Share

حـيـن يـزهـر الأنـتـقـام
حـيـن يـزهـر الأنـتـقـام
Author: gray

بـدايـة الـعـاصـفـة

Author: gray
last update publish date: 2026-08-08 03:33:01

الــفـصـل الأول .

"البدايات الهادئة قد تخفي أعنف العواصف."

لم تكن السماء في ذلك الصباح تمطر، لكنها كانت مغطاة بغيوم رمادية ثقيلة، وكأنها تحمل في جوفها حكاية لم تُروَ بعد.

انسابت نسمات الخريف الباردة بين أشجار الطريق المؤدي إلى ثانوية النهضة، فتناثرت الأوراق اليابسة فوق الأرصفة في مشهد بدا هادئًا، إلا أن ذلك الهدوء كان يخفي شيئًا لا يمكن لأحد أن يتوقعه.

توقفت سيارة الأجرة أمام البوابة الرئيسية.

دفعت ليان الأجرة، ثم نزلت بخطوات هادئة، تعدل حقيبتها فوق كتفها قبل أن ترفع يدها إلى القلادة الفضية المعلقة حول عنقها.

لم تكن تلك القلادة زينة.

بل كانت آخر ما تبقى لها من والدها.

مررت أصابعها عليها برفق، وأغمضت عينيها للحظة.

همست بصوت لا يكاد يسمع:

"صباح الخير... يا أبي."

ثم تابعت سيرها.

كانت ليان في الثامنة عشرة من عمرها، صاحبة شعر أسود طويل وعينين بنيتين تميلان إلى السواد، لكن أكثر ما كان يلفت الأنظار فيها هو ذلك الهدوء الغريب الذي يحيط بها، وكأنها تحمل في قلبها عمرًا أطول من سنواتها.

لم تكن تعرف والدتها.

فقد رحلت بعد أيام قليلة من ولادتها، إثر مضاعفاتٍ صحيةٍ شديدة أصابتها بعد الولادة، ولم يتمكن الأطباء يومها من إنقاذها.

كبرت ليان وهي لا تملك من والدتها سوى بضع صور قديمة، وثوب صغير احتفظ به والدها داخل صندوق خشبي، ورسائل قصيرة كانت قد كتبتها خلال أشهر حملها، تخبر فيها طفلتها التي لم تولد بعد كم تنتظر لقاءها.

أما والدها...

فقد حمل الحزن في قلبه، لكنه لم يسمح له بأن يسرق منه ابنته.

تعلم كيف يصفف شعرها كل صباح رغم أنه لم يفعل ذلك من قبل.

تعلم إعداد الطعام، وخياطة أزرار ملابسها، ومساعدتها في واجباتها المدرسية.

كان يحضر اجتماعات المدرسة، ويصفق لها في الاحتفالات، ويجلس إلى جوارها عندما تمرض، ويحكي لها قصة قبل النوم كل ليلة.

لم يحاول يومًا أن يعوضها عن أمها...

بل حاول أن يمنحها حبًا يكفيها لتشعر أنها لم تكن وحيدة.

ولذلك...

لم يكن بالنسبة إلى ليان مجرد أب.

كان عالمها بأكمله.

حين دخلت المدرسة، بدأت الهمسات تدور بين الطلاب كعادتها.

"إنها ليان."

"لم أرها تضحك منذ سنوات."

"ما زالت ترتدي القلادة نفسها."

سمعت بعضها...

وتجاهلت جميعها.

كانت تؤمن أن الناس يحكمون على ما يرونه فقط، أما ما يختبئ داخل القلوب فلا يعرفه أحد.

واصلت سيرها حتى وصلت إلى الصف، وجلست في المقعد الأخير بجوار النافذة، المكان الذي اعتادت الجلوس فيه منذ بداية المرحلة الثانوية.

في الساحة الخارجية، كان آدم يقف مع مجموعة من أصدقائه.

كان شابًا طويل القامة، ذا شعر بني وعينين يملؤهما الحماس.

ابتسم أحد أصدقائه وهو يلاحظ نظراته المتجهة نحو النافذة.

قال مازحًا:

"ما زلت تنظر إليها كل صباح؟"

ابتسم آدم دون أن يحاول الإنكار.

"أحيانًا أشعر أنها تحمل قصة لا يعرفها أحد."

ضحك صديقه وقال:

"وأنت تريد أن تكون بطل تلك القصة؟"

نظر آدم إلى ليان من بعيد، ثم قال بهدوء:

"لا... أريد فقط أن أعرف لماذا تبدو وحيدة إلى هذا الحد."

أما في الطابق الثالث...

فكان سليم يقف صامتًا بجوار النافذة.

لم يكن يراقب الطلاب.

بل كان يراقب القلادة التي تتلألأ حول عنق ليان كلما انعكس عليها ضوء الشمس.

اقترب منه أحد زملائه.

"ألا تنوي النزول؟"

أجاب دون أن يحول نظره:

"بعد قليل."

غادر زميله، بينما بقي سليم يحدق في القلادة، وقد ارتسمت في عينيه نظرة امتزج فيها القلق بالحنين.

ثم همس بكلمات لم يسمعها أحد:

"ما زلتِ ترتدينها... إذن لم يضِع الأمل."

بدأت الحصة الأولى.

فتح المعلم كتابه، وبدأ يشرح الدرس، لكن عقل ليان كان بعيدًا.

كان مشغولًا بذكرى لا تفارقها.

قبل ست سنوات...

في صباحٍ مشرق، اصطحبها والدها إلى البحيرة القديمة.

كانت في الثانية عشرة من عمرها.

جلسا تحت شجرة كبيرة تطل على الماء، ثم أخرج من جيبه علبة مخملية صغيرة.

فتحها.

كانت بداخلها هذه القلادة.

علقها حول عنقها، ثم أمسك بيديها وقال بابتسامة دافئة:

"إن جاء يوم وشعرتِ أن العالم كله يكذب عليك... فلا تنزعي هذه القلادة أبدًا، فهي الشيء الوحيد الذي سيقودك إلى الحقيقة."

رفعت رأسها نحوه باستغراب.

"أي حقيقة يا أبي؟"

ابتسم، لكن ابتسامته كانت تخفي شيئًا من القلق.

"حين يحين الوقت... ستعرفين."

لم تفهم يومها ما قصده.

وبعد ثلاثة أيام فقط...

أعلنت الشرطة أن والدها توفي في حادث سير أثناء عودته من عمله.

أُغلقت القضية بسرعة.

وقيل للجميع إنها كانت مجرد حادثة مؤسفة.

لكن ليان...

لم تستطع يومًا أن تتخلص من شعور غريب، شعور كان يخبرها أن شيئًا ما في تلك القصة لم يكن صحيحًا.

رن جرس انتهاء الدوام.

خرج الطلاب تباعًا من المدرسة.

أما ليان، ففضلت الانتظار حتى خلت الممرات.

حملت حقيبتها وغادرت بهدوء.

لم تكن تعلم...

أن عيني رجل داخل سيارة سوداء متوقفة في الجهة المقابلة للمدرسة، كانتا تتابعان كل خطوة تخطوها.

أخرج الرجل صورة قديمة.

فيها والد ليان يحمل طفلته الصغيرة بين ذراعيه.

مرر إصبعه على الصورة، ثم قال بصوت منخفض:

"لقد حان الوقت..."

وفي اللحظة نفسها...

رفعت ليان يدها تلامس القلادة، دون أن تدري أن رحلتها نحو الحقيقة قد بدأت بالفعل.انتهى الدوام الدراسي، وغادرت ليان المدرسة بخطوات هادئة كعادتها. كانت تمشي بمحاذاة الرصيف، بينما أخذت أشعة الشمس الذهبية تميل نحو الغروب، فارتسمت ظلال الأشجار الطويلة على الطريق.

كانت المدينة تعيش يومًا عاديًا...

باعة متجولون ينادون على بضاعتهم، أطفال يركضون في الحديقة القريبة، وحافلات تقل الطلاب إلى منازلهم.

كل شيء بدا طبيعيًا...

إلا قلب ليان.

لم تستطع أن تتخلص من الشعور الذي لازمها منذ الصباح، وكأن شيئًا ينتظرها في نهاية هذا اليوم.

وصلت إلى منزلها.

كان منزلًا صغيرًا من طابق واحد، تحيط به حديقة متواضعة زرعها والدها بيديه قبل سنوات.

ما زالت شجيرات الياسمين تنمو عند السور، رغم أنه لم يعد هناك من يعتني بها كما كان يفعل.

توقفت عند الباب لحظة.

وأخرجت المفتاح من حقيبتها.

لكن قبل أن تدخله في القفل...

ترددت.

كان الصمت الذي يلف المنزل مختلفًا.

ليس مخيفًا...

بل حزينًا.

ذلك النوع من الصمت الذي يذكر الإنسان بمن رحل ولن يعود.

فتحت الباب ببطء.

استقبلتها رائحة الخشب القديمة، ممزوجة برائحة الكتب التي كان والدها يعشقها.

أغلقت الباب خلفها، ثم خلعت حذاءها، وسارت في الممر الضيق المؤدي إلى غرفة الجلوس.

كل شيء بقي كما كان.

الأريكة ذاتها.

المصباح القديم.

الساعة المعلقة على الحائط.

وصورة كبيرة تجمعها بوالدها يوم تخرجها من المرحلة الابتدائية.

توقفت أمام الصورة.

مدت يدها تمسح الغبار عن إطارها.

ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.

"اشتقت إليك..."

خرجت الكلمات منها تلقائيًا، حتى إنها لم تشعر بأنها قالتها بصوت مرتفع.

ساد الصمت.

ولم يجبها أحد.

تنهدت، واتجهت نحو المطبخ.

وضعت الماء على الموقد لتحضير الشاي، كما كانت تفعل كل مساء.

كانت تلك عادة تعلمتها من والدها.

كان يقول دائمًا:

"لا يوجد يوم سيئ لا يستطيع كوب شاي دافئ أن يجعله أقل قسوة."

ابتسمت رغم حزنها.

ثم أخرجت كوبين من الخزانة...

توقفت.

حدقت فيهما طويلًا.

كانت تفعل ذلك دون وعي.

كوب لها...

وكوب لوالدها.

أغمضت عينيها، ثم أعادت أحد الكوبين إلى مكانه ببطء.

"ما زلت أنسى..."

همست وهي تشعر بوخزة في قلبها.

بعد أن انتهت من شرب الشاي، حملت الكوب إلى المغسلة، ثم اتجهت نحو غرفة والدها.

لم تدخلها منذ أسبوعين.

كانت تخشى أن تعبث بشيء من متعلقاته، وكأنها بذلك ستفقد آخر ما تبقى منه.

دفعت الباب برفق.

صرّ المفصل الخشبي بصوت خافت.

دخلت.

كان كل شيء مرتبًا كما تركه.

على المكتب، رُصّت الكتب بعناية.

وبجانبها نظارته الطبية، وقلمه الأسود، ومذكرة صغيرة لم يكتمل ما كُتب فيها.

اقتربت منها.

فتحتها.

كانت الصفحة الأخيرة تحتوي على سطر واحد فقط.

"بعض الحقائق لا تُخفى إلى الأبد."

تجمدت في مكانها.

كانت تلك آخر جملة كتبها والدها.

رفعت المذكرة بين يديها، وأخذت تقرأ السطر مرة أخرى.

هل كان يقصد شيئًا بعينه ؟

أم أنها مجرد فكرة عابرة كتبها ؟

وضعت المذكرة في مكانها.

ثم جلست على الكرسي الذي كان يجلس عليه والدها كل ليلة.

رفعت رأسها.

فوق المكتب...

كان هناك رف صغير يضم عشرات الكتب.

وفي الزاوية اليمنى...

صندوق خشبي قديم.

لم يكن كبيرًا.

لكنه بدا مألوفًا.

اتسعت عيناها.

تذكرت فجأة...

كان والدها يمنعها دائمًا من فتح ذلك الصندوق.

وكلما سألته عنه، كان يبتسم ويقول:

"سيأتي يوم يصبح كل ما بداخله ملكًا لك... ولكن ليس الآن."

نهضت ببطء.

شعرت بأن نبضات قلبها تتسارع.

مدت يدها نحو الصندوق.

توقفت قبل أن تلمسه مباشرة.

كان الغبار يغطي سطحه، مما يعني أنه لم يُفتح منذ سنوات.

ابتلعت ريقها.

ثم أمسكت بالمقبض النحاسي الصغير…

ورفعته ببطء… عندما قامت بفتحه انبعثت منه رائحة الورق القديم، تلك الرائحة التي تشبه الذكريات؛ لا تُرى، لكنها توقظ في القلب ما ظن الإنسان أنه نسيه.

ترددت ليان للحظة قبل أن تنظر إلى ما بداخله.

لم تجد ذهبًا، ولا أوراقًا رسمية، ولا أسرارًا كما كانت تتخيل وهي صغيرة.

بل وجدت حياةً كاملة...

مرتبة بعناية.

في الأعلى كانت هناك بطانية صغيرة مطوية بإتقان، ذات لون أبيض مائل إلى العاجي، وقد بهت لونها مع مرور السنوات.

مدت يدها إليها برفق.

ما إن لمستها حتى انزلقت ورقة صغيرة كانت موضوعة فوقها.

التقطتها.

كُتب عليها بخط والدها:

"هذه أول بطانية التففتِ بها بعد ولادتك."

ارتجفت شفتاها.

ضمت البطانية إلى صدرها للحظات، وأغمضت عينيها.

حاولت أن تتخيل نفسها رضيعة بين ذراعي والدها...

ورجلًا فقد زوجته بعد أيام قليلة من ولادة طفلته، لكنه كان مضطرًا أن يبتسم كلما نظرت إليه ابنته، حتى لا تشعر بالحزن الذي كان ينهشه.

أعادت البطانية إلى مكانها، وهي تمسح دمعة تسللت إلى خدها.

أسفلها...

كانت مجموعة من الصور.

بدأت تتصفحها واحدة تلو الأخرى.

صورة لوالدها يحملها وهي رضيعة.

وأخرى وهي تخطو خطواتها الأولى بينما كان يفتح ذراعيه لها.

وثالثة في أول يوم دراسي، حيث كان يقف خلفها مبتسمًا، بينما كانت هي تعبس لأنها لم تكن تريد الذهاب إلى المدرسة.

ابتسمت رغم دموعها.

"كنت تعرف دائمًا كيف تجعلني أضحك..."

همست وهي تمرر أصابعها على الصورة.

ثم توقفت فجأة.

كانت هناك صورة لم ترها من قبل.

رجلٌ شاب ... وإلى جانبه امرأة تبتسم بحنان.

اتسعت عيناها.

التقطت الصورة بسرعة.

كانت المرأة جميلة، ذات شعر أسود طويل وعينين تشبهان عينيها إلى حدٍ بعيد.

لم تحتج إلى أحد ليخبرها.

لقد عرفت...

هذه أمي.

جلست ببطء على الكرسي، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها.

ظلت تتأمل الصورة طويلًا.

كانت هذه أول مرة ترى والدتها وهي تبتسم.

لطالما كانت الصور التي احتفظت بها في ألبوم العائلة رسمية وباهتة.

أما هذه...

فكانت مليئة بالحياة.

شعرت ليان بغصة في حلقها.

وقالت بصوت متهدج:

"كنتِ جميلة..."

ثم ابتسمت بحزن وأضافت:

"أشبهك قليلًا... أليس كذلك؟"

ساد الصمت.

لكنها شعرت، لأول مرة منذ سنوات، أن والدتها لم تعد مجرد اسم تسمعه في القصص.

بل إنسانة حقيقية.

أم...

كانت تتمنى أن تعيش لترى ابنتها تكبر.

وبين الصور...

وجدت ظرفًا صغيرًا مربوطًا بشريط أزرق باهت.

كُتب على واجهته:

"إلى ليان... عندما تكبر."

تسارعت نبضات قلبها.

مررت أصابعها على الكلمات برفق، وكأنها تخشى أن تتلاشى إذا لمستها بقوة.

فتحت الظرف بحذر.

كان بداخله عدد من الأوراق.

لكن الورقة الأولى كانت مختلفة.

كان الخط أنعم...

وأكثر رقة.

لم يكن خط والدها.

بدأت تقرأ.

**"إلى صغيرتي ليان...

لا أعلم إن كنت سأكون إلى جوارك عندما تقرئين هذه الكلمات، لكنني أرجو أن تعرفي شيئًا واحدًا...

لقد أحببتك قبل أن أراك.

كنت أحدثك كل ليلة، وأنت ما زلتِ تكبرين داخلي .

وكنت أتخيل لون عينيك، وضحكتك، وحتى الطريقة التي ستنادينني بها.

إن لم يمنحني الله فرصة أن أراك تكبرين، فأرجو ألا تحزني كثيرًا.

يكفيني أنني شعرت بوجودك... وأنك كنتِ أجمل هدية في حياتي."**

توقفت ليان عن القراءة.

لم تستطع أن تكمل.

غامت عيناها بالدموع.

وضمت الرسالة إلى صدرها، وهي تبكي بصمت.

لم يكن بكاء يأس...

بل بكاء شوق.

شوق إلى شخص لم تمنحه الحياة فرصة أن يعرفها.

وبعد دقائق...

مسحت دموعها، وأخذت نفسًا عميقًا.

ثم أعادت الرسالة بعناية إلى الظرف.

لكنها لاحظت أن في أسفل الصندوق ظرفًا آخر.

كان مختلفًا.

أكبر حجمًا.

ولونه بني داكن.

وعلى واجهته، كٌتبت كلمات بخط والدها ، جعلت قلبها يتوقف للحظة :

"إلى ليان... لا تفتحي هذه الرسالة إلا عندما تشعرين أن الوقت قد حان لمعرفة الحقيقة."

تجمدت أناملها فوق الظرف.

رفعت رأسها نحو صورة والدها المعلقة على الجدار.

ثم همست بصوت بالكاد خرج من بين شفتيها:

"هل... حان الوقت فعلًا.؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حـيـن يـزهـر الأنـتـقـام   اكـتـشـاف الـحـقـيـقـة

    الـفـصـل الـحـادي والـثـلاثـون «"ليس أصعب من مواجهة عدوك... إلا مواجهة نفسك."»لفَّ الصمت أرجاء التلة الشرقية.لم يكن يُسمع سوى صوت الرياح وهي تعبر بين الأشجار القديمة، وكأنها تحمل صدى تلك الليلة التي مضى عليها أحد عشر عامًا.وقف الجميع في أماكنهم.ليان تحدق في سامر.آدم ينظر إلى والده بعينين امتلأتا بالحيرة والغضب.أما رائد، فكان ينتظر الكلمة التي ستُنهي سنوات طويلة من الأسئلة.قال بهدوء:"تكلم يا سامر."ظل سامر صامتًا.كانت أنفاسه متسارعة، وقدماه ترتجفان.كرر رائد:"اليوم لن تنقذك الأكاذيب."لكن سامر لم يجب.خفض رأسه أكثر.وفجأة، تقدم آدم نحوه ووقف أمامه مباشرة.قال بصوت مكسور:"انظر إليّ."لم يرفع سامر عينيه.فأمسك آدم بكتفيه وقال بحرقة:"أنا لا أريد أن أسمع الحقيقة من هذا الرجل."وأشار إلى زعيم العصابة.ثم أكمل:"أريد أن أسمعها منك أنت."ساد الصمت.بدأت دموع سامر تتساقط بصمت.ثم رفع رأسه أخيرًا.نظر إلى ابنه طويلًا، وقال:"سامحني."هز آدم رأسه بعنف."لا أريد اعتذارًا.""أريد الحقيقة."تنهد سامر بعمق، ثم قال:"في تلك الليلة... كنت أول من خان نفسه."نظر الجميع إليه.وأكمل بصوت متقط

  • حـيـن يـزهـر الأنـتـقـام   الـحـقـيـقـة الأخـيـرة

    الـفـصـل الـثـلاثـون"هناك اعترافات... لا تُنتزع تحت التعذيب، بل تُولد حين يصبح الهروب مستحيلاً."لم يتحرك أحد.كانت كلمات زعيم العصابة الأخيرة ما تزال تتردد في أذهانهم."أما النصف الآخر... فسيكشفه آخر رجل بقي حيًا من تلك الليلة."نظر آدم إلى رائد.وسأله بصوت خافت:"من يقصد؟"تنهد رائد ببطء.وقال:"لا أعلم...""لكن إن كان يقصد أحدًا من أصدقاء إبراهيم...""...فلا يوجد سوى رجل واحد."رفعت ليان رأسها بسرعة.كانت تعرف الاسم...لكنها لم تجرؤ على نطقه.همس سليم:"...سامر."ساد الصمت.عاد الجميع إلى مركز الشرطة قبل حلول الفجر.وُضع الصندوق المعدني داخل غرفة الأدلة.وأغلق رائد الباب بنفسه.ثم التفت إلى ليان.وقال:"لن نفتحه قبل أن يكون جميع أفراد الفريق موجودين."أومأت ليان.لكنها لم تستطع إخفاء قلقها.كان اسم سامر يطارد أفكارها.في الجهة الأخرى من المدينة...كانت سيارة سوداء تشق طريقها داخل شارع مهجور.توقفت أمام منزل قديم.ترجل منها أربعة رجال ملثمون.طرق أحدهم الباب بعنف.فتح سامر الباب بوجه شاحب.نظر إليهم بخوف.وقبل أن ينطق بكلمة...دفعه أحدهم إلى الداخل.قال سامر بصوت مرتجف:"انتهى الات

  • حـيـن يـزهـر الأنـتـقـام   الـحـقـيـقـة خـلـف الـبـاب

    الـفـصـل الـتـاسـع والـعـشـرون"كل باب يُفتح... يغلق وراءه سنوات من الأكاذيب."تحرك الباب الفولاذي ببطء، مصدرًا صوتًا معدنيًا ثقيلًا ارتد صداه في أرجاء الممر.وقف سليم أمام ليان مباشرة.ولأول مرة منذ اختطافها...رآها.لم يتردد لحظة.اقترب منها سريعًا.وقال بصوت امتزجت فيه الراحة بالغضب:"هل أنتِ بخير؟"ابتسمت ليان رغم إرهاقها.وأومأت برأسها."أنا بخير."تنفس سليم الصعداء، بينما تقدم رائد بخطوات حذرة.قال بهدوء:"سنطمئن عليها لاحقًا... علينا تفتيش المكان."أومأ الجميع، ثم دخلوا الغرفة الواقعة خلف الباب.كانت الغرفة واسعة وقديمة.لم تكن مليئة بالأسلحة كما توقعوا.بل كانت أشبه بأرشيف مهجور.خزائن حديدية...وصناديق خشبية...وأرفف غطاها الغبار.قال آدم بدهشة:"لهذا كانوا يحمون هذا المكان..."اقترب رائد من إحدى الخزائن.لاحظ شعار الغراب محفورًا عليها.لكن أسفله...كانت هناك لوحة معدنية قديمة كُتب عليها:شركة الهاشمي للنقل.نظر إلى ليان.وقال:"كان هذا المستودع تابعًا لشركة والدك."شهقت ليان."ماذا؟"أجاب رائد:"بعد وفاة إبراهيم... زُورت أوراق الملكية، وانتقل المستودع إلى شركة وهمية."ساد ال

  • حـيـن يـزهـر الأنـتـقـام   الـمـواجـهـة الاولـى

    الفصل الثامن والعشرونالمواجهة الأولى"أخطر المعارك... هي التي لا تعرف فيها من يراقبك."أُغلقت الأبواب الحديدية واحدًا تلو الآخر.تردد صدى ارتطامها في أرجاء المستودع.ساد الظلام لثوانٍ...ثم اشتعلت مصابيح حمراء خافتة في السقف، غمرت المكان بضوء باهت زاد المشهد رهبة.رفع رائد سلاحه.وقال بهدوء:"الجميع يلتزم بمكانه."وقف سليم أمام الباب الذي تُحتجز خلفه ليان.أما آدم...فكان يراقب الممرات الخلفية.انطلق صوت زعيم العصابة عبر مكبرات الصوت." ستة اعوام يا رائد... وما زلت تركض خلف الحقيقة."لم يجب رائد.ظل يبحث بعينيه عن مصدر الصوت.عاد الصوت من جديد:"كنت أعلم أنك ستصل إلى هنا... ولهذا أعددت هذا المكان من أجلك."قال رائد بثبات:"إذا كنت تظن أن اختطاف ليان سيوقفنا... فأنت مخطئ."ضحك الزعيم ضحكة قصيرة."أنا لم أخطفها لأوقفكم..."ثم صمت لحظة."...بل لأجعلكم تفتحون الطريق الذي عجزنا عن فتحه طوال ستة اعوام ."نظر رائد إلى سليم.ثم إلى الباب الحديدي.بدأت كلمات الزعيم تثير شكوكه.داخل الغرفة...كانت ليان تنظر إلى الجدران بصمت.ثم اقتربت من الطاولة المعدنية.تذكرت الرسالة التي وجدتها داخل ساعة وا

  • حـيـن يـزهـر الأنـتـقـام   الـثـمـن

    الـفـصـل الـسـابـع والـعـشـرونا"حين يعجز العدو عن إسكات الحقيقة... يحاول إسكات من يحملها."انتهت ليان من قراءة رسالة والدها.ساد صمت طويل داخل المنزل الآمن.لم يكن أحد يتحدث.كان الجميع يفكر في الحقيقة التي كُشفت أخيرًا.أما رائد...فبقي ينظر إلى الصور القديمة التي التقطها إبراهيم تلك الليلة.قال بصوت هادئ:"الآن فهمنا كيف بدأت القصة...""...لكننا ما زلنا لا نعرف أين انتهت."رفع سليم رأسه."تقصد الدليل الأخير."أومأ رائد."والعصابة تعرف أننا اقتربنا منه."رن هاتف رائد فجأة.كان أحد رجال الشرطة.أجاب بسرعة.ثم تغيرت ملامحه.قال:"ماذا؟!"وقف الجميع.سأله آدم:"ماذا حدث؟"أغلق رائد الهاتف.وقال بقلق:"أحد رجالنا الذين كانوا يراقبون المستودع السابع عشر...""...عُثر عليه مصابًا."سأل سليم:"هل قال شيئًا؟"أجاب رائد:"قال جملة واحدة قبل أن يفقد وعيه...""احذروا... الغراب يراقبكم."نظر الجميع إلى بعضهم.الخاتم...البطاقة...والآن...الغراب.أصبح واضحًا أن هذا الرمز يعود إلى الدائرة الداخلية للعصابة.في اليوم التالي...أصرت ليان على زيارة قبر والدها.اعترض رائد."ليس الآن."قالت بهدوء:"من

  • حـيـن يـزهـر الأنـتـقـام   الـلـيـلـة الـتـي بـدء فـيـهـا كـل شـيء

    الـفـصـل الـسـادس والـعـشـرون"إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة يا ليان... فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا لأروي لك الحقيقة بنفسي."بدأت ليان تقرأ الرسالة، بينما عمّ الصمت المكان.كان خط إبراهيم واضحًا، وكأنه كُتب بالأمس."ابنتي ليان... إذا وصلتِ إلى هذه الكلمات، فاعلمي أنني لم أخفِ الحقيقة عنكِ خوفًا منكِ، بل خوفًا عليكِ. كنتِ صغيرة، ولم يكن من العدل أن تحملي ذنب حرب لم تختاريها. لكن الآن... حان الوقت لتعرفي كيف بدأت الحكاية."توقفت ليان لحظة، ثم تابعت القراءة."كل ما سأرويه لكِ حدث قبل ستة سنوات .."...قبل ستة سنوات كان الليل قد انتصف.وكان الطريق الريفي الممتد بين الحقول شبه خالٍ.داخل السيارة القديمة...كان أربعة رجال عائدين بعد اجتماع عمل خارج المدينة.إبراهيم الهاشمي...يوسف الكرخي...سامر الراشد ...وصديقهم الرابع فارس العزاوي.كانوا يتبادلون الأحاديث والضحكات بعد يوم طويل.قال يوسف مبتسمًا:"في المرة القادمة، لن أدع سامر يقود السيارة."ضحك فارس."ولماذا؟"رد يوسف:"لأننا وصلنا متأخرين بسبب توقفه ثلاث مرات لشرب الشاي."ضحك الجميع.حتى سامر ابتسم وهو يهز رأسه."لن أعتذر عن الشاي أبدً

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status