LOGIN{شيءٌ لم يعد بإمكانها تجاهله}
بعد أن عادو إلى القصر، دخلا من الباب الرئيسي، وكان المكان هادئًا كالمعتاد. بدأ لوكا بالصعود على الدرج، بينما كانت سولي خلفه بخطوات بطيئة. كانت تحاول إخفاء تعبها. لكن بعد عدة درجات... توقفت. شعرت فجأة بأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها. رفعت يدها إلى الدرابزين. ما الذي يحدث؟ بدأت الرؤية أمامها تصبح ضبابية، وكأن كل شيء من حولها يبتعد. — لوكا... استدار فورًا. — ماذا؟ لم تستطع الإجابة. ترنحت قدمها. وفي اللحظة التالية فقدت توازنها. — سولي! أمسك لوكا بها قبل أن تسقط. نظر إلى وجهها بقلق. كان شاحبًا بشكل واضح، وعيناها نصف مغمضتين. — سولي، انظري إليّ. حاولت فتح عينيها. لكن رأسها كان يدور. لفت ذراعيها حول رقبته بشكل غريزي عندما شعرت أنها لن تستطيع الوقوف. — أنا... بخير... قالت بصوت ضعيف. لكنها لم تكن بخير. ثقلت جفونها أكثر، وقبل أن يستطيع لوكا أن يسألها شيئًا، فقدت وعيها للحظات. تغير وجهه فورًا. حملها بين ذراعيه وصعد بها إلى الغرفة. وضعها على السرير بحذر، ثم جلس إلى جانبها. — سولي. لم تجبه. نهض بسرعة وكأنه سيطلب الطبيب، لكنه توقف عندما تحركت قليلًا. فتحت عينيها ببطء. وسعلت عدة مرات. اقترب لوكا منها فورًا. — خذي نفسًا ببطء. أحضر كوب الماء وساعدها على الشرب. أخذت رشفة صغيرة، ثم أعاد الكوب إلى الطاولة. — شكرًا... نظر إليها بجدية. — ماذا حدث؟ خفضت عينيها. — لا أعرف. — هل يحدث هذا معك كثيرًا؟ ترددت. — أحيانًا... أشعر بالتعب فقط. — هذا لم يكن مجرد تعب. صمتت. ثم قالت بابتسامة صغيرة تحاول طمأنته: — ربما لأنني لم أنم جيدًا. ظل ينظر إليها. لم يقتنع. — ارتاحي. — لوكا... — لا تناقشيني. كانت نبرته حازمة، لكنها لم تكن قاسية. ثم خرج من الغرفة. --- وقف لوكا في الممر. مرر يده على شعره، ثم أخذ نفسًا عميقًا. كان هناك شيء لا يفهمه. سولي تتعب بسرعة. تتناول دواءً لا يعرف شيئًا عنه. تنام فجأة. والآن فقدت توازنها أمامه. وفوق ذلك... كان جده يطلب منها أن تبتعد عنه. لماذا؟ اتجه نحو مكتب فيتوريو. لكن قبل أن يصل، سمع صوتًا خلفه. — لوكا. التفت. كان لورنزو. — جدي أرسلني إليك. — ماذا يريد؟ — قال إن لديك مهمة، ويريدني أن أذهب معك. نظر لوكا إليه. — الآن؟ — نعم. صمت لوكا للحظة. ثم أومأ. — حسنًا. سارا معًا. قال لورنزو: — هل أخبرك بالتفاصيل؟ — لا. — المهمة تتعلق برجل يعمل ضد العائلة. ثم أضاف: — جدي يريد أن تنهي المشكلة. تغيرت ملامح لوكا قليلًا. — فهمت. لم يكن بحاجة إلى تفاصيل أكثر في تلك اللحظة. بالنسبة لعائلة فيتالي، كانت بعض المهام لا تحتاج إلى شرح طويل. --- في الغرفة... كانت سولي مستلقية على السرير. بعد أن هدأت قليلًا، حاولت تحريك قدميها. وفجأة شعرت بألم خفيف. قطبت حاجبيها. جلست ببطء، ثم نظرت إلى ساقيها. توقفت. كان هناك تورم واضح حول كاحليها. حدقت بهما بدهشة. — ماذا...؟ لم تفهم. لم تكن قد تعرضت لإصابة. ولم تتذكر أنها فعلت شيئًا يفسر ذلك. نظرت نحو حقيبتها. ثم أخرجت علبة الدواء. قلبتها بين يديها. — لكنني آخذ دوائي... جلست بصمت. حاولت إقناع نفسها بأنه مجرد إرهاق. ربما بسبب الإرهاق. ربما بسبب العمل. ربما لأنها لم تأكل جيدًا. لكن في أعماقها... كان هناك خوف صغير بدأ يكبر. فهي تعرف جسدها. وتعرف أن التعب هذه المرة لم يكن كالمعتاد. وضعت يدها فوق صدرها. كان قلبها يخفق بسرعة. أغمضت عينيها. — ليس الآن... همست بها وكأنها تحاول طرد الفكرة من رأسها. لكنها لم تستطع. ولأول مرة منذ فترة طويلة، خطر لها سؤال أخافها أكثر من أي شيء آخر: ماذا لو أن الدواء لم يعد كافيًا؟ وفي مكان آخر من القصر... كان لوكا يستعد لمهمته مع لورنزو، دون أن يعرف أن سولي بدأت تواجه الحقيقة التي كانت تخفيها عن الجميع. حقيقة ستغير كل شيء بينهما.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا