ログインالـفـصـل الـثـانـي
"أصعب الرسائل ليست تلك التي نخشى قراءتها... بل تلك التي نخشى أن تغيّر حياتنا." لم تنم ليان تلك الليلة إلا مع اقتراب الفجر. كان الظرف البني لا يزال فوق مكتبها، كما تركته قبل ساعات. كلما همّت بفتحه، تراجعت. وكلما قررت أن تؤجله، عاد فضولها يدفعها نحوه من جديد. جلست على حافة سريرها تحدق إليه بصمت. كيف يمكن لورقة صغيرة أن تصبح أثقل من جبل؟ مدّت يدها إليه، ثم سحبتها مرة أخرى. ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت لنفسها: "لو كان أبي يريدني أن أقرأها فورًا... لما كتب: عندما تشعرين أن الوقت قد حان." أطفأت المصباح. وتركت الظرف مكانه. في صباح اليوم التالي... استيقظت على صوت العصافير التي اعتادت أن تحط على شجرة الرمان أمام نافذتها. فتحت الستائر، فتسللت أشعة الشمس إلى الغرفة، لتنعكس على إطار صورة والدها. اقتربت منها. عدّلتها قليلًا، ثم قالت بابتسامة هادئة: "صباح الخير... أرجو أن يكون قراري صحيحًا." ارتدت زي المدرسة، وعلّقت القلادة حول عنقها كما تفعل كل صباح. قبل أن تغادر، ألقت نظرة أخيرة على الظرف. ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها. كان الطريق إلى المدرسة يعج بالحركة. طلاب يتبادلون الأحاديث، وسيارات تعبر الشارع، وبائع خبز ينادي على بضاعته. لكن ليان كانت تمشي وحدها، تستمع إلى ضجيج المدينة دون أن تشارك فيه. وفي منتصف الطريق... توقفت فجأة. رائحة مألوفة ملأت المكان. رائحة زهور الياسمين. استدارت نحو حديقة صغيرة تقع عند زاوية الشارع. هناك... كانت امرأة مسنة تجلس على مقعد خشبي، وتضع بجانبها سلة مليئة بالزهور. ابتسمت المرأة عندما رأت ليان تحدق بها. وقالت بلطف: "هل تحبين الزهور يا ابنتي؟" اقتربت ليان بخطوات مترددة. أجابت: "أحبها... لكنها تذكرني بأشخاص رحلوا." هزت المرأة رأسها وكأنها فهمت معنى الكلمات. ثم التقطت زهرة ياسمين صغيرة وقدمتها إليها. "احتفظي بها." ترددت ليان. "لكنني لم أشترِ شيئًا." ضحكت المرأة بخفة. "ليست كل الهدايا تُشترى." ابتسمت ليان لأول مرة منذ أيام. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت صادقة. أخذت الزهرة وشكرتها. وقبل أن تغادر، قالت المرأة بهدوء: "والدك كان يشتري مني الياسمين كل أسبوع." توقفت ليان مكانها. استدارت بسرعة. "هل... كنتِ تعرفين أبي؟" ابتسمت المرأة بحنين. "كان رجلًا طيبًا." وقبل أن تضيف شيئًا آخر، وصل أحد الزبائن، فانشغلت بالحديث معه. شعرت ليان برغبة في سؤالها عن المزيد، لكنها نظرت إلى ساعة يدها. كانت ستتأخر عن المدرسة. اكتفت بإلقاء نظرة أخيرة عليها، ثم أكملت طريقها. لكنها وعدت نفسها أن تعود بعد انتهاء الدوام. دخلت المدرسة قبل دقائق من بدء الحصة الأولى. كان الطلاب يتبادلون الضحكات في الممرات. أما هي، فاتجهت مباشرة إلى صفها. وما إن جلست في مقعدها المعتاد قرب النافذة، حتى جاءها صوت مألوف. "صباح الخير." رفعت رأسها. كان آدم يقف إلى جانب المقعد المجاور، يحمل في يده كتابًا. ابتسم ابتسامته الهادئة. "هل المقعد محجوز؟" نظرت إليه للحظة. ثم قالت بهدوء: "لا." جلس وهو يضع الكتاب على الطاولة. ساد صمت قصير. ثم قال وهو ينظر إلى الغلاف: "أعرف أنك لا تحبين الحديث كثيرًا... لذلك أحضرت هذا." دفع الكتاب نحوها. كان رواية قديمة. وعلى الصفحة الأولى، اقتباس كُتب بخط جميل: "الكتب تمنحنا فرصة أن نعيش أكثر من حياة." لم تستطع ليان أن تمنع نفسها من الابتسام ابتسامة خفيفة. قالت: "أبي كان يقول شيئًا يشبه هذا." نظر إليها آدم باهتمام. لكنه لم يسأل. واكتفى بقوله: "إذن أظن أنه كان يحب القراءة." هزت رأسها. "كان يقول إن الكتاب الجيد... يغيّر الإنسان دون أن يطلب منه ذلك." رن جرس الحصة. فأعاد آدم الكتاب إليها قائلاً: "احتفظي به حتى تنتهي منه." نظرت إلى الكتاب بين يديها. لم يكن هدية كبيرة... لكنه كان أول شخص يحاول أن يفهمها دون أن يقتحم عالمها. وللمرة الأولى... لم تشعر بالانزعاج من وجوده. لكنها لم تكن تعلم أن عينين كانتا تراقبان هذا المشهد من آخر الممر... عينان هادئتان، تخفيان قلقًا لا يظهر على الملامح. كان سليم. وقف بصمت، ثم أدار ظهره وغادر، دون أن يسمعه أحد وهو يتمتم: "اقتربت أكثر مما ينبغي…" انتهت الحصة الأولى ببطء. خرج المعلم من الصف، وارتفعت أصوات الطلاب في أرجاء الفصل، فمنهم من تجمع حول النوافذ، ومنهم من انشغل بالحديث عن الاختبارات المقبلة. أما ليان... فكانت ما تزال تقلب صفحات الرواية التي أعطاها لها آدم. لم تكن تقرأ الكلمات. كانت تنظر إليها فقط. منذ وفاة والدها، فقدت رغبتها في قراءة الروايات، رغم أنها كانت هوايتها المفضلة. لاحظ آدم شرودها، لكنه لم يحاول مقاطعتها. اكتفى بالجلوس في مقعده، ينظر من النافذة إلى أشجار المدرسة التي بدأت أوراقها تميل إلى الأصفر. بعد دقائق، كسرت ليان الصمت. "لماذا اخترت هذا الكتاب تحديدًا؟" ابتسم آدم ابتسامة خفيفة. "لأن والدي قرأه عندما كان في مثل عمرنا." رفعت عينيها إليه. "وأعجبه؟" ضحك ضحكة قصيرة. "قال إنه لم يفهم نهايته إلا بعد أن كبر." أغلقت ليان الكتاب برفق. "ربما بعض الأشياء لا نفهمها إلا عندما يمر الوقت." ساد صمت قصير. ثم قال آدم، وكأنه يخشى أن يكون السؤال ثقيلًا: "هل ما زلتِ تفتقدين والدك كثيرًا؟" توقفت يدها عن الحركة. كان سؤالًا بسيطًا... لكنه لامس مكانًا لم يلتئم بعد. أجابت بعد لحظات: "هناك أشخاص لا يغيبون مهما مرّ الزمن." لم يزد آدم على ذلك. لم يقدم مواساة، ولم يقل إن الأيام ستُنسيها. فقط أومأ برأسه باحترام. وهذا ما جعل ليان تشعر بالراحة. في الاستراحة... خرج الطلاب إلى الساحة. كانت أصوات الضحكات تختلط بصوت الكرة وهي ترتطم بالأرض. جلست ليان وحدها تحت شجرة كبيرة، تحمل كتابها في يد، وزهرة الياسمين التي أعطتها لها المرأة المسنة في اليد الأخرى. كانت رائحتها لا تزال عطرة. أغمضت عينيها للحظة. ثم سمعت صوتًا مألوفًا. "أيمكنني الجلوس هنا؟" رفعت رأسها. كان سليم. وقف بهدوئه المعتاد، ويداه في جيبي سترته. أشارت إلى المقعد المقابل دون أن تتكلم. جلس بصمت. مرت دقيقة كاملة... دون أن ينطق أي منهما بكلمة. ثم قال سليم وهو ينظر إلى الشجرة: "يقولون إن هذه الشجرة أقدم من المدرسة نفسها." التفتت إليه باستغراب. لم تتوقع أن يبدأ حديثًا عن شجرة. أجابته بهدوء: "ربما لهذا تبدو أقوى من غيرها." ابتسم ابتسامة بالكاد ظهرت. "الأشجار التي تصمد طويلًا... ليست لأنها لم تواجه العواصف، بل لأنها تعلمت كيف تنحني لها." بقيت الكلمات عالقة في ذهن ليان. شعرت أنها ليست مجرد حديث عابر. بل كأنها رسالة تحمل معنى آخر. وقبل أن تسأله عما يقصده... وقف فجأة. نظر إليها للحظة. ثم قال: "اعتني بنفسك." واستدار مغادرًا. راقبته حتى ابتعد بين الطلاب. همست لنفسها: "إنه... غريب." لكنها لم تشعر بالخوف منه. بل بشيء يشبه الفضول. في آخر اليوم الدراسي... كانت ليان تجمع كتبها استعدادًا للمغادرة، عندما تذكرت المرأة التي تبيع الياسمين. ابتسمت. "يجب أن أعود إليها." سارت في الطريق نفسه الذي مرت به صباحًا. لكن عندما وصلت إلى الحديقة الصغيرة... توقفت. كان المقعد الخشبي فارغًا. ولا أثر للمرأة. نظرت حولها. اقتربت من بائع صحف يقف غير بعيد. سألته: "عذرًا... أين ذهبت السيدة التي كانت تبيع الزهور هنا؟" نظر إليها الرجل باستغراب. ثم قال: "أي سيدة؟" أشارت إلى المقعد. "كانت هنا هذا الصباح." هز رأسه ببطء. "يا ابنتي... أنا أبيع الصحف هنا منذ الفجر." "ولم أرَ أحدًا يبيع الزهور اليوم." شعرت ليان بقشعريرة تسري في جسدها. التفتت نحو المقعد مرة أخرى. كان فارغًا تمامًا... لكن شيئًا صغيرًا لفت انتباهها. على المقعد... استقرت زهرة ياسمين بيضاء واحدة. تقدمت بخطوات مترددة. التقطتها. وكان أسفلها... قصاصة ورق مطوية بعناية. لم تفتحها. بقيت تحدق فيها، بينما أخذ قلبها ينبض أسرع من المعتاد. هذه المرة... لم يكن الفضول وحده هو ما يدفعها. بل شعور غريب... كأن الماضي بدأ يطرق بابها ببطء. بقيت ليان واقفة أمام المقعد الخشبي، تتأمل قصاصة الورق بين أصابعها. لم يكن عليها اسم. ولا أي علامة تدل على صاحبها. نظرت حولها مرة أخرى. كانت الحديقة تعج بالمارة، وكأن شيئًا غير مألوف لم يحدث قبل دقائق. تنهدت، ثم وضعت القصاصة داخل حقيبتها. "سأقرأها في المنزل..." قالتها لنفسها وهي تتابع طريقها. عادت إلى منزلها مع اقتراب غروب الشمس. ألقت حقيبتها على الأريكة، ثم توجهت إلى المطبخ لتعد كوبًا من الشاي، لكن عينيها وقعتا على الظرف البني الذي ما زال فوق مكتبها. ابتسمت بخفة. "رسالتان في يوم واحد..." جلست على الكرسي، وأخرجت القصاصة أولًا. كانت صغيرة جدًا. فتحتها بحذر. لم تجد سوى سطر واحد، كُتب بخط أنيق: "إذا اشتقتِ إليه... فاذهبي إلى المكان الذي كان يبتسم فيه أكثر." انعقد حاجباها. "المكان الذي كان يبتسم فيه أكثر؟" أعادت قراءة الجملة مرة أخرى. لم تكن تعرف الكثير عن حياة والدها خارج المنزل. كان قليل الحديث عن نفسه. لكنها تذكرت شيئًا. في كل مرة كان يعود فيها من نزهة يوم الجمعة، كانت رائحة ماء البحيرة تلتصق بملابسه. وكان يقول لها دائمًا: "هناك مكان يجعلني أنسى تعب الأسبوع." اتسعت عيناها. البحيرة القديمة. هل كانت المرأة تقصدها؟ فتحت درج المكتب، وأخرجت ألبوم الصور القديم. بدأت تقلب صفحاته ببطء. معظم الصور كانت في المنزل. لكنها وجدت عدة صور التقطت عند البحيرة. في كل صورة... كان والدها يبتسم بالطريقة نفسها. ابتسامة هادئة، صادقة، لا تشبه ابتساماته في أي مكان آخر. وضعت الصورة جانبًا، وهمست: "غدًا... سأذهب إلى هناك." في صباح اليوم التالي، دخلت المدرسة وهي تحمل في ذهنها قرارًا واحدًا. بعد انتهاء الدوام... ستزور البحيرة. لكن قبل بدء الحصة، دخلت معلمة الأدب إلى الصف. قالت بابتسامة: "لدينا مشروع جديد هذا الفصل." بدأ الطلاب يتبادلون النظرات. أكملت المعلمة: "سيكون البحث عن شخصية أثرت في حياتكم." ساد الصمت. ثم أضافت: "ليس المطلوب أن تكون شخصية مشهورة... بل شخصًا ترك أثرًا فيكم." بدأ الطلاب يكتبون أسماء مختلفة. أما ليان... فلم تكتب شيئًا. ظلت تحدق في الورقة البيضاء. ثم كتبت بخط صغير: "أبي." ابتسمت المعلمة عندما مرت بجانبها. "اختيار جميل." أغلقت ليان الدفتر بسرعة، وكأنها لا تريد لأحد أن يقرأ ما كتبت. في نهاية الحصة... اقترب آدم منها وهو يحمل عدة كتب. قال مبتسمًا: "يبدو أن لدينا المشروع نفسه." نظرت إليه باستغراب. "ستكتب عن من؟" رفع كتفيه. "لم أقرر بعد." ثم أضاف مازحًا: "لكن يبدو أن منافستي معك ستكون صعبة." ابتسمت ليان ابتسامة خفيفة. ولأول مرة... لم يكن الصمت بينهما ثقيلًا. في آخر الممر... كان سليم يضع بعض الكتب داخل خزانته. سمع جزءًا من حديثهما. رفع رأسه ببطء. ثم وقع بصره على الورقة التي كانت تحملها ليان. لم يستطع قراءة ما فيها. لكنه رأى عنوان المشروع. أغلق خزانته بهدوء. وقال لنفسه: "لو كتبتِ عنه..." "فستبدئين بطرح الأسئلة." ثم تنهد. وأضاف بصوت منخفض: "وأنا لا أعلم إن كان الوقت قد حان بعد." خرجت ليان من المدرسة مع انتهاء الدوام. كان الطريق المؤدي إلى البحيرة يمر بين أشجار قديمة، زرعت على جانبيه منذ عشرات السنين. كل خطوة كانت تعيد إليها ذكرى. هنا كان والدها يشتري لها المثلجات. وهنا علّمها ركوب الدراجة. وهنا... أمسك يدها عندما خافت من عبور الطريق. ابتسمت بحزن. ورغم مرور ست سنوات... شعرت وكأن الذكريات ما زالت تسير إلى جوارها. وعندما وصلت إلى البحيرة... توقفت. كان المكان هادئًا كما تتذكره. الماء ساكن... والهواء عليل... والمقاعد الخشبية ما زالت في أماكنها. تقدمت نحو الشجرة الكبيرة التي اعتاد والدها الجلوس تحتها. جلست مكانه. وأخذت تتأمل صفحة الماء. وفجأة... لفت انتباهها اسم صغير محفور على جذع الشجرة. اقتربت أكثر. كان الحفر قديمًا، حتى إن أطرافه بدأت تختفي مع نمو اللحاء. مررت أصابعها عليه. وقرأت بصوت خافت: "ليان..." توقفت أنفاسها. كان اسمها. لكن الخط... لم يكن خطها. كان خط والدها. وتحت الاسم... كان هناك سهم صغير يشير إلى أسفل الجذع.الـفـصـل الـسـادس"ليست كل الوجوه التي تبتسم لك بريئة... وليست كل الوجوه الصامتة تخفي شرًا."….. استيقظت ليان في صباح اليوم التالي وهي تشعر أن النوم لم يزرها إلا لساعات قليلة.كانت صورة الصندوق الخشبي في منزل آدم، ونظرة والده المليئة بالذنب، لا تزالان عالقتين في ذهنها.وقفت أمام المرآة ترتب شعرها، ثم نظرت إلى القلادة الفضية التي لم تفارق عنقها منذ أن أهداها لها والدها.أمسكتها بين أصابعها وهمست:"سأصل إلى الحقيقة... مهما طال الطريق."في المدرسة، كانت الحصص تمر ببطء شديد.لم تستطع التركيز في شرح المعلم، بينما كانت صفحات المذكرة تدور في رأسها.وبعد انتهاء الدوام، استوقفها أمين المكتبة عند الباب.كان يحمل ظرفًا بنيًا صغيرًا.قال بهدوء:"بحثت بعد مغادرتك أمس..."رفعت ليان رأسها بسرعة."...ووجدت شيئًا ظننت أنه قد يفيدك."فتح الظرف بحذر، وأخرج بطاقة قديمة باهتة اللون.كانت بطاقة عضوية لنادٍ ثقافي قديم.في أسفلها اسم واضح:إبراهيم الهاشميلكن ما شد انتباه ليان لم يكن الاسم...بل التوقيع الموجود أسفل البطاقة.توقيع لرجل يدعى:الدكتور فؤاد العابد.سألت باستغراب:"من يكون؟"ابتسم أمين المكتبة.
الـفـصـل الـخـامـس "ليس كل ما يختفي يكون قد ضاع... أحيانًا يخفيه شخص يخشى أن يراه غيره."….. خرجت ليان وآدم من غرفة الأرشيف ببطء، بينما ظل أمين المكتبة واقفًا أمام الرفوف القديمة، ينظر إلى الفراغ الذي تركته الصحيفة الناقصة.ساد صمت ثقيل.كانت ليان لا تزال تنظر إلى الملف المفتوح بين يديها.قالت بصوت خافت:"إذا كانت الصفحة قد اختفت فعلًا... فهذا يعني أن أحدًا دخل إلى هنا."أجاب أمين المكتبة وهو يزفر ببطء:"هذا الأرشيف لا يدخله إلا عدد قليل جدًا من الناس."رفعت ليان رأسها."هل تحتفظون بسجل للزوار؟"نظر إليها الرجل بإعجاب خفي.كانت هذه أول مرة لا تكتفي بطرح الأسئلة، بل بدأت تربط الأحداث بنفسها.أومأ برأسه."نعم... لكن ليس كل من يدخل يكتب اسمه."تبادل آدم وليان نظرة سريعة.كان واضحًا أن البحث لن يكون سهلًا.أعاد أمين المكتبة الملفات إلى أماكنها، ثم توقف أمام رف قديم.أخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا، تراكم عليه الغبار.مسح الغبار عنه بكفه، وقال:"هذا الصندوق يعود إلى إبراهيم الهاشمي."اتسعت عينا ليان."أبي؟"ابتسم الرجل ابتسامة حزينة."كان يودع عندي أحيانًا بعض الأوراق التي يخشى ضياعها."ارتجف
الـفـصـل الـرابـع "ليست كل الصور تحفظ الذكريات... بعضها يحفظ الإجابات."…. لم تستطع ليان النوم تلك الليلة.كانت صورة الرجال الأربعة موضوعة أمامها على المكتب، وإلى جانبها المذكرة المفتوحة على الصفحة التي انتهت عندها.أعادت النظر إلى الأسماء المكتوبة خلف الصورة.إبراهيم... سامر... نادر... يوسف.كانت تعرف اسمًا واحدًا فقط.إبراهيم...والدها.أما البقية...فكانوا غرباء، ومع ذلك شعرت أن حياتها أصبحت مرتبطة بهم بطريقة لم تفهمها بعد.تنهدت وهي تقلب الصورة بين يديها.ثم وقعت عيناها على شيء لم تنتبه إليه من قبل.في الزاوية السفلية للصورة...كان هناك تاريخ صغير.15 / 4 / 2008عقدت حاجبيها."قبل ثمانية عشر عامًا..."همست بها، ثم اتسعت عيناها فجأة.كان ذلك العام نفسه الذي وُلدت فيه.هل التُقطت الصورة في العام الذي وُلدت فيه؟أم أن التاريخ يشير إلى شيء آخر؟أخرجت هاتفها، وصورت الصورة من الجهتين حتى لا تضيع تفاصيلها.ثم وضعتها بعناية داخل المذكرة.في صباح اليوم التالي...دخلت المدرسة، لكن ذهنها لم يكن حاضرًا في أي درس.كانت تنظر إلى السبورة، بينما كانت أفكارها تدور حول الأسماء الأربعة.لاحظ آدم ش
الـفـصـل الـثـالـث "ليست كل الآثار تمحوها السنوات... فبعضها يبقى مختبئًا، ينتظر الشخص المناسب ليجدهوقفت ليان أمام جذع الشجرة، بينما بقيت أناملها تتحسس الاسم المحفور عليها."ليان."كان الخط مألوفًا...لقد رأت هذا الخط مئات المرات في دفاتر والدها.لم يكن هناك شك.هو من كتب اسمها.لكن...لماذا؟ولماذا يشير السهم إلى أسفل الجذع؟انحنت قليلًا، وأزاحت بعض الأوراق اليابسة المتراكمة حول الشجرة.لم تجد شيئًا.بحثت مرة أخرى.ثم ركعت على ركبتيها، وأخذت تبعد التراب بيديها برفق.لم تكن تحفر...بل كانت تتبع إحساسًا غريبًا يخبرها أن والدها لم يترك ذلك السهم عبثًا.بعد دقائق...اصطدمت أصابعها بشيء صلب.توقفت.أبعدت بقية التراب بحذر.ظهر طرف علبة معدنية صغيرة، صدئة قليلًا بفعل الرطوبة.اتسعت عيناها.أخرجتها ببطء.كانت بحجم كف اليد تقريبًا.غطاها الصدأ، لكن قفلها ما زال سليمًا.حاولت فتحه.لم تستطع.ابتسمت بحزن."حتى الآن... ما زلت تضع لي الألغاز يا أبي."وضعت العلبة داخل حقيبتها، ثم أعادت التراب كما كان.لم تكن تريد أن يلاحظ أحد أن شيئًا كان مدفونًا هناك.وقفت، ونفضت الغبار عن يديها.وقبل أن تغادر..
الـفـصـل الـثـانـي"أصعب الرسائل ليست تلك التي نخشى قراءتها... بل تلك التي نخشى أن تغيّر حياتنا."لم تنم ليان تلك الليلة إلا مع اقتراب الفجر.كان الظرف البني لا يزال فوق مكتبها، كما تركته قبل ساعات.كلما همّت بفتحه، تراجعت.وكلما قررت أن تؤجله، عاد فضولها يدفعها نحوه من جديد.جلست على حافة سريرها تحدق إليه بصمت.كيف يمكن لورقة صغيرة أن تصبح أثقل من جبل؟مدّت يدها إليه، ثم سحبتها مرة أخرى.ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت لنفسها:"لو كان أبي يريدني أن أقرأها فورًا... لما كتب: عندما تشعرين أن الوقت قد حان."أطفأت المصباح.وتركت الظرف مكانه.في صباح اليوم التالي...استيقظت على صوت العصافير التي اعتادت أن تحط على شجرة الرمان أمام نافذتها.فتحت الستائر، فتسللت أشعة الشمس إلى الغرفة، لتنعكس على إطار صورة والدها.اقتربت منها.عدّلتها قليلًا، ثم قالت بابتسامة هادئة:"صباح الخير... أرجو أن يكون قراري صحيحًا."ارتدت زي المدرسة، وعلّقت القلادة حول عنقها كما تفعل كل صباح.قبل أن تغادر، ألقت نظرة أخيرة على الظرف.ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها.كان الطريق إلى المدرسة يعج بالحركة.طلاب يتبادلون الأحاديث، وس
الــفـصـل الأول . "البدايات الهادئة قد تخفي أعنف العواصف."لم تكن السماء في ذلك الصباح تمطر، لكنها كانت مغطاة بغيوم رمادية ثقيلة، وكأنها تحمل في جوفها حكاية لم تُروَ بعد.انسابت نسمات الخريف الباردة بين أشجار الطريق المؤدي إلى ثانوية النهضة، فتناثرت الأوراق اليابسة فوق الأرصفة في مشهد بدا هادئًا، إلا أن ذلك الهدوء كان يخفي شيئًا لا يمكن لأحد أن يتوقعه.توقفت سيارة الأجرة أمام البوابة الرئيسية.دفعت ليان الأجرة، ثم نزلت بخطوات هادئة، تعدل حقيبتها فوق كتفها قبل أن ترفع يدها إلى القلادة الفضية المعلقة حول عنقها.لم تكن تلك القلادة زينة.بل كانت آخر ما تبقى لها من والدها.مررت أصابعها عليها برفق، وأغمضت عينيها للحظة.همست بصوت لا يكاد يسمع:"صباح الخير... يا أبي."ثم تابعت سيرها.كانت ليان في الثامنة عشرة من عمرها، صاحبة شعر أسود طويل وعينين بنيتين تميلان إلى السواد، لكن أكثر ما كان يلفت الأنظار فيها هو ذلك الهدوء الغريب الذي يحيط بها، وكأنها تحمل في قلبها عمرًا أطول من سنواتها.لم تكن تعرف والدتها.فقد رحلت بعد أيام قليلة من ولادتها، إثر مضاعفاتٍ صحيةٍ شديدة أصابتها بعد الولادة، ولم يت







