เข้าสู่ระบบالـفـصـل الـثـالـث
"ليست كل الآثار تمحوها السنوات... فبعضها يبقى مختبئًا، ينتظر الشخص المناسب ليجده وقفت ليان أمام جذع الشجرة، بينما بقيت أناملها تتحسس الاسم المحفور عليها. "ليان." كان الخط مألوفًا... لقد رأت هذا الخط مئات المرات في دفاتر والدها. لم يكن هناك شك. هو من كتب اسمها. لكن... لماذا؟ ولماذا يشير السهم إلى أسفل الجذع؟ انحنت قليلًا، وأزاحت بعض الأوراق اليابسة المتراكمة حول الشجرة. لم تجد شيئًا. بحثت مرة أخرى. ثم ركعت على ركبتيها، وأخذت تبعد التراب بيديها برفق. لم تكن تحفر... بل كانت تتبع إحساسًا غريبًا يخبرها أن والدها لم يترك ذلك السهم عبثًا. بعد دقائق... اصطدمت أصابعها بشيء صلب. توقفت. أبعدت بقية التراب بحذر. ظهر طرف علبة معدنية صغيرة، صدئة قليلًا بفعل الرطوبة. اتسعت عيناها. أخرجتها ببطء. كانت بحجم كف اليد تقريبًا. غطاها الصدأ، لكن قفلها ما زال سليمًا. حاولت فتحه. لم تستطع. ابتسمت بحزن. "حتى الآن... ما زلت تضع لي الألغاز يا أبي." وضعت العلبة داخل حقيبتها، ثم أعادت التراب كما كان. لم تكن تريد أن يلاحظ أحد أن شيئًا كان مدفونًا هناك. وقفت، ونفضت الغبار عن يديها. وقبل أن تغادر... ألقت نظرة أخيرة على البحيرة. كانت صفحة الماء ساكنة، لكن انعكاس الشمس عليها أعاد إليها ذكرى بعيدة. "أبي... لماذا تحب هذا المكان كثيرًا؟" كانت يومها في التاسعة من عمرها، تجلس إلى جانبه تحت الشجرة نفسها. ابتسم وهو يرمي قطعة خبز صغيرة للبط. ثم قال: "لأن البحيرة تحفظ الأسرار." ضحكت وهي تنظر إليه باستغراب. "وكيف تحفظ الأسرار؟" أشار إلى الماء. "انظري إليه." نظرت. كان ساكنًا. قال: "إذا رميتِ حجرًا..." التقط حجرًا صغيرًا، وألقاه في الماء. انتشرت الدوائر على السطح. "كل فعل يترك أثرًا... حتى لو اختفى بعد قليل." ثم نظر إليها مبتسمًا. "والإنسان أيضًا." أفاقت ليان على صوت الريح. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لم تكن تعرف لماذا تذكرت ذلك الموقف الآن تحديدًا. لكنها شعرت أن والدها كان يحاول تعليمها شيئًا لم تفهمه وهي طفلة. في طريق عودتها... مرت بالمخبز الذي اعتاد والدها شراء الخبز منه. كان صاحبه رجلًا في أواخر الخمسينيات. ما إن رآها حتى ابتسم. "ليان." بادلتْه الابتسامة. "مرحبًا يا عم احمد ." ناولها رغيفًا ساخنًا. "هذا خرج من الفرن للتو." ضحكت بخفة. "لكنني لم أطلب شيئًا." قال وهو يلوح بيده: "كان والدك يقول إن الخبز الساخن يجعل البيت أقل وحدة." ساد الصمت للحظة. ثم سألها وهو يلاحظ شرودها: "هل كل شيء بخير؟" ترددت. كانت ترغب في سؤاله عن والدها. لكنها خافت أن يبدو الأمر غريبًا. فاكتفت بقولها: "هل كان يحدثك كثيرًا؟" فكر الرجل قليلًا. "ليس كثيرًا..." ثم ابتسم. "لكنه كان يمر كل خميس تقريبًا، وبعد أن يشتري الخبز، يذهب إلى البحيرة." تسارع نبض قلبها. البحيرة مرة أخرى. قالت بهدوء: "هل كان يذهب وحده؟" قطب الرجل حاجبيه، وكأنه يحاول تذكر شيء قديم. "في معظم الأحيان..." ثم توقف. "...لكن..." رفعت رأسها بسرعة. "لكن ماذا؟" هز رأسه بأسف. "لا أريد أن أخطئ في التذكر." "مرت سنوات طويلة." ابتسمت محاولة إخفاء خيبة أملها. شكرته، ثم غادرت. لكن كلمة "لكن..." بقيت تدور في رأسها. حين وصلت إلى المنزل، أغلقت الباب خلفها. أخرجت العلبة المعدنية من حقيبتها. وضعتها فوق المكتب. أحضرت قطعة قماش، وبدأت تنظف الصدأ عنها برفق. شيئًا فشيئًا... بدأ يظهر نقش صغير على الغطاء. لم يكن اسمًا. بل... زنبقة بيضاء. توقفت يدها. تأملت الرمز طويلًا. لم يكن مجرد رسم عشوائي. بل نُقش بعناية، وكأن صاحبه أراد أن يبقى واضحًا مهما مر الزمن. شعرت أن قلبها يخفق بقوة. هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها هذا الرمز خارج الصور أو الزهور. هل هو مجرد شعار؟ أم أنه يعني شيئًا أكثر؟ وبينما كانت تحدق في النقش... رن جرس الباب. ارتجفت قليلًا. نظرت إلى الساعة. كان الوقت يقترب من الثامنة مساءً. لم تكن تنتظر أحدًا. تقدمت نحو الباب ببطء. نظرت من العين السحرية. وتجمدت مكانها. كان الواقف في الخارج... آدم. لكن ملامحه لم تكن كما اعتادتها. كان متوترًا... وكأنه جاء ليخبرها بشيء لم يكن ينوي قوله.بقيت ليان تحدق في الباب للحظات، غير مصدقة أن آدم يقف أمام منزلها في هذا الوقت. ترددت قبل أن تدير المقبض. ما إن فتحت الباب حتى لمحَت ملامحه المتوترة. لم يبتسم كما اعتاد. بل قال مباشرة، وكأنه يخشى أن يضيع الوقت: "آسف لمجيئي دون موعد." نظرت إليه باستغراب. "هل حدث شيء؟" تردد قليلًا، ثم رفع كتابًا كان يحمله في يده. "تركت هذا في الصف اليوم." ابتسمت بخفة. "كان بإمكانك أن تعطيني إياه غدًا." خفض بصره للحظة، ثم قال: "نعم... لكن هذا ليس سبب مجيئي." شعرت ليان بأن شيئًا يثقل كلماته. ابتعدت قليلًا عن الباب. "تفضل." دخل آدم بخطوات مترددة، وكأنه لا يريد أن يزعج هدوء المنزل. كانت عيناه تتجولان بين الصور المعلقة على الجدران. توقفتا عند صورة والد ليان. اقترب منها قليلًا. "كان يشبهك." قالها بعفوية. ابتسمت ليان ابتسامة امتزج فيها الفخر بالحزن. "الجميع يقول ذلك." ساد صمت قصير. ثم التفت إليها آدم. "ليان... هل أستطيع أن أسألك سؤالًا؟" أومأت برأسها. "هل سبق أن أخبرك والدك عن شخص اسمه... سامر؟" ارتعشت يد ليان دون أن تشعر. الاسم... لم تسمعه منذ سنوات. أغمضت عينيها قليلًا محاولة استرجاع الذاكرة. ثم قالت ببطء: "أذكر أن أبي ذكره مرة واحدة فقط." "قال إنه كان صديقًا قديمًا... ثم غيّر الموضوع." رفع آدم رأسه بسرعة. "إذن... لم يخبرك بشيء آخر؟" هزت رأسها. "لا." تنهد آدم بارتياح، وكأنه كان يخشى إجابة مختلفة. لكن ليان لاحظت ذلك. قالت وهي تنظر إليه مباشرة: "من هو سامر؟" صمت. ثانية... ثانيتان... ثم ابتسم ابتسامة باهتة. "كنت آمل أن تعرفي." لم تقتنع. لكنها شعرت أنه لا يكذب... بل يخفي شيئًا. بعد دقائق، غادر آدم. وقفت ليان عند الباب تراقبه حتى اختفى في آخر الشارع. ثم عادت إلى الداخل. كانت الأفكار تتزاحم في رأسها. سامر... البحيرة... العلبة المعدنية... الزنبقة البيضاء... كل شيء بدأ يرتبط ببعضه، لكنها لم تستطع رؤية الصورة كاملة. جلست أمام المكتب. وأعادت النظر إلى العلبة. كانت ما تزال مغلقة. أخذت تفتش في درج والدها القديم. لعلها تجد شيئًا يساعدها على فتحها. وبين المفكات والمسامير الصغيرة... وجدت مفتاحًا نحاسيًا قديمًا. كان صغيرًا جدًا. ومعلقًا فيه شريط أزرق باهت. اتسعت عيناها. الشريط الأزرق... كان بنفس لون الشريط الذي ربطت به والدتها رسالتها. همست: "هل هي مصادفة؟" لكنها تذكرت شيئًا كان والدها يقوله دائمًا: "المصادفات الحقيقية... أقل مما نظن." نظرت إلى المفتاح. ثم إلى العلبة. وضعت المفتاح داخل القفل. أدارته بحذر. صدر صوت خافت... طَق. انفتح القفل. تسارع نبض قلبها. رفعت الغطاء ببطء شديد. لم يكن داخل العلبة مالًا ولا مجوهرات. بل دفتر صغير... جلدي... تآكلت أطرافه مع الزمن. وعلى غلافه، كُتب بخط والدها: "مذكراتي." حبست أنفاسها. مدت يدها إليه. لكن قبل أن تفتحه... سقطت من بين صفحاته صورة قديمة. انحنت والتقطتها. ظهر فيها أربعة أشخاص يقفون أمام البحيرة نفسها. تعرفت على والدها فورًا. لكن الثلاثة الآخرين كانوا مجهولين بالنسبة لها. قلبت الصورة. كان مكتوبًا على ظهرها: "إلى أيامٍ ظننا أنها لن تنتهي..." وتحت العبارة... أربعة أسماء. إبراهيم... سامر... نادر... يوسف... تجمدت ليان. همست دون وعي: "سامر..." إنه الاسم نفسه الذي ذكره آدم. لكن... من يكون الآخرون؟ ولماذا احتفظ والدها بهذه الصورة كل هذه السنوات؟ رفعت المذكرة بين يديها. كانت على وشك أن تفتح الصفحة الأولى... لكنها توقفت. نظرت إلى صورة والدها المعلقة على الحائط. ثم قالت بصوت منخفض: "إذا كنت قد تركت لي كل هذا..." "فأنا مستعدة لمعرفة الحقيقة." ومع أول صفحة فتحتها... بدأت رحلة لم تكن تعلم أنها ستغيّر حياتها إلى الأبد. أخذت ليان نفسًا عميقًا. وضعت الصورة إلى جانبها، ثم فتحت الصفحة الأولى من المذكرة بحذر، وكأنها تخشى أن تتمزق بين أصابعها. كان الخط واضحًا... الخط نفسه الذي طالما كتب به والدها ملاحظاته ورسائله المدرسية لها. ابتسمت بحزن. وشعرت، للحظة، وكأن والدها يجلس أمامها من جديد. بدأت تقرأ. "إذا وصلت هذه المذكرة إليك يا ليان، فهذا يعني أن الأمور لم تسر كما تمنيت." توقفت لثوانٍ. أغمضت عينيها. حتى بعد رحيله... ما زال يبدأ حديثه معها بالطريقة الهادئة نفسها. تابعت القراءة. "أعرف أنك الآن تملكين أسئلة أكثر من الإجابات، وأعرف أيضًا أنك ستغضبين مني لأنني أخفيت عنك أشياء كثيرة." انقبض قلبها. همست: "نعم... لقد غضبت." ثم ابتسمت وسط دموعها. "لكنني كنت أبًا قبل أن أكون رجلًا يحمل أسرارًا، ولذلك اخترت دائمًا أن أحميك، حتى لو ظننتِ يومًا أنني كنت أخفي الحقيقة عنك." سقطت دمعة على الورقة. مسحتها بسرعة، خشية أن تفسد الحبر. وأكملت. "قبل أن تعرفي أي شيء، أريدك أن تتذكري أمرًا واحدًا..." توقفت الكلمات قليلًا، ثم ظهرت جملة كُتبت بخط أكثر قوة. "لا تحكمي على الناس من أول حقيقة تكتشفينها." عقدت حاجبيها. ما معنى ذلك؟ هل كان يقصد أن الحقيقة قد تكون ناقصة؟ قلبت الصفحة. لكنها لم تجد حديثًا عن المؤامرات، ولا عن الأسرار. بل وجدت ذكريات. ذكريات بسيطة. كتب والدها عن أول مرة حملها فيها بين ذراعيه. وعن خوفه في الليلة الأولى بعد وفاة زوجته. وعن محاولته إعداد الحليب لها، وكيف أفسده ثلاث مرات قبل أن ينجح في الرابعة. ضحكت ليان رغم دموعها. وقالت بصوت خافت: "كنت سيئًا في الطبخ فعلًا..." تذكرت كيف كان يحرق الخبز أحيانًا، ثم يضحكان معًا وهما يتناولانه رغم ذلك. كانت الصفحات الأولى مليئة بالحياة... لا بالأسرار. وكأن والدها أراد أن يذكرها أولًا بأن الحب هو ما صنع عائلتهما، قبل أن يحدثها عن الألم. استمرت في القراءة. حتى وصلت إلى صفحة كُتب في أعلاها تاريخ قديم... قبل ست سنوات. ارتجفت أناملها. كان ذلك قبل وفاته بأيام قليلة. بدأت تقرأ ببطء. "اليوم عدت إلى البحيرة." "المكان ما زال هادئًا كما عرفته دائمًا، لكنني لم أعد أستطيع النظر إلى الماء بالطريقة نفسها." "هناك من عاد يبحث عن شيء ظننت أنه اندثر إلى الأبد." حبست أنفاسها. هذه أول مرة تقترب فيها المذكرة من السر. تابعت. "لا أعرف كم بقي لدي من الوقت، لكنني أعلم أنني لن أهرب هذه المرة." ازدادت دقات قلبها. ثم جاءت الجملة التالية... قصيرة. لكنها جعلتها تشعر ببرودة تسري في أطرافها. "إذا حدث لي شيء... فلا تصدقي كل ما سيقال لك." توقفت. أعادت قراءة السطر مرة... ثم مرتين... ثم ثلاثًا. كانت الشرطة قد أكدت أن وفاة والدها حادث سير. والجميع صدق ذلك. لكن... هو نفسه كتب قبل وفاته: "لا تصدقي كل ما سيقال لك." أغلقت المذكرة ببطء. لم تستطع أن تكمل. شعرت أن الهواء داخل الغرفة أصبح أثقل. نهضت واتجهت إلى النافذة. كانت السماء قد أظلمت، وأضواء الشارع بدأت تنعكس على زجاجها. وضعت يدها على القلادة التي تتدلى من عنقها. ثم همست بصوت مرتجف: "أبي..." "في ماذا كنت متورطًا؟" في الجهة الأخرى من المدينة... كان رجل في منتصف الخمسينيات يجلس داخل مكتب قديم. أمامه فنجان قهوة لم يلمسه منذ ساعة. طرق أحدهم الباب. "تفضل." دخل شاب يحمل ملفًا صغيرًا. قال باحترام: "سيدي... وصلني خبر." رفع الرجل رأسه. "ما هو؟" أجاب الشاب: "ليان ذهبت إلى البحيرة اليوم." ساد الصمت. نظر الرجل طويلًا إلى النافذة. ثم قال بهدوء شديد: "إذن..." "وجدت ما تركه لها إبراهيم." لم يبدُ على وجهه خوف. ولا غضب. وأضاف بعد لحظة: "لا تغفلو عنها راقبوها جيداً ."الـفـصـل الـسـادس"ليست كل الوجوه التي تبتسم لك بريئة... وليست كل الوجوه الصامتة تخفي شرًا."….. استيقظت ليان في صباح اليوم التالي وهي تشعر أن النوم لم يزرها إلا لساعات قليلة.كانت صورة الصندوق الخشبي في منزل آدم، ونظرة والده المليئة بالذنب، لا تزالان عالقتين في ذهنها.وقفت أمام المرآة ترتب شعرها، ثم نظرت إلى القلادة الفضية التي لم تفارق عنقها منذ أن أهداها لها والدها.أمسكتها بين أصابعها وهمست:"سأصل إلى الحقيقة... مهما طال الطريق."في المدرسة، كانت الحصص تمر ببطء شديد.لم تستطع التركيز في شرح المعلم، بينما كانت صفحات المذكرة تدور في رأسها.وبعد انتهاء الدوام، استوقفها أمين المكتبة عند الباب.كان يحمل ظرفًا بنيًا صغيرًا.قال بهدوء:"بحثت بعد مغادرتك أمس..."رفعت ليان رأسها بسرعة."...ووجدت شيئًا ظننت أنه قد يفيدك."فتح الظرف بحذر، وأخرج بطاقة قديمة باهتة اللون.كانت بطاقة عضوية لنادٍ ثقافي قديم.في أسفلها اسم واضح:إبراهيم الهاشميلكن ما شد انتباه ليان لم يكن الاسم...بل التوقيع الموجود أسفل البطاقة.توقيع لرجل يدعى:الدكتور فؤاد العابد.سألت باستغراب:"من يكون؟"ابتسم أمين المكتبة.
الـفـصـل الـخـامـس "ليس كل ما يختفي يكون قد ضاع... أحيانًا يخفيه شخص يخشى أن يراه غيره."….. خرجت ليان وآدم من غرفة الأرشيف ببطء، بينما ظل أمين المكتبة واقفًا أمام الرفوف القديمة، ينظر إلى الفراغ الذي تركته الصحيفة الناقصة.ساد صمت ثقيل.كانت ليان لا تزال تنظر إلى الملف المفتوح بين يديها.قالت بصوت خافت:"إذا كانت الصفحة قد اختفت فعلًا... فهذا يعني أن أحدًا دخل إلى هنا."أجاب أمين المكتبة وهو يزفر ببطء:"هذا الأرشيف لا يدخله إلا عدد قليل جدًا من الناس."رفعت ليان رأسها."هل تحتفظون بسجل للزوار؟"نظر إليها الرجل بإعجاب خفي.كانت هذه أول مرة لا تكتفي بطرح الأسئلة، بل بدأت تربط الأحداث بنفسها.أومأ برأسه."نعم... لكن ليس كل من يدخل يكتب اسمه."تبادل آدم وليان نظرة سريعة.كان واضحًا أن البحث لن يكون سهلًا.أعاد أمين المكتبة الملفات إلى أماكنها، ثم توقف أمام رف قديم.أخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا، تراكم عليه الغبار.مسح الغبار عنه بكفه، وقال:"هذا الصندوق يعود إلى إبراهيم الهاشمي."اتسعت عينا ليان."أبي؟"ابتسم الرجل ابتسامة حزينة."كان يودع عندي أحيانًا بعض الأوراق التي يخشى ضياعها."ارتجف
الـفـصـل الـرابـع "ليست كل الصور تحفظ الذكريات... بعضها يحفظ الإجابات."…. لم تستطع ليان النوم تلك الليلة.كانت صورة الرجال الأربعة موضوعة أمامها على المكتب، وإلى جانبها المذكرة المفتوحة على الصفحة التي انتهت عندها.أعادت النظر إلى الأسماء المكتوبة خلف الصورة.إبراهيم... سامر... نادر... يوسف.كانت تعرف اسمًا واحدًا فقط.إبراهيم...والدها.أما البقية...فكانوا غرباء، ومع ذلك شعرت أن حياتها أصبحت مرتبطة بهم بطريقة لم تفهمها بعد.تنهدت وهي تقلب الصورة بين يديها.ثم وقعت عيناها على شيء لم تنتبه إليه من قبل.في الزاوية السفلية للصورة...كان هناك تاريخ صغير.15 / 4 / 2008عقدت حاجبيها."قبل ثمانية عشر عامًا..."همست بها، ثم اتسعت عيناها فجأة.كان ذلك العام نفسه الذي وُلدت فيه.هل التُقطت الصورة في العام الذي وُلدت فيه؟أم أن التاريخ يشير إلى شيء آخر؟أخرجت هاتفها، وصورت الصورة من الجهتين حتى لا تضيع تفاصيلها.ثم وضعتها بعناية داخل المذكرة.في صباح اليوم التالي...دخلت المدرسة، لكن ذهنها لم يكن حاضرًا في أي درس.كانت تنظر إلى السبورة، بينما كانت أفكارها تدور حول الأسماء الأربعة.لاحظ آدم ش
الـفـصـل الـثـالـث "ليست كل الآثار تمحوها السنوات... فبعضها يبقى مختبئًا، ينتظر الشخص المناسب ليجدهوقفت ليان أمام جذع الشجرة، بينما بقيت أناملها تتحسس الاسم المحفور عليها."ليان."كان الخط مألوفًا...لقد رأت هذا الخط مئات المرات في دفاتر والدها.لم يكن هناك شك.هو من كتب اسمها.لكن...لماذا؟ولماذا يشير السهم إلى أسفل الجذع؟انحنت قليلًا، وأزاحت بعض الأوراق اليابسة المتراكمة حول الشجرة.لم تجد شيئًا.بحثت مرة أخرى.ثم ركعت على ركبتيها، وأخذت تبعد التراب بيديها برفق.لم تكن تحفر...بل كانت تتبع إحساسًا غريبًا يخبرها أن والدها لم يترك ذلك السهم عبثًا.بعد دقائق...اصطدمت أصابعها بشيء صلب.توقفت.أبعدت بقية التراب بحذر.ظهر طرف علبة معدنية صغيرة، صدئة قليلًا بفعل الرطوبة.اتسعت عيناها.أخرجتها ببطء.كانت بحجم كف اليد تقريبًا.غطاها الصدأ، لكن قفلها ما زال سليمًا.حاولت فتحه.لم تستطع.ابتسمت بحزن."حتى الآن... ما زلت تضع لي الألغاز يا أبي."وضعت العلبة داخل حقيبتها، ثم أعادت التراب كما كان.لم تكن تريد أن يلاحظ أحد أن شيئًا كان مدفونًا هناك.وقفت، ونفضت الغبار عن يديها.وقبل أن تغادر..
الـفـصـل الـثـانـي"أصعب الرسائل ليست تلك التي نخشى قراءتها... بل تلك التي نخشى أن تغيّر حياتنا."لم تنم ليان تلك الليلة إلا مع اقتراب الفجر.كان الظرف البني لا يزال فوق مكتبها، كما تركته قبل ساعات.كلما همّت بفتحه، تراجعت.وكلما قررت أن تؤجله، عاد فضولها يدفعها نحوه من جديد.جلست على حافة سريرها تحدق إليه بصمت.كيف يمكن لورقة صغيرة أن تصبح أثقل من جبل؟مدّت يدها إليه، ثم سحبتها مرة أخرى.ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت لنفسها:"لو كان أبي يريدني أن أقرأها فورًا... لما كتب: عندما تشعرين أن الوقت قد حان."أطفأت المصباح.وتركت الظرف مكانه.في صباح اليوم التالي...استيقظت على صوت العصافير التي اعتادت أن تحط على شجرة الرمان أمام نافذتها.فتحت الستائر، فتسللت أشعة الشمس إلى الغرفة، لتنعكس على إطار صورة والدها.اقتربت منها.عدّلتها قليلًا، ثم قالت بابتسامة هادئة:"صباح الخير... أرجو أن يكون قراري صحيحًا."ارتدت زي المدرسة، وعلّقت القلادة حول عنقها كما تفعل كل صباح.قبل أن تغادر، ألقت نظرة أخيرة على الظرف.ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها.كان الطريق إلى المدرسة يعج بالحركة.طلاب يتبادلون الأحاديث، وس
الــفـصـل الأول . "البدايات الهادئة قد تخفي أعنف العواصف."لم تكن السماء في ذلك الصباح تمطر، لكنها كانت مغطاة بغيوم رمادية ثقيلة، وكأنها تحمل في جوفها حكاية لم تُروَ بعد.انسابت نسمات الخريف الباردة بين أشجار الطريق المؤدي إلى ثانوية النهضة، فتناثرت الأوراق اليابسة فوق الأرصفة في مشهد بدا هادئًا، إلا أن ذلك الهدوء كان يخفي شيئًا لا يمكن لأحد أن يتوقعه.توقفت سيارة الأجرة أمام البوابة الرئيسية.دفعت ليان الأجرة، ثم نزلت بخطوات هادئة، تعدل حقيبتها فوق كتفها قبل أن ترفع يدها إلى القلادة الفضية المعلقة حول عنقها.لم تكن تلك القلادة زينة.بل كانت آخر ما تبقى لها من والدها.مررت أصابعها عليها برفق، وأغمضت عينيها للحظة.همست بصوت لا يكاد يسمع:"صباح الخير... يا أبي."ثم تابعت سيرها.كانت ليان في الثامنة عشرة من عمرها، صاحبة شعر أسود طويل وعينين بنيتين تميلان إلى السواد، لكن أكثر ما كان يلفت الأنظار فيها هو ذلك الهدوء الغريب الذي يحيط بها، وكأنها تحمل في قلبها عمرًا أطول من سنواتها.لم تكن تعرف والدتها.فقد رحلت بعد أيام قليلة من ولادتها، إثر مضاعفاتٍ صحيةٍ شديدة أصابتها بعد الولادة، ولم يت







