتوحاً، متجمداً، غير قادر على الرد. ينظر إليّ، وهذه المرة، هناك بريق مختلف في عينيه. بريق جوع، رغبة، تملك. بريق يخترقني من جانب إلى آخر.

— لا أفهم...

— ستفهم قريباً. ليس الآن. الآن، عد إلى المنزل. استرح. تبدو منهكاً، عيناك مجهودتان، بشرتك شاحبة. غداً، في نفس الوقت. سنتحدث عن والدك. حقاً.

يعود خلف مكتبه، يجلس بنفس الرشاقة السنورية، يستأنف ملفاته وكأنني لم أعد موجوداً، وكأن محادثتنا انتهت، وكأنني لم أعد موجوداً. الجلسة انتهت.

أنهض، مذهولاً، مرتجفاً، وأخرج من الغرفة دون كلمة أخرى. في الممر، أتوكأ على الحائط، أنفاسي قصيرة، قلبي يدق بعنف. ما الذي حدث للتو؟ من هذا الرجل؟ ماذا يريد مني؟

أعود إلى المنزل في ضباب، أعبر الشوارع دون رؤيتها، أتجنب المارة بأعجوبة. أمي تنتظرني، وجهها قلق.

— إذن؟ كيف سار الأمر؟

أكذب. أقول أن القاضي كان متفاهماً، وأنه سيدرس الملف، وأنه يجب التحلي بالصبر. تبكي فرحاً، تضمني بين ذراعيها. أضمها أيضاً، لكن عقلي في مكان آخر، على بعد ألف كيلومتر، في مكتب مظلم، أمام عيون رمادية.

تلك الليلة، لا أنام. أحدق في السقف، وفكرة واحدة تدور في رأسي: غداً. غداً، سأعرف.

---

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • حرارته في فمي   الفصل 16: الفم المشتعل

    تيو---في المساء الحادي عشر، لا أستطيع نسيان كلمات المحامية فايس. رغم اعترافاته، ورغم دموعه، ورغم حقيقته، تبقى الشكوك، تنخر، تلتهم. إنها هناك، كامنة في ظل عقلي، مستعدة للظهور عند أدنى صمت، وأدنى نظرة، وأدنى إيماءة غامضة.أدخل مكتبه. لا أركع. أبقى واقفاً، ذراعاي متقاطعتان، نظراتي قاسية، فكي مشدود.— أريد أن أعرف.يرفع عينيه عن ملفاته، يتنهد. تنهيدة منهكة، متعبة، مستسلمة.— ماذا أيضاً، تيو؟— كم؟ بالضبط. كم فتى قبلي؟ أريد أرقاماً. أريد أسماء. أريد وجوهاً.يقوم، منزعجاً، محتاجاً.— تيو، لقد تحدثنا عن هذا البارحة. قلت لك الحقيقة. ماذا تريد أكثر؟— الحقيقة الكاملة. ليس تعميمات. تفاصيل. أريد أن أعرف على أي أساس أقف. أريد أن أعرف إن كنت واحداً من بين كثيرين، أم أنني حقاً مختلف. أريد أن أعرف إن كانت دموعك، مداعباتك، لياليك التي تراقبني فيها وأنا نائم، كل هذا لي أم للقادم من بعدي.يقترب، وأشعر بغضبه يرتفع، أراه في عينيه التي تغمق، في فكه الذي يشتد، في قبضتيه اللتين تتشنجان.— قلت لك إنك مختلف. قلت لك إنك الأول الذي دخل. قلت لك كل ما استطعت قوله. ماذا تريد أكثر؟ أدلة؟ أفعالاً؟ لا أستطيع أن أعط

  • حرارته في فمي   الفصل 15: غيرة القصر

    تيو---في اليوم العاشر، ينقلب كل شيء.إنه بعد الظهر. أحد تلك الظهائر الرمادية حيث تبدو السماء تثقل على المدينة كغطاء. أنا في قصر العدل لإجراء معاملة إدارية، واحدة من تلك الإجراءات التي لا تعد ولا تحصى التي يتطلبها ملف والدي، ورقة لتوقيعها، استمارة لملئها، خانة لوضع علامة فيها. أمشي في الممرات التي بدأت أعرفها عن ظهر قلب، هذه الممرات الطويلة بنيوناتها الطنانة، وأبوابها الخشبية الداكنة، وألواحها النحاسية البالية بفعل الزمن.وفجأة، أراها.تخرج من مكتب القاضي. الباب 312، ذلك الذي أعرفه جيداً، الذي أدفعه كل مساء في الثامنة تماماً. تخرج منه بثقة هادئة، وكأنها في منزلها، وكأن لها كل الحقوق.المحامية كارول فايس. محامية جنائية مشهورة، معروفة في جميع أنحاء نقابة المحامين بمرافعاتها المتألقة وفتوحاتها المتألقة بنفس القدر. امرأة في الأربعينيات من عمرها، شعر أحمر ناري، ترتدي الأحمر من رأسها إلى قدميها، أحمر كالنار، أحمر كالخطر، أحمر كالإغراء. كعبها يرن على رخام الممر بسلطة طبيعية، بثقة لن أمتلكها أبداً.إنها جميلة. بجمال عدواني، استفزازي، يجذب كل الأنظار، ويحبسها، ويتحداها. جمال محاربة، غازية، مف

  • حرارته في فمي   الفصل 14: الآثار

    تيو---في المساء التاسع، عندما استيقظت على الأريكة في المكتب، في منتصف الليل، كان الظلام لا يزال حالكاً. المصباح لا يزال مضاءً على المكتب، يلقي بدائرته المألوفة من الضوء، لكن كرسي القاضي كان فارغاً. فارغاً. أين هو؟ توقف قلبي عن النبض للحظة، أصابني هلع سخيف.ثم شعرت بحضور قريب جداً مني. قريب جداً، قريب لدرجة أنني أدركت حرارته حتى قبل أن أراه. أدرت رأسي ببطء لا نهائي، وكأن أدنى حركة يمكن أن تحطم السحر، ورأيته.إنه جالس على الأرض، بجانب الأريكة، رأسه موضوع بالقرب من رأسي على حافة الوسادة، وهو ينظر إليّ. عيناه مفتوحتان، مثبتتان عليّ، تلمعان في شبه الظلمة بضوء لا ينتمي إلا لهما. وأصابعه... أصابعه في شعري، تداعبه بنعومة لا نهائية، بحنان لم أعرفه فيه، ولم أكن لأتخيله ممكناً في هذا الرجل القاسي، البارد، المنيع.لم أقل شيئاً. لم أتحرك. لم أرد كسر هذه اللحظة، ولم أردها أن تتوقف، ولم أرد أن يدرك ما يفعله ويسحب يده. تركته يفعل، تركته يلمسني، تركته يحبني بطريقته، الصامتة، الليلية، شبه المذنبة.تنساب أصابعه من شعري إلى جبهتي، ببطء شديد، وكأنه يستكشف أرضاً مقدسة. تلامس حاجبيّ، تتبع منحناهما، ترسم ش

  • حرارته في فمي   الفصل 13: الليلة الأولى

    تيو---للمرة الأولى منذ بداية هذه العلاقة الغريبة، منذ ذلك المساء الأول الذي لمست فيه ركبتاي الوسادة الحمراء، لا يطردني القاضي في نهاية جلستنا.لقد تأخر الوقت، تأخر جداً، بعد منتصف الليل بكثير. مكاتب قصر العدل صامتة، أكثر صمتاً من المعتاد، وكأن حتى الجدران نائمة. الممرات مهجورة، مضاءة فقط بأضواء الأمان التي تنشر ضوءاً برتقالياً، شبحياً. المدينة، من خلال النافذة، نامت هي أيضاً، أضواءها تنطفئ واحدة تلو الأخرى، وأصواتها تتلاشى في الليل.نحن وحدنا في العالم، هو وأنا، في هذه الجزيرة من الضوء التي يشكلها مصباحه على مكتبه، ذلك المصباح الذي رآنا نولد، نكبر، نتحول. وحدنا مع صمتنا، وما لم يُقل، ورغباتنا التي لا نبوح بها.يقوم، يفتح خزانة لم أنتبه إليها، مخبأة في المكتبة خلف صف من القوانين التي كنت أظنها أصلية. يخرج منها ملاءات، بطانية سميكة، وسادة. ملاءات بيضاء، بسيطة، تفوح منها رائحة اللافندر، وكأنها أعدت منذ زمن، وكأنه توقع هذه اللحظة، وكأنه تمنّاها، وانتظرها، وأعدّها.يحملها إلى زاوية من المكتب لم أنظر إليها حقاً قط، زاوية مظلمة يوجد فيها أريكة قديمة، مغطاة بمخمل أخضر، بالية بفعل الزمن لكنه

  • حرارته في فمي   الفصل 12: زاوية الشفاه

    تيو---في المساء الثامن، بعد عشرة أيام من هذه الطقوس التي أصبحت حياتي، بعد هذه الليالي من الركوع والتوسل، بعد هذه القبلات المسروقة وهذه الاعترافات المسجلة، بعد هذه اليد الموضوعة على مؤخرة عنقي لمدة ساعة كاملة، بعد هذا الشكر الذي جعل القاضي يبكي في شعري، لم أعد أعرف جيداً من أنا، ولا ماذا أفعل هنا، ولا ما أشعر به حقاً تجاه هذا الرجل الذي قلب وجودي رأساً على عقب.أدخل مكتبه في الثامنة مساءً، كالعادة، وكأن جسدي استوعب هذا الإيقاع الجديد، هذه الساعة الداخلية التي أعادت ضبط نفسها عليه. أطرق طرقتين، ليستا قويتين جداً ولا ضعيفتين جداً، فقط ما يكفي للإعلان عن وجودي دون إزعاج الصمت الذي يسود هذا المعبد. أدخل دون انتظار الرد، لأنه قال لي إنني لم أعد بحاجة للانتظار، وأن مكاني هنا، وأن مجيئي أصبح الآن طبيعياً كشروق الشمس، حتمياً كالمدّ الصاعد.أركع على الوسادة الحمراء، تلك الوسادة التي تأقلمت مع شكل ركبتيّ، التي تحتفظ بأثر وزني، التي أصبحت مكاني، منطقتي، ملجئي. أنتظر حتى يتكلم، كالعادة، يديّ على فخذيّ، نظري منخفض، في وضعية الخضوع هذه التي أصبحت مألوفة جداً لدرجة أنني أستطيع اعتمادها وعيناي مغمضت

  • حرارته في فمي   الفصل 11: الأب يتقدم

    تيو---في المساء السابع، أصل بقلق جديد، خوف لم أعرفه من قبل. النهار كان صعباً، أصعب من كل الأيام التي سبقته. أمي أصيبت بنوبة بكاء أثناء الإفطار، انهارت فجأة على طاولة المطبخ، تهزها شهقات عنيفة لدرجة أنني ظننت أنها ستغمى عليها. أختي صفعت باب غرفتها وهي تصرخ بأنها سئمت، وأنها لم تعد تتحمل هذه الحياة، وأنها تريد حياة طبيعية مثل كل شباب في عمرها. أما أنا، فتحملت، وعزيت، وكذبت، ووعدت بأشياء لست متأكداً من قدرتي على الوفاء بها. كالعادة.أدخل مكتبه، منهكاً، مفرغاً، في نهاية قواي. أركع دون كلمة، دون حتى النظر إليه. طقس.ينظر إليّ، وأرى في عينيه أنه يعرف. يعرف كل شيء. يعرف يومي، وقلقي، وأكاذيبي، ووعودي المستحيلة. يعرف دائماً كل شيء. هذه هي قوته، لعنته ربما.— لدي خبر سار، تيو.أرفع عينيّ نحوه، قلبي يدق فجأة، الأمل يولد مجدداً رغم أنفي.— والدك سيحصل على حق الزيارة. بعد يومين. بفضل تدخلي، ببعض المكالمات في الأماكن الصحيحة، وبعض الضغوط المطبقة في الأماكن المناسبة.يتوقف العالم. يتجمد الزمن. تتردد الكلمات في رأسي كموسيقى سماوية. والدي. حق الزيارة. سأتمكن من رؤيته، لمسه، التحدث إليه، ضمه بين ذراع

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status