LOGINالـفـصـل الـرابـع
"ليست كل الصور تحفظ الذكريات... بعضها يحفظ الإجابات." …. لم تستطع ليان النوم تلك الليلة. كانت صورة الرجال الأربعة موضوعة أمامها على المكتب، وإلى جانبها المذكرة المفتوحة على الصفحة التي انتهت عندها. أعادت النظر إلى الأسماء المكتوبة خلف الصورة. إبراهيم... سامر... نادر... يوسف. كانت تعرف اسمًا واحدًا فقط. إبراهيم... والدها. أما البقية... فكانوا غرباء، ومع ذلك شعرت أن حياتها أصبحت مرتبطة بهم بطريقة لم تفهمها بعد. تنهدت وهي تقلب الصورة بين يديها. ثم وقعت عيناها على شيء لم تنتبه إليه من قبل. في الزاوية السفلية للصورة... كان هناك تاريخ صغير. 15 / 4 / 2008 عقدت حاجبيها. "قبل ثمانية عشر عامًا..." همست بها، ثم اتسعت عيناها فجأة. كان ذلك العام نفسه الذي وُلدت فيه. هل التُقطت الصورة في العام الذي وُلدت فيه؟ أم أن التاريخ يشير إلى شيء آخر؟ أخرجت هاتفها، وصورت الصورة من الجهتين حتى لا تضيع تفاصيلها. ثم وضعتها بعناية داخل المذكرة. في صباح اليوم التالي... دخلت المدرسة، لكن ذهنها لم يكن حاضرًا في أي درس. كانت تنظر إلى السبورة، بينما كانت أفكارها تدور حول الأسماء الأربعة. لاحظ آدم شرودها. انتظر حتى انتهت الحصة، ثم اقترب منها. قال بصوت هادئ: "أنتِ شاردة منذ الصباح." ابتسمت ابتسامة خفيفة. "أفكر في شيء." لم يسألها مباشرة. بل قال مبتسمًا: "إذا احتجتِ إلى من يسمعك... فأنا أجيد الاستماع أكثر من الكلام." نظرت إليه للحظة. كان صادقًا. لكنها لم تكن مستعدة لأن تخبر أحدًا بما وجدته. فاكتفت بقولها: "شكرًا." في الممر المقابل... كان سليم يغلق خزانته عندما لمح الصورة تخرج قليلًا من دفتر ليان. لم يرَ تفاصيلها... لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهه. الإطار القديم للصورة. تغيرت ملامحه للحظة. ثم عاد هادئًا كعادته. اقترب منه أحد زملائه. "سليم، هل ستأتي إلى التدريب بعد المدرسة؟" أجابه دون أن يرفع عينيه: "ربما... لدي أمر يجب أن أنهيه أولًا." لكن الحقيقة... أنه بدأ يشعر بأن الماضي يتحرك أسرع مما توقع. بعد انتهاء الدوام... قررت ليان ألا تعود إلى المنزل مباشرة. توجهت إلى المكتبة العامة، المكان الذي كان والدها يصطحبها إليه وهي صغيرة. ما إن دخلت حتى استقبلتها رائحة الكتب القديمة. شعرت براحة غريبة. تقدمت نحو مكتب الاستعلامات. كان يجلس خلفه رجل مسن يضع نظارة سميكة. ابتسم لها بلطف. "مرحبًا يا ابنتي، كيف أستطيع مساعدتك؟" ترددت قليلًا، ثم أخرجت الصورة. "هل يمكن أن تنظر إلى هذه؟" تناولها الرجل. وبمجرد أن وقعت عيناه عليها... اختفت ابتسامته. ظل صامتًا لعدة ثوانٍ. ثم رفع رأسه ببطء. "من أين حصلتِ عليها؟" شعرت ليان أن قلبها بدأ يخفق بقوة. "كانت بين أغراض والدي." نظر إليها الرجل طويلًا. ثم أعاد الصورة إليها بحذر. وقال بصوت منخفض: "إبراهيم..." "لم أره منذ سنوات طويلة." ابتلعت ريقها. "إذن... كنت تعرفه؟" أومأ برأسه. "كان من أكثر زوار المكتبة حبًا للقراءة." ثم ابتسم بحنين. "وكان يأتي دائمًا مع ثلاثة أصدقاء." نظرت ليان إلى الصورة بسرعة. "سامر... ونادر... ويوسف؟" تجمد الرجل في مكانه. "إذن... تعرفين أسماءهم أيضًا." هزت رأسها. "وجدتها خلف الصورة." أطرق الرجل رأسه. ثم قال: "كانوا أربعة أصدقاء لا يفترقون." "لكن... في أحد الأيام..." توقف عن الكلام. وكأنه ندم على ما قاله. قالت ليان بسرعة: "ماذا حدث؟" تنهد الرجل. "لا أستطيع أن أقول أكثر من هذا." "لقد وعدت والدك." شعرت بخيبة أمل. لكنها لم تغضب. بل سألت بهدوء: "هل ترك أبي شيئًا هنا؟" نظر الرجل إليها باستغراب. "ولماذا تسألين هذا السؤال؟" أجابت بصراحة: "لأنني بدأت أشعر أن أبي كان يترك لي دلائل في أماكن يعرفها." ابتسم الرجل لأول مرة. ابتسامة صغيرة... وكأنها ذكرته بوالدها. فتح أحد الأدراج القديمة في مكتبه. وبعد لحظات... أخرج بطاقة استعارة كتب قديمة، وقد اصفرّ لونها من الزمن. ناولها إلى ليان. وقالت عيناه قبل لسانه إنها ليست بطاقة عادية. على وجهها الأمامي كان اسم والدها. أما في الخلف... فكانت هناك جملة قصيرة بخط يده: "إذا وصلتِ إلى هنا يا ليان... فأنتِ تسيرين في الطريق الصحيح." حبست ليان أنفاسها. رفعت البطاقة بيد مرتجفة. ثم نظرت إلى الرجل. "هل... تركها من أجلي؟" ابتسم بحزن. وقال: "طلب مني أن أسلمها لك..." "إذا جئتِ يومًا تبحثين عنه." ساد الصمت بينهما. لكن هذه المرة... لم يكن صمتًا مليئًا بالحيرة. بل كان بداية ثقة. شعرت ليان أن والدها، رغم غيابه، ما زال يقودها خطوة بعد أخرى. لكنها لم تكن تعلم... أن شخصًا كان يقف خارج المكتبة، يراقبها من خلف زجاج الباب. ولم يكن ذلك الشخص غريبًا... بل كان سليم. نظر إلى البطاقة التي تحملها في يدها، وأغمض عينيه للحظة. ثم قال بصوت لم يسمعه أحد: "إذن... بدأت الرحلة فعلًا." خرجت ليان من المكتبة وهي ما تزال تمسك بطاقة الاستعارة بين أصابعها، وكأنها تخشى أن تختفي إذا تركتها لحظة. كان الهواء قد أصبح أبرد، والغيوم بدأت تتجمع في السماء، معلنة اقتراب المطر. وقفت عند درجات المكتبة، وأعادت قراءة العبارة المكتوبة بخط والدها. "إذا وصلتِ إلى هنا يا ليان... فأنتِ تسيرين في الطريق الصحيح." ابتسمت بحزن. ثم همست: "إذن... كنت تعرف أنني سأبحث عنك يومًا." وضعت البطاقة داخل المذكرة بعناية، ثم أغلقت حقيبتها. وفي اللحظة التي همّت فيها بالنزول... سمعت صوتًا خلفها. "ليان." التفتت. كان سليم. وقف على بعد خطوات منها، ويداه في جيبي معطفه الأسود. لم تبدُ على وجهه تلك البرودة المعتادة. بل بدا مترددًا. قالت بهدوء: "أكنت تبحث عني؟" صمت لحظة. ثم أجاب: "كنت أريد أن أتأكد أنك بخير." ابتسمت بخفة. "هذا لطف منك." لكنها شعرت أن تلك ليست الإجابة الحقيقية. ظل واقفًا ينظر إليها، ثم قال: "المكتبة... مكان جميل." أومأت برأسها. "كان أبي يحبها." ارتسمت في عيني سليم نظرة خاطفة من الحزن. لم تدم سوى ثانية. لكنه قال بعدها بصوت منخفض: "أعرف." تفاجأت. "كيف تعرف؟" تردد. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة. "كان أستاذي في دورة للقراءة عندما كنت صغيرًا." شعرت ليان بشيء من الارتياح. لأول مرة... وجدت شخصًا يعرف والدها. قالت بحماس لم تستطع إخفاءه: "إذن... هل تعرف أصدقاءه أيضًا؟" اختفت الابتسامة من وجه سليم. نظر بعيدًا، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. ثم قال: "بعض الأسماء..." "منهم سامر؟" رفع رأسه إليها بسرعة. لم يكن يتوقع أن تسمع ذلك الاسم. "من أخبرك به؟" لاحظت ليان تغير ملامحه. فأجابت بحذر: "وجدته مكتوبًا خلف صورة." أطرق سليم رأسه. بدا كأنه يحارب فكرة في داخله. ثم قال بهدوء: "ليان..." "إذا سمعتِ يومًا قصصًا عن والدك..." "فلا تصدقي أول رواية تسمعينها." توقفت عن السير. كانت هذه الجملة... تشبه تمامًا ما كتبه والدها في مذكراته. "لا تحكمي على الناس من أول حقيقة تكتشفينها." نظرت إلى سليم طويلًا. ثم سألت: "لماذا يقول الجميع الشيء نفسه؟" ابتسم بحزن. لكن هذه المرة... لم يجب. عاد كل منهما في طريق مختلف. أما سليم... فلم يتجه إلى منزله. بل سار حتى وصل إلى شارع قديم هادئ، تتوسطه بناية صغيرة مكونة من طابقين. صعد الدرج الخشبي ببطء. ثم طرق باب شقة متواضعة. فتح الباب رجل تجاوز الستين من عمره. كانت ملامحه متعبة، لكن عينيه تحملان وقارًا واضحًا. نظر إلى سليم وقال: "تأخرت." دخل سليم وأغلق الباب خلفه. ثم قال بصوت منخفض: "لقد بدأت تبحث." أغلق الرجل الكتاب الذي كان يقرأه. "كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي." جلس سليم أمامه. ثم أخرج من جيبه صورة قديمة... الصورة نفسها التي وجدتها ليان. لكن هذه النسخة كانت أكبر قليلًا. أشار إلى الرجل الذي يقف بجوار والد ليان. وقال: "هل ما زلت تعتقد أن الوقت لم يحن؟" نظر الرجل إلى الصورة طويلًا. ثم قال بحزم: "لا." "ليس بعد." تنهد سليم. "لكنها تقترب من الحقيقة وحدها." أجابه الرجل: "وهذا ما كان يريده إبراهيم." ساد الصمت. ثم رفع الرجل نظره إلى سليم وقال: "أقسمت له قبل موته..." "أن تبقى ليان بعيدة عن الخطر حتى تصبح قادرة على حماية نفسها." خفض سليم رأسه. همس: "أعرف." ثم أضاف بصوت يكاد لا يسمع: "لكنني لا أعلم إلى متى سنستطيع الوفاء بهذا الوعد." في تلك الأثناء... كانت ليان قد وصلت إلى منزلها. وضعت حقيبتها على الطاولة. وأخرجت البطاقة والمذكرة والصورة. بدأت ترتبها أمامها. ثم أحضرت دفترًا أبيض. وفي الصفحة الأولى كتبت عنوانًا كبيرًا: "كل ما أعرفه حتى الآن." وتحته كتبت: والدي كان يعرف ثلاثة رجال: سامر، نادر، يوسف. البحيرة كانت مهمة بالنسبة إليه. ترك لي أدلة في أكثر من مكان. الجميع يطلب مني ألا أصدق أول حقيقة أسمعها. توقفت قليلًا. ثم أضافت سؤالًا أخيرًا، وأحاطته بدائرة: "لماذا أخفى أبي الحقيقة عني؟" أغلقت الدفتر. ورفعت رأسها نحو صورة والدها المعلقة على الحائط. وقالت بثقة لم تكن تملكها من قبل: "لن أتوقف يا أبي..." "حتى أعرف كل شيء." وفي مكان بعيد... كان شخص مجهول يطوي صحيفة المساء. وفي الصفحة الأخيرة منها... ظهر خبر قديم بعنوان صغير: "إغلاق ملف حادث رجل الأعمال إبراهيم الهاشمي بعد تأكيد وفاته بحادث سير." ابتسم الرجل ابتسامة باردة. ثم قال: "بعض الملفات..." "كان يجب أن تبقى مغلقة."مرّ أسبوع كامل... ولم يحدث شيء غير مألوف. كانت ليان تذهب إلى المدرسة كل صباح، تعود إلى منزلها بعد الظهر، ثم تقضي ساعات طويلة تقرأ مذكرات والدها. لكنها لاحظت أمرًا غريبًا. لم تكن المذكرات مرتبة زمنيًا. فبعض الصفحات تتحدث عن طفولتها... ثم تقفز فجأة إلى أحداث وقعت قبل وفاته بأيام. ثم تعود إلى سنوات أبعد. وكأن والدها تعمد أن يكتبها بهذه الطريقة. في البداية ظنت أنها مجرد فوضى. لكنها أدركت لاحقًا... أن إبراهيم الهاشمي لم يكن رجلًا يترك شيئًا للصدفة. إذن... حتى ترتيب الصفحات يحمل معنى. في صباح يوم الإثنين... دخلت ليان إلى الصف قبل الجميع. جلست قرب النافذة، وأخرجت دفترها الذي كتبت عليه: "كل ما أعرفه حتى الآن." بدأت تضيف ملاحظات جديدة. ثم كتبت في أسفل الصفحة: "ربما لا أحتاج إلى البحث عن الأسرار... بل عن الأشخاص الذين عرفوا أبي." وما إن انتهت من كتابة الجملة... حتى دخلت المعلمة. قالت بابتسامة: "أذكركم أن موعد تسليم مشروع الأدب بعد أسبوع." ثم نظرت إلى الطلاب وأضافت: "وأريد أن يكون البحث قائمًا على مقابلة شخص حقيقي، وليس مجرد معلومات من الإنترنت." رفعت ليان رأسها. مقابلة شخص... فكرت فورًا في الرجل العجوز الذي يعمل في المكتبة. ثم في عم احمد . وربما... هناك أشخاص آخرون. بعد انتهاء الحصة... اقترب آدم منها وهو يحمل دفتراً. قال مبتسمًا: "هل بدأتِ مشروعك؟" أومأت. "إلى حدٍ ما." ضحك. "أما أنا فما زلت لا أعرف عن من سأكتب." تردد قليلًا، ثم قال: "إذا أردتِ... يمكن أن نذهب إلى المكتبة بعد المدرسة. سمعت أن فيها أرشيفًا قديمًا للصحف." توقفت ليان لحظة. كانت في الماضي سترفض فورًا. لكن هذه المرة... كان الاقتراح منطقيًا. وربما يساعدها. ابتسمت ابتسامة صغيرة. "حسنًا." بدت السعادة واضحة على وجه آدم، لكنه أخفاها بسرعة حتى لا يحرجها. "إذن... بعد الدوام." في آخر الممر... كان سليم يراقب المشهد بصمت. اقترب منه أحد أصدقائه وقال مازحًا: "يبدو أن آدم سبقك." نظر إليه سليم باستغراب. "في ماذا؟" ضحك صديقه. "واضح أنه معجب بليان." ابتسم سليم ابتسامة خافتة. "أعرف." ثم أضاف بصوت هادئ: "وأتمنى أن يبقى الأمر بهذه البساطة." لم يفهم صديقه ما قصده. أما سليم... فكان يعرف أن حياة ليان لن تبقى هادئة طويلًا. بعد انتهاء الدوام... خرج آدم وليان معًا للمرة الأولى. لم يكن بينهما حديث كثير. كان كل منهما يمشي بهدوء. وفي منتصف الطريق... قال آدم فجأة: "هل أستطيع أن أسألك شيئًا؟" التفتت إليه. "تفضل." تنهد. "لماذا لا تسمحين لأحد بالاقتراب منك؟" فاجأها السؤال. ظلت صامتة للحظات. ثم قالت وهي تنظر إلى الطريق أمامها: "لأنني فقدت أهم شخص في حياتي." "ومنذ ذلك اليوم..." "أصبحت أخاف من التعلق بأي أحد." لم يجد آدم جوابًا. اكتفى بالسير إلى جانبها. كان يشعر أن الصمت هذه المرة... هو أفضل مواساة يمكن أن يقدمها. وصلا إلى المكتبة. رحب بهما الرجل العجوز بابتسامة دافئة. لكن عندما رأى آدم... تغيرت ملامحه للحظة. نظر إليه طويلًا. ثم قال: "أنت..." استغرب آدم. "هل نعرف بعضنا؟" ابتسم الرجل بسرعة، وكأنه تدارك نفسه. "عذرًا..." "ذكرتني بشخص عرفته منذ سنوات." لكن ليان لم يفتها ذلك التغير. احتفظت بالملاحظة في ذهنها. قادهم الرجل إلى غرفة صغيرة في مؤخرة المكتبة. كانت مليئة بالصحف القديمة والملفات المحفوظة بعناية. قال وهو يشير إلى الرفوف: "هنا أرشيف المدينة منذ أكثر من ثلاثين عامًا." بدأ آدم يقلب بعض الصحف بحماس. أما ليان... فاتجهت نحو قسم يحمل تاريخ العام الذي توفي فيه والدها. أخرجت ملفًا سميكًا. جلست على الطاولة وبدأت تقلب صفحاته. وفجأة... توقفت. كانت هناك صفحة ممزقة. ولم يبقَ منها إلا طرف صغير يحمل عنوانًا ناقصًا. "...حادث سير يودي بحياة..." حبست أنفاسها. قلبت بقية الصحيفة. لكن الصفحة كانت مفقودة بالكامل. رفعت رأسها نحو الرجل العجوز. "عمي..." "هل تعلم أين بقية هذه الصفحة؟" تغير لون وجه الرجل. وبدا عليه الارتباك لأول مرة. أجاب بعد صمت قصير: "الغريب..." "أنها كانت موجودة آخر مرة رأيتها." ساد الصمت. نظر آدم إلى الصحيفة. ثم إلى ليان. وللمرة الأولى... أدرك أن بحثها لم يعد مجرد مشروع مدرسي. بل أصبح رحلة لاكتشاف حقيقة دفنت منذ سنوات.الـفـصـل الـسـادس"ليست كل الوجوه التي تبتسم لك بريئة... وليست كل الوجوه الصامتة تخفي شرًا."….. استيقظت ليان في صباح اليوم التالي وهي تشعر أن النوم لم يزرها إلا لساعات قليلة.كانت صورة الصندوق الخشبي في منزل آدم، ونظرة والده المليئة بالذنب، لا تزالان عالقتين في ذهنها.وقفت أمام المرآة ترتب شعرها، ثم نظرت إلى القلادة الفضية التي لم تفارق عنقها منذ أن أهداها لها والدها.أمسكتها بين أصابعها وهمست:"سأصل إلى الحقيقة... مهما طال الطريق."في المدرسة، كانت الحصص تمر ببطء شديد.لم تستطع التركيز في شرح المعلم، بينما كانت صفحات المذكرة تدور في رأسها.وبعد انتهاء الدوام، استوقفها أمين المكتبة عند الباب.كان يحمل ظرفًا بنيًا صغيرًا.قال بهدوء:"بحثت بعد مغادرتك أمس..."رفعت ليان رأسها بسرعة."...ووجدت شيئًا ظننت أنه قد يفيدك."فتح الظرف بحذر، وأخرج بطاقة قديمة باهتة اللون.كانت بطاقة عضوية لنادٍ ثقافي قديم.في أسفلها اسم واضح:إبراهيم الهاشميلكن ما شد انتباه ليان لم يكن الاسم...بل التوقيع الموجود أسفل البطاقة.توقيع لرجل يدعى:الدكتور فؤاد العابد.سألت باستغراب:"من يكون؟"ابتسم أمين المكتبة.
الـفـصـل الـخـامـس "ليس كل ما يختفي يكون قد ضاع... أحيانًا يخفيه شخص يخشى أن يراه غيره."….. خرجت ليان وآدم من غرفة الأرشيف ببطء، بينما ظل أمين المكتبة واقفًا أمام الرفوف القديمة، ينظر إلى الفراغ الذي تركته الصحيفة الناقصة.ساد صمت ثقيل.كانت ليان لا تزال تنظر إلى الملف المفتوح بين يديها.قالت بصوت خافت:"إذا كانت الصفحة قد اختفت فعلًا... فهذا يعني أن أحدًا دخل إلى هنا."أجاب أمين المكتبة وهو يزفر ببطء:"هذا الأرشيف لا يدخله إلا عدد قليل جدًا من الناس."رفعت ليان رأسها."هل تحتفظون بسجل للزوار؟"نظر إليها الرجل بإعجاب خفي.كانت هذه أول مرة لا تكتفي بطرح الأسئلة، بل بدأت تربط الأحداث بنفسها.أومأ برأسه."نعم... لكن ليس كل من يدخل يكتب اسمه."تبادل آدم وليان نظرة سريعة.كان واضحًا أن البحث لن يكون سهلًا.أعاد أمين المكتبة الملفات إلى أماكنها، ثم توقف أمام رف قديم.أخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا، تراكم عليه الغبار.مسح الغبار عنه بكفه، وقال:"هذا الصندوق يعود إلى إبراهيم الهاشمي."اتسعت عينا ليان."أبي؟"ابتسم الرجل ابتسامة حزينة."كان يودع عندي أحيانًا بعض الأوراق التي يخشى ضياعها."ارتجف
الـفـصـل الـرابـع "ليست كل الصور تحفظ الذكريات... بعضها يحفظ الإجابات."…. لم تستطع ليان النوم تلك الليلة.كانت صورة الرجال الأربعة موضوعة أمامها على المكتب، وإلى جانبها المذكرة المفتوحة على الصفحة التي انتهت عندها.أعادت النظر إلى الأسماء المكتوبة خلف الصورة.إبراهيم... سامر... نادر... يوسف.كانت تعرف اسمًا واحدًا فقط.إبراهيم...والدها.أما البقية...فكانوا غرباء، ومع ذلك شعرت أن حياتها أصبحت مرتبطة بهم بطريقة لم تفهمها بعد.تنهدت وهي تقلب الصورة بين يديها.ثم وقعت عيناها على شيء لم تنتبه إليه من قبل.في الزاوية السفلية للصورة...كان هناك تاريخ صغير.15 / 4 / 2008عقدت حاجبيها."قبل ثمانية عشر عامًا..."همست بها، ثم اتسعت عيناها فجأة.كان ذلك العام نفسه الذي وُلدت فيه.هل التُقطت الصورة في العام الذي وُلدت فيه؟أم أن التاريخ يشير إلى شيء آخر؟أخرجت هاتفها، وصورت الصورة من الجهتين حتى لا تضيع تفاصيلها.ثم وضعتها بعناية داخل المذكرة.في صباح اليوم التالي...دخلت المدرسة، لكن ذهنها لم يكن حاضرًا في أي درس.كانت تنظر إلى السبورة، بينما كانت أفكارها تدور حول الأسماء الأربعة.لاحظ آدم ش
الـفـصـل الـثـالـث "ليست كل الآثار تمحوها السنوات... فبعضها يبقى مختبئًا، ينتظر الشخص المناسب ليجدهوقفت ليان أمام جذع الشجرة، بينما بقيت أناملها تتحسس الاسم المحفور عليها."ليان."كان الخط مألوفًا...لقد رأت هذا الخط مئات المرات في دفاتر والدها.لم يكن هناك شك.هو من كتب اسمها.لكن...لماذا؟ولماذا يشير السهم إلى أسفل الجذع؟انحنت قليلًا، وأزاحت بعض الأوراق اليابسة المتراكمة حول الشجرة.لم تجد شيئًا.بحثت مرة أخرى.ثم ركعت على ركبتيها، وأخذت تبعد التراب بيديها برفق.لم تكن تحفر...بل كانت تتبع إحساسًا غريبًا يخبرها أن والدها لم يترك ذلك السهم عبثًا.بعد دقائق...اصطدمت أصابعها بشيء صلب.توقفت.أبعدت بقية التراب بحذر.ظهر طرف علبة معدنية صغيرة، صدئة قليلًا بفعل الرطوبة.اتسعت عيناها.أخرجتها ببطء.كانت بحجم كف اليد تقريبًا.غطاها الصدأ، لكن قفلها ما زال سليمًا.حاولت فتحه.لم تستطع.ابتسمت بحزن."حتى الآن... ما زلت تضع لي الألغاز يا أبي."وضعت العلبة داخل حقيبتها، ثم أعادت التراب كما كان.لم تكن تريد أن يلاحظ أحد أن شيئًا كان مدفونًا هناك.وقفت، ونفضت الغبار عن يديها.وقبل أن تغادر..
الـفـصـل الـثـانـي"أصعب الرسائل ليست تلك التي نخشى قراءتها... بل تلك التي نخشى أن تغيّر حياتنا."لم تنم ليان تلك الليلة إلا مع اقتراب الفجر.كان الظرف البني لا يزال فوق مكتبها، كما تركته قبل ساعات.كلما همّت بفتحه، تراجعت.وكلما قررت أن تؤجله، عاد فضولها يدفعها نحوه من جديد.جلست على حافة سريرها تحدق إليه بصمت.كيف يمكن لورقة صغيرة أن تصبح أثقل من جبل؟مدّت يدها إليه، ثم سحبتها مرة أخرى.ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت لنفسها:"لو كان أبي يريدني أن أقرأها فورًا... لما كتب: عندما تشعرين أن الوقت قد حان."أطفأت المصباح.وتركت الظرف مكانه.في صباح اليوم التالي...استيقظت على صوت العصافير التي اعتادت أن تحط على شجرة الرمان أمام نافذتها.فتحت الستائر، فتسللت أشعة الشمس إلى الغرفة، لتنعكس على إطار صورة والدها.اقتربت منها.عدّلتها قليلًا، ثم قالت بابتسامة هادئة:"صباح الخير... أرجو أن يكون قراري صحيحًا."ارتدت زي المدرسة، وعلّقت القلادة حول عنقها كما تفعل كل صباح.قبل أن تغادر، ألقت نظرة أخيرة على الظرف.ثم خرجت، وأغلقت الباب خلفها.كان الطريق إلى المدرسة يعج بالحركة.طلاب يتبادلون الأحاديث، وس
الــفـصـل الأول . "البدايات الهادئة قد تخفي أعنف العواصف."لم تكن السماء في ذلك الصباح تمطر، لكنها كانت مغطاة بغيوم رمادية ثقيلة، وكأنها تحمل في جوفها حكاية لم تُروَ بعد.انسابت نسمات الخريف الباردة بين أشجار الطريق المؤدي إلى ثانوية النهضة، فتناثرت الأوراق اليابسة فوق الأرصفة في مشهد بدا هادئًا، إلا أن ذلك الهدوء كان يخفي شيئًا لا يمكن لأحد أن يتوقعه.توقفت سيارة الأجرة أمام البوابة الرئيسية.دفعت ليان الأجرة، ثم نزلت بخطوات هادئة، تعدل حقيبتها فوق كتفها قبل أن ترفع يدها إلى القلادة الفضية المعلقة حول عنقها.لم تكن تلك القلادة زينة.بل كانت آخر ما تبقى لها من والدها.مررت أصابعها عليها برفق، وأغمضت عينيها للحظة.همست بصوت لا يكاد يسمع:"صباح الخير... يا أبي."ثم تابعت سيرها.كانت ليان في الثامنة عشرة من عمرها، صاحبة شعر أسود طويل وعينين بنيتين تميلان إلى السواد، لكن أكثر ما كان يلفت الأنظار فيها هو ذلك الهدوء الغريب الذي يحيط بها، وكأنها تحمل في قلبها عمرًا أطول من سنواتها.لم تكن تعرف والدتها.فقد رحلت بعد أيام قليلة من ولادتها، إثر مضاعفاتٍ صحيةٍ شديدة أصابتها بعد الولادة، ولم يت







