ログインالـفـصـل الـثـانـي
"أصعب الرسائل ليست تلك التي نخشى قراءتها... بل تلك التي نخشى أن تغيّر حياتنا." لم تنم ليان تلك الليلة إلا مع اقتراب الفجر. كان الظرف البني لا يزال فوق مكتبها، كما تركته قبل ساعات. كلما همّت بفتحه، تراجعت. وكلما قررت أن تؤجله، عاد فضولها يدفعها نحوه من جديد. جلست على حافة سريرها تحدق إليه بصمت. كيف يمكن لورقة صغيرة أن تصبح أثقل من جبل؟ مدّت يدها إليه، ثم سحبتها مرة أخرى. ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت لنفسها: "لو كان أبي يريدني أن أقرأها فورًا... لما كتب: عندما تشعرين أن الوقت قد حان." أطفأت المصباح. وتركت الظرف مكانه. في صباح اليوم التالي... استيقظت على صوت العصافير التي اعتادت أن تحط على شجرة الرمان أمام نافذتها. فتحت الستائر، فتسللت أشعة الشمس إلى الغرفة، لتنعكس على إطار صورة والدها. اقتربت منها. عدّلتها قليلًا، ثم قالت بابتسامة هادئة: "صباح الخير... أرجو أن يكون قراري صحيحًا." ارتدت زي المدرسة، وعلّقت القلادة حول عنقها كما تفعل كل صباح. قبل أن تغادر، ألقت نظرة أخيرة على الظرف. ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها. كان الطريق إلى المدرسة يعج بالحركة. طلاب يتبادلون الأحاديث، وسيارات تعبر الشارع، وبائع خبز ينادي على بضاعته. لكن ليان كانت تمشي وحدها، تستمع إلى ضجيج المدينة دون أن تشارك فيه. وفي منتصف الطريق... توقفت فجأة. رائحة مألوفة ملأت المكان. رائحة زهور الياسمين. استدارت نحو حديقة صغيرة تقع عند زاوية الشارع. هناك... كانت امرأة مسنة تجلس على مقعد خشبي، وتضع بجانبها سلة مليئة بالزهور. ابتسمت المرأة عندما رأت ليان تحدق بها. وقالت بلطف: "هل تحبين الزهور يا ابنتي؟" اقتربت ليان بخطوات مترددة. أجابت: "أحبها... لكنها تذكرني بأشخاص رحلوا." هزت المرأة رأسها وكأنها فهمت معنى الكلمات. ثم التقطت زهرة ياسمين صغيرة وقدمتها إليها. "احتفظي بها." ترددت ليان. "لكنني لم أشترِ شيئًا." ضحكت المرأة بخفة. "ليست كل الهدايا تُشترى." ابتسمت ليان لأول مرة منذ أيام. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت صادقة. أخذت الزهرة وشكرتها. وقبل أن تغادر، قالت المرأة بهدوء: "والدك كان يشتري مني الياسمين كل أسبوع." توقفت ليان مكانها. استدارت بسرعة. "هل... كنتِ تعرفين أبي؟" ابتسمت المرأة بحنين. "كان رجلًا طيبًا." وقبل أن تضيف شيئًا آخر، وصل أحد الزبائن، فانشغلت بالحديث معه. شعرت ليان برغبة في سؤالها عن المزيد، لكنها نظرت إلى ساعة يدها. كانت ستتأخر عن المدرسة. اكتفت بإلقاء نظرة أخيرة عليها، ثم أكملت طريقها. لكنها وعدت نفسها أن تعود بعد انتهاء الدوام. دخلت المدرسة قبل دقائق من بدء الحصة الأولى. كان الطلاب يتبادلون الضحكات في الممرات. أما هي، فاتجهت مباشرة إلى صفها. وما إن جلست في مقعدها المعتاد قرب النافذة، حتى جاءها صوت مألوف. "صباح الخير." رفعت رأسها. كان آدم يقف إلى جانب المقعد المجاور، يحمل في يده كتابًا. ابتسم ابتسامته الهادئة. "هل المقعد محجوز؟" نظرت إليه للحظة. ثم قالت بهدوء: "لا." جلس وهو يضع الكتاب على الطاولة. ساد صمت قصير. ثم قال وهو ينظر إلى الغلاف: "أعرف أنك لا تحبين الحديث كثيرًا... لذلك أحضرت هذا." دفع الكتاب نحوها. كان رواية قديمة. وعلى الصفحة الأولى، اقتباس كُتب بخط جميل: "الكتب تمنحنا فرصة أن نعيش أكثر من حياة." لم تستطع ليان أن تمنع نفسها من الابتسام ابتسامة خفيفة. قالت: "أبي كان يقول شيئًا يشبه هذا." نظر إليها آدم باهتمام. لكنه لم يسأل. واكتفى بقوله: "إذن أظن أنه كان يحب القراءة." هزت رأسها. "كان يقول إن الكتاب الجيد... يغيّر الإنسان دون أن يطلب منه ذلك." رن جرس الحصة. فأعاد آدم الكتاب إليها قائلاً: "احتفظي به حتى تنتهي منه." نظرت إلى الكتاب بين يديها. لم يكن هدية كبيرة... لكنه كان أول شخص يحاول أن يفهمها دون أن يقتحم عالمها. وللمرة الأولى... لم تشعر بالانزعاج من وجوده. لكنها لم تكن تعلم أن عينين كانتا تراقبان هذا المشهد من آخر الممر... عينان هادئتان، تخفيان قلقًا لا يظهر على الملامح. كان سليم. وقف بصمت، ثم أدار ظهره وغادر، دون أن يسمعه أحد وهو يتمتم: "اقتربت أكثر مما ينبغي…" انتهت الحصة الأولى ببطء. خرج المعلم من الصف، وارتفعت أصوات الطلاب في أرجاء الفصل، فمنهم من تجمع حول النوافذ، ومنهم من انشغل بالحديث عن الاختبارات المقبلة. أما ليان... فكانت ما تزال تقلب صفحات الرواية التي أعطاها لها آدم. لم تكن تقرأ الكلمات. كانت تنظر إليها فقط. منذ وفاة والدها، فقدت رغبتها في قراءة الروايات، رغم أنها كانت هوايتها المفضلة. لاحظ آدم شرودها، لكنه لم يحاول مقاطعتها. اكتفى بالجلوس في مقعده، ينظر من النافذة إلى أشجار المدرسة التي بدأت أوراقها تميل إلى الأصفر. بعد دقائق، كسرت ليان الصمت. "لماذا اخترت هذا الكتاب تحديدًا؟" ابتسم آدم ابتسامة خفيفة. "لأن والدي قرأه عندما كان في مثل عمرنا." رفعت عينيها إليه. "وأعجبه؟" ضحك ضحكة قصيرة. "قال إنه لم يفهم نهايته إلا بعد أن كبر." أغلقت ليان الكتاب برفق. "ربما بعض الأشياء لا نفهمها إلا عندما يمر الوقت." ساد صمت قصير. ثم قال آدم، وكأنه يخشى أن يكون السؤال ثقيلًا: "هل ما زلتِ تفتقدين والدك كثيرًا؟" توقفت يدها عن الحركة. كان سؤالًا بسيطًا... لكنه لامس مكانًا لم يلتئم بعد. أجابت بعد لحظات: "هناك أشخاص لا يغيبون مهما مرّ الزمن." لم يزد آدم على ذلك. لم يقدم مواساة، ولم يقل إن الأيام ستُنسيها. فقط أومأ برأسه باحترام. وهذا ما جعل ليان تشعر بالراحة. في الاستراحة... خرج الطلاب إلى الساحة. كانت أصوات الضحكات تختلط بصوت الكرة وهي ترتطم بالأرض. جلست ليان وحدها تحت شجرة كبيرة، تحمل كتابها في يد، وزهرة الياسمين التي أعطتها لها المرأة المسنة في اليد الأخرى. كانت رائحتها لا تزال عطرة. أغمضت عينيها للحظة. ثم سمعت صوتًا مألوفًا. "أيمكنني الجلوس هنا؟" رفعت رأسها. كان سليم. وقف بهدوئه المعتاد، ويداه في جيبي سترته. أشارت إلى المقعد المقابل دون أن تتكلم. جلس بصمت. مرت دقيقة كاملة... دون أن ينطق أي منهما بكلمة. ثم قال سليم وهو ينظر إلى الشجرة: "يقولون إن هذه الشجرة أقدم من المدرسة نفسها." التفتت إليه باستغراب. لم تتوقع أن يبدأ حديثًا عن شجرة. أجابته بهدوء: "ربما لهذا تبدو أقوى من غيرها." ابتسم ابتسامة بالكاد ظهرت. "الأشجار التي تصمد طويلًا... ليست لأنها لم تواجه العواصف، بل لأنها تعلمت كيف تنحني لها." بقيت الكلمات عالقة في ذهن ليان. شعرت أنها ليست مجرد حديث عابر. بل كأنها رسالة تحمل معنى آخر. وقبل أن تسأله عما يقصده... وقف فجأة. نظر إليها للحظة. ثم قال: "اعتني بنفسك." واستدار مغادرًا. راقبته حتى ابتعد بين الطلاب. همست لنفسها: "إنه... غريب." لكنها لم تشعر بالخوف منه. بل بشيء يشبه الفضول. في آخر اليوم الدراسي... كانت ليان تجمع كتبها استعدادًا للمغادرة، عندما تذكرت المرأة التي تبيع الياسمين. ابتسمت. "يجب أن أعود إليها." سارت في الطريق نفسه الذي مرت به صباحًا. لكن عندما وصلت إلى الحديقة الصغيرة... توقفت. كان المقعد الخشبي فارغًا. ولا أثر للمرأة. نظرت حولها. اقتربت من بائع صحف يقف غير بعيد. سألته: "عذرًا... أين ذهبت السيدة التي كانت تبيع الزهور هنا؟" نظر إليها الرجل باستغراب. ثم قال: "أي سيدة؟" أشارت إلى المقعد. "كانت هنا هذا الصباح." هز رأسه ببطء. "يا ابنتي... أنا أبيع الصحف هنا منذ الفجر." "ولم أرَ أحدًا يبيع الزهور اليوم." شعرت ليان بقشعريرة تسري في جسدها. التفتت نحو المقعد مرة أخرى. كان فارغًا تمامًا... لكن شيئًا صغيرًا لفت انتباهها. على المقعد... استقرت زهرة ياسمين بيضاء واحدة. تقدمت بخطوات مترددة. التقطتها. وكان أسفلها... قصاصة ورق مطوية بعناية. لم تفتحها. بقيت تحدق فيها، بينما أخذ قلبها ينبض أسرع من المعتاد. هذه المرة... لم يكن الفضول وحده هو ما يدفعها. بل شعور غريب... كأن الماضي بدأ يطرق بابها ببطء. بقيت ليان واقفة أمام المقعد الخشبي، تتأمل قصاصة الورق بين أصابعها. لم يكن عليها اسم. ولا أي علامة تدل على صاحبها. نظرت حولها مرة أخرى. كانت الحديقة تعج بالمارة، وكأن شيئًا غير مألوف لم يحدث قبل دقائق. تنهدت، ثم وضعت القصاصة داخل حقيبتها. "سأقرأها في المنزل..." قالتها لنفسها وهي تتابع طريقها. عادت إلى منزلها مع اقتراب غروب الشمس. ألقت حقيبتها على الأريكة، ثم توجهت إلى المطبخ لتعد كوبًا من الشاي، لكن عينيها وقعتا على الظرف البني الذي ما زال فوق مكتبها. ابتسمت بخفة. "رسالتان في يوم واحد..." جلست على الكرسي، وأخرجت القصاصة أولًا. كانت صغيرة جدًا. فتحتها بحذر. لم تجد سوى سطر واحد، كُتب بخط أنيق: "إذا اشتقتِ إليه... فاذهبي إلى المكان الذي كان يبتسم فيه أكثر." انعقد حاجباها. "المكان الذي كان يبتسم فيه أكثر؟" أعادت قراءة الجملة مرة أخرى. لم تكن تعرف الكثير عن حياة والدها خارج المنزل. كان قليل الحديث عن نفسه. لكنها تذكرت شيئًا. في كل مرة كان يعود فيها من نزهة يوم الجمعة، كانت رائحة ماء البحيرة تلتصق بملابسه. وكان يقول لها دائمًا: "هناك مكان يجعلني أنسى تعب الأسبوع." اتسعت عيناها. البحيرة القديمة. هل كانت المرأة تقصدها؟ فتحت درج المكتب، وأخرجت ألبوم الصور القديم. بدأت تقلب صفحاته ببطء. معظم الصور كانت في المنزل. لكنها وجدت عدة صور التقطت عند البحيرة. في كل صورة... كان والدها يبتسم بالطريقة نفسها. ابتسامة هادئة، صادقة، لا تشبه ابتساماته في أي مكان آخر. وضعت الصورة جانبًا، وهمست: "غدًا... سأذهب إلى هناك." في صباح اليوم التالي، دخلت المدرسة وهي تحمل في ذهنها قرارًا واحدًا. بعد انتهاء الدوام... ستزور البحيرة. لكن قبل بدء الحصة، دخلت معلمة الأدب إلى الصف. قالت بابتسامة: "لدينا مشروع جديد هذا الفصل." بدأ الطلاب يتبادلون النظرات. أكملت المعلمة: "سيكون البحث عن شخصية أثرت في حياتكم." ساد الصمت. ثم أضافت: "ليس المطلوب أن تكون شخصية مشهورة... بل شخصًا ترك أثرًا فيكم." بدأ الطلاب يكتبون أسماء مختلفة. أما ليان... فلم تكتب شيئًا. ظلت تحدق في الورقة البيضاء. ثم كتبت بخط صغير: "أبي." ابتسمت المعلمة عندما مرت بجانبها. "اختيار جميل." أغلقت ليان الدفتر بسرعة، وكأنها لا تريد لأحد أن يقرأ ما كتبت. في نهاية الحصة... اقترب آدم منها وهو يحمل عدة كتب. قال مبتسمًا: "يبدو أن لدينا المشروع نفسه." نظرت إليه باستغراب. "ستكتب عن من؟" رفع كتفيه. "لم أقرر بعد." ثم أضاف مازحًا: "لكن يبدو أن منافستي معك ستكون صعبة." ابتسمت ليان ابتسامة خفيفة. ولأول مرة... لم يكن الصمت بينهما ثقيلًا. في آخر الممر... كان سليم يضع بعض الكتب داخل خزانته. سمع جزءًا من حديثهما. رفع رأسه ببطء. ثم وقع بصره على الورقة التي كانت تحملها ليان. لم يستطع قراءة ما فيها. لكنه رأى عنوان المشروع. أغلق خزانته بهدوء. وقال لنفسه: "لو كتبتِ عنه..." "فستبدئين بطرح الأسئلة." ثم تنهد. وأضاف بصوت منخفض: "وأنا لا أعلم إن كان الوقت قد حان بعد." خرجت ليان من المدرسة مع انتهاء الدوام. كان الطريق المؤدي إلى البحيرة يمر بين أشجار قديمة، زرعت على جانبيه منذ عشرات السنين. كل خطوة كانت تعيد إليها ذكرى. هنا كان والدها يشتري لها المثلجات. وهنا علّمها ركوب الدراجة. وهنا... أمسك يدها عندما خافت من عبور الطريق. ابتسمت بحزن. ورغم مرور ست سنوات... شعرت وكأن الذكريات ما زالت تسير إلى جوارها. وعندما وصلت إلى البحيرة... توقفت. كان المكان هادئًا كما تتذكره. الماء ساكن... والهواء عليل... والمقاعد الخشبية ما زالت في أماكنها. تقدمت نحو الشجرة الكبيرة التي اعتاد والدها الجلوس تحتها. جلست مكانه. وأخذت تتأمل صفحة الماء. وفجأة... لفت انتباهها اسم صغير محفور على جذع الشجرة. اقتربت أكثر. كان الحفر قديمًا، حتى إن أطرافه بدأت تختفي مع نمو اللحاء. مررت أصابعها عليه. وقرأت بصوت خافت: "ليان..." توقفت أنفاسها. كان اسمها. لكن الخط... لم يكن خطها. كان خط والدها. وتحت الاسم... كان هناك سهم صغير يشير إلى أسفل الجذع.الـفـصـل الـحـادي والـثـلاثـون «"ليس أصعب من مواجهة عدوك... إلا مواجهة نفسك."»لفَّ الصمت أرجاء التلة الشرقية.لم يكن يُسمع سوى صوت الرياح وهي تعبر بين الأشجار القديمة، وكأنها تحمل صدى تلك الليلة التي مضى عليها أحد عشر عامًا.وقف الجميع في أماكنهم.ليان تحدق في سامر.آدم ينظر إلى والده بعينين امتلأتا بالحيرة والغضب.أما رائد، فكان ينتظر الكلمة التي ستُنهي سنوات طويلة من الأسئلة.قال بهدوء:"تكلم يا سامر."ظل سامر صامتًا.كانت أنفاسه متسارعة، وقدماه ترتجفان.كرر رائد:"اليوم لن تنقذك الأكاذيب."لكن سامر لم يجب.خفض رأسه أكثر.وفجأة، تقدم آدم نحوه ووقف أمامه مباشرة.قال بصوت مكسور:"انظر إليّ."لم يرفع سامر عينيه.فأمسك آدم بكتفيه وقال بحرقة:"أنا لا أريد أن أسمع الحقيقة من هذا الرجل."وأشار إلى زعيم العصابة.ثم أكمل:"أريد أن أسمعها منك أنت."ساد الصمت.بدأت دموع سامر تتساقط بصمت.ثم رفع رأسه أخيرًا.نظر إلى ابنه طويلًا، وقال:"سامحني."هز آدم رأسه بعنف."لا أريد اعتذارًا.""أريد الحقيقة."تنهد سامر بعمق، ثم قال:"في تلك الليلة... كنت أول من خان نفسه."نظر الجميع إليه.وأكمل بصوت متقط
الـفـصـل الـثـلاثـون"هناك اعترافات... لا تُنتزع تحت التعذيب، بل تُولد حين يصبح الهروب مستحيلاً."لم يتحرك أحد.كانت كلمات زعيم العصابة الأخيرة ما تزال تتردد في أذهانهم."أما النصف الآخر... فسيكشفه آخر رجل بقي حيًا من تلك الليلة."نظر آدم إلى رائد.وسأله بصوت خافت:"من يقصد؟"تنهد رائد ببطء.وقال:"لا أعلم...""لكن إن كان يقصد أحدًا من أصدقاء إبراهيم...""...فلا يوجد سوى رجل واحد."رفعت ليان رأسها بسرعة.كانت تعرف الاسم...لكنها لم تجرؤ على نطقه.همس سليم:"...سامر."ساد الصمت.عاد الجميع إلى مركز الشرطة قبل حلول الفجر.وُضع الصندوق المعدني داخل غرفة الأدلة.وأغلق رائد الباب بنفسه.ثم التفت إلى ليان.وقال:"لن نفتحه قبل أن يكون جميع أفراد الفريق موجودين."أومأت ليان.لكنها لم تستطع إخفاء قلقها.كان اسم سامر يطارد أفكارها.في الجهة الأخرى من المدينة...كانت سيارة سوداء تشق طريقها داخل شارع مهجور.توقفت أمام منزل قديم.ترجل منها أربعة رجال ملثمون.طرق أحدهم الباب بعنف.فتح سامر الباب بوجه شاحب.نظر إليهم بخوف.وقبل أن ينطق بكلمة...دفعه أحدهم إلى الداخل.قال سامر بصوت مرتجف:"انتهى الات
الـفـصـل الـتـاسـع والـعـشـرون"كل باب يُفتح... يغلق وراءه سنوات من الأكاذيب."تحرك الباب الفولاذي ببطء، مصدرًا صوتًا معدنيًا ثقيلًا ارتد صداه في أرجاء الممر.وقف سليم أمام ليان مباشرة.ولأول مرة منذ اختطافها...رآها.لم يتردد لحظة.اقترب منها سريعًا.وقال بصوت امتزجت فيه الراحة بالغضب:"هل أنتِ بخير؟"ابتسمت ليان رغم إرهاقها.وأومأت برأسها."أنا بخير."تنفس سليم الصعداء، بينما تقدم رائد بخطوات حذرة.قال بهدوء:"سنطمئن عليها لاحقًا... علينا تفتيش المكان."أومأ الجميع، ثم دخلوا الغرفة الواقعة خلف الباب.كانت الغرفة واسعة وقديمة.لم تكن مليئة بالأسلحة كما توقعوا.بل كانت أشبه بأرشيف مهجور.خزائن حديدية...وصناديق خشبية...وأرفف غطاها الغبار.قال آدم بدهشة:"لهذا كانوا يحمون هذا المكان..."اقترب رائد من إحدى الخزائن.لاحظ شعار الغراب محفورًا عليها.لكن أسفله...كانت هناك لوحة معدنية قديمة كُتب عليها:شركة الهاشمي للنقل.نظر إلى ليان.وقال:"كان هذا المستودع تابعًا لشركة والدك."شهقت ليان."ماذا؟"أجاب رائد:"بعد وفاة إبراهيم... زُورت أوراق الملكية، وانتقل المستودع إلى شركة وهمية."ساد ال
الفصل الثامن والعشرونالمواجهة الأولى"أخطر المعارك... هي التي لا تعرف فيها من يراقبك."أُغلقت الأبواب الحديدية واحدًا تلو الآخر.تردد صدى ارتطامها في أرجاء المستودع.ساد الظلام لثوانٍ...ثم اشتعلت مصابيح حمراء خافتة في السقف، غمرت المكان بضوء باهت زاد المشهد رهبة.رفع رائد سلاحه.وقال بهدوء:"الجميع يلتزم بمكانه."وقف سليم أمام الباب الذي تُحتجز خلفه ليان.أما آدم...فكان يراقب الممرات الخلفية.انطلق صوت زعيم العصابة عبر مكبرات الصوت." ستة اعوام يا رائد... وما زلت تركض خلف الحقيقة."لم يجب رائد.ظل يبحث بعينيه عن مصدر الصوت.عاد الصوت من جديد:"كنت أعلم أنك ستصل إلى هنا... ولهذا أعددت هذا المكان من أجلك."قال رائد بثبات:"إذا كنت تظن أن اختطاف ليان سيوقفنا... فأنت مخطئ."ضحك الزعيم ضحكة قصيرة."أنا لم أخطفها لأوقفكم..."ثم صمت لحظة."...بل لأجعلكم تفتحون الطريق الذي عجزنا عن فتحه طوال ستة اعوام ."نظر رائد إلى سليم.ثم إلى الباب الحديدي.بدأت كلمات الزعيم تثير شكوكه.داخل الغرفة...كانت ليان تنظر إلى الجدران بصمت.ثم اقتربت من الطاولة المعدنية.تذكرت الرسالة التي وجدتها داخل ساعة وا
الـفـصـل الـسـابـع والـعـشـرونا"حين يعجز العدو عن إسكات الحقيقة... يحاول إسكات من يحملها."انتهت ليان من قراءة رسالة والدها.ساد صمت طويل داخل المنزل الآمن.لم يكن أحد يتحدث.كان الجميع يفكر في الحقيقة التي كُشفت أخيرًا.أما رائد...فبقي ينظر إلى الصور القديمة التي التقطها إبراهيم تلك الليلة.قال بصوت هادئ:"الآن فهمنا كيف بدأت القصة...""...لكننا ما زلنا لا نعرف أين انتهت."رفع سليم رأسه."تقصد الدليل الأخير."أومأ رائد."والعصابة تعرف أننا اقتربنا منه."رن هاتف رائد فجأة.كان أحد رجال الشرطة.أجاب بسرعة.ثم تغيرت ملامحه.قال:"ماذا؟!"وقف الجميع.سأله آدم:"ماذا حدث؟"أغلق رائد الهاتف.وقال بقلق:"أحد رجالنا الذين كانوا يراقبون المستودع السابع عشر...""...عُثر عليه مصابًا."سأل سليم:"هل قال شيئًا؟"أجاب رائد:"قال جملة واحدة قبل أن يفقد وعيه...""احذروا... الغراب يراقبكم."نظر الجميع إلى بعضهم.الخاتم...البطاقة...والآن...الغراب.أصبح واضحًا أن هذا الرمز يعود إلى الدائرة الداخلية للعصابة.في اليوم التالي...أصرت ليان على زيارة قبر والدها.اعترض رائد."ليس الآن."قالت بهدوء:"من
الـفـصـل الـسـادس والـعـشـرون"إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة يا ليان... فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا لأروي لك الحقيقة بنفسي."بدأت ليان تقرأ الرسالة، بينما عمّ الصمت المكان.كان خط إبراهيم واضحًا، وكأنه كُتب بالأمس."ابنتي ليان... إذا وصلتِ إلى هذه الكلمات، فاعلمي أنني لم أخفِ الحقيقة عنكِ خوفًا منكِ، بل خوفًا عليكِ. كنتِ صغيرة، ولم يكن من العدل أن تحملي ذنب حرب لم تختاريها. لكن الآن... حان الوقت لتعرفي كيف بدأت الحكاية."توقفت ليان لحظة، ثم تابعت القراءة."كل ما سأرويه لكِ حدث قبل ستة سنوات .."...قبل ستة سنوات كان الليل قد انتصف.وكان الطريق الريفي الممتد بين الحقول شبه خالٍ.داخل السيارة القديمة...كان أربعة رجال عائدين بعد اجتماع عمل خارج المدينة.إبراهيم الهاشمي...يوسف الكرخي...سامر الراشد ...وصديقهم الرابع فارس العزاوي.كانوا يتبادلون الأحاديث والضحكات بعد يوم طويل.قال يوسف مبتسمًا:"في المرة القادمة، لن أدع سامر يقود السيارة."ضحك فارس."ولماذا؟"رد يوسف:"لأننا وصلنا متأخرين بسبب توقفه ثلاث مرات لشرب الشاي."ضحك الجميع.حتى سامر ابتسم وهو يهز رأسه."لن أعتذر عن الشاي أبدً