Masuk[ بين الحب والرحيل]
بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر، وترسم ضوءًا خافتًا على الغرفة. لم تلتفت إليه. أغلق لوكا الباب خلفه. وتوقف بعيدًا عنها. — سولي... في اللحظة التي سمعت فيها صوته... أبعدت نظرها عنه فورًا. تألمت ملامحه، لكنه لم يحاول الاقتراب. ظل واقفًا في مكانه. — كيف تشعرين؟ ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح. ثم بقيت تنظر إلى النافذة. — كيف أشعر؟ سكتت قليلًا. ثم التفتت إليه، وكانت عيناها حمراوين من البكاء. — تسألني كيف أشعر بعد أن عرفت أن عائلتك قتلت عائلتي؟ خفض لوكا رأسه. كانت الكلمات ثقيلة. ومع ذلك لم يحاول الهرب منها. — لم أكن أعلم. — لكنك علمت الآن. رفع عينيه إليها. — نعم. — وعندما علمت... هل فكرت في إخباري؟ صمت. وكان صمته وحده كافيًا ليجيبها. ابتسمت سولي بحزن. — كنت ستتركني أعيش معكم وأنا لا أعلم أن جدك هو من دمّر حياتي؟ — كنت أبحث عن طريقة أحميكِ بها. هزّت رأسها. — لا تقل إنك كنت تحميني. ارتجف صوتها. — أنتم جميعًا تقولون ذلك بعد أن تخفوا الحقيقة. مورفون كان يحميني، ووالدك كان يحميني، وأنت كنت تحميني... وضعت يدها فوق الغطاء، محاولة السيطرة على ارتجاف أصابعها. — لكنني كنت أعيش وسط الكذبة نفسها. اقترب لوكا خطوة. ثم توقف فورًا عندما رأى الخوف في عينيها. — سولي، أنا لم أشارك في ذلك. — لكنك ابن الرجل الذي شارك. — وأنا لست هو. نظرت إليه طويلًا. — لكنك تحمل اسمه. سكت. — وتحمل أسراره. خفض لوكا عينيه. — وتحمل كل ما تركه خلفه. لم يجد ما يرد به. كانت الحقيقة أقسى من أي دفاع يمكن أن يقوله. وضعت سولي يدها على صدرها، وأخذت نفسًا بطيئًا. — أريد أن أرحل. تجمّد لوكا. — سولي... — لا أستطيع النظر إليك الآن دون أن أتذكر كل شيء. أغمضت عينيها. وانهمرت دمعة على خدها. كان لوكا يراقبها بصمت، وكأن كل كلمة منها تنتزع شيئًا منه. قال بصوت منخفض: — أنا أحبكِ. أغمضت سولي عينيها أكثر. خرجت منها ضحكة صغيرة مكسورة. — وأنا أحببتك. توقف لوكا عند صيغة الماضي. — أحببتني؟ لم تجبه فورًا. مسحت دموعها ببطء. — لا تجعل الأمر أصعب. — لكنه ليس ماضيًا بالنسبة إليّ. رفعت عينيها إليه. — بالنسبة إليك ربما لا. ثم تنفست بصعوبة. — لكن بالنسبة إليّ، تغيّر كل شيء. اقترب لوكا خطوة، لكنه بقي في مكانه. — أنا لم أكذب عليكِ بشأن مشاعري. — أعلم. — ولم أؤذكِ. سكتت. ثم قالت: — أعلم ذلك أيضًا. نظر إليها بحيرة. — إذًا لماذا؟ أخفضت سولي عينيها. — لأن الحب لا يمحو الدم. ساد الصمت. — ولا يعيد والديّ. كانت كلماتها تخرج بصعوبة. — ولا يجعلني أنسى أنني كنت أعيش بين الأشخاص الذين أخفوا عني الحقيقة. اقترب لوكا أكثر قليلًا. — سأكشف كل شيء. رفعت سولي يدها، وكأنها تطلب منه التوقف. — افعل ذلك من أجلك. ثم نظرت إليه. — لا من أجلي. سكت لوكا. — لأنني لا أستطيع أن أبقى هنا. كان صوته هذه المرة مكسورًا: — سولي... — لا. هزّت رأسها. — أرجوك، لا تحاول إقناعي. — أنا فقط أريد أن أفهم. — لقد تعبت من محاولة فهم كل شيء. نظرت إلى النافذة مجددًا. — منذ دخلت هذا البيت وأنا أتعلم كيف أتحمل. ثم ابتسمت بحزن. — والآن عرفت أن البيت نفسه كان يخفي عني السبب الحقيقي لكل شيء. سكت لوكا طويلًا. ثم قال: — هل هذا كل ما في الأمر؟ التفتت إليه. لم تفهم سؤاله. فأكمل: — هل لم تعودي تحبينني؟ ارتجفت عيناها. لم تستطع الإجابة بسرعة. ثم همست: — لو أنني لم أحبك... لكان الرحيل أسهل. تجمّد لوكا. بدت الجملة وكأنها اعتراف أكثر ألمًا من أي رفض. خفضت سولي رأسها. — وهذا هو الشيء الذي يجعلني أتألم أكثر. سكت لوكا. ثم قالت: — لا أستطيع أن أحبك وأنا أحاول أن أنسى كل ما حدث. أخذ لوكا نفسًا عميقًا. — ماذا تريدين مني؟ نظرت إليه مباشرة. كانت الدموع تملأ عينيها. — أريد الطلاق. شعر لوكا وكأن الغرفة أصبحت أضيق فجأة. لم يقل شيئًا. فقط حدّق فيها. أكملت سولي بصوت متعب: — لا أريد أن أكون زوجتك بعد الآن. خرج صوته مكسورًا: — هل هذا يعني أنكِ ستطلّقينني؟ أومأت ببطء. — نعم. ساد الصمت بينهما. طويلًا. ثقيلًا. حتى صوت الأجهزة بدا أوضح من أنفاسهما. ثم قالت سولي: — وسأعود إلى بيت جدتي. رفع لوكا رأسه. — لا. نظرت إليه. — لا تمنعني. — لن أمنعكِ من الذهاب إلى جدتكِ. ثم أضاف بعد لحظة: — لكن لا تطلبي مني أن أعتبر أن ما بيننا انتهى بهذه السهولة. هزّت رأسها. — لم أقل إن الأمر سهل. — إذًا لا تطلبي الطلاق الآن. أغمضت سولي عينيها. — لا أستطيع الاستمرار. — امنحيني وقتًا. — لوكا... — وقتًا فقط. كانت عيناه ممتلئتين بالألم. — وسأحترم قرارك مهما كان. ثم قال بهدوء: — لكن دعيني أحاول أن أصلح شيئًا واحدًا على الأقل. نظرت إليه. — ماذا؟ — الحقيقة. سكتت. — سأواجه مورفون. — لا أريد أن أكون سببًا في حرب جديدة داخل عائلتك. — لستِ السبب. ثم نظر إليها بثبات. — السبب هو ما فعله. لم تجبه. أما هو فتراجع خطوة نحو الباب. — سأتركك ترتاحين. وقبل أن يخرج، التفت إليها. — لكنني سأبقى هنا. قالت سولي بسرعة: — لا أريدك أن تبقى. توقّف. ثم أومأ ببطء. — حسنًا. فتح الباب. وقبل أن يخرج، سمع صوتها خلفه. — لوكا... التفت. كانت تنظر إلى النافذة، ولم تنظر إليه. — أنا آسفة. ظل ينظر إليها لثوانٍ. ثم قال: — وأنا آسف لأنكِ اضطررتِ إلى الوصول إلى هذا القرار حتى تشعري أن لديكِ طريقًا للخروج. خرج. أُغلق الباب. وبقيت سولي وحدها. حاولت أن تتمالك نفسها. لكن ما إن ابتعدت خطواته عن الغرفة... انهارت دموعها من جديد. وضعت يدها على فمها حتى لا يصل صوت بكائها إلى الخارج. كانت تريد أن تكرهه. كانت تريد أن تخرج من هذا المكان دون أن تلتفت خلفها. لكن قلبها... كان لا يزال يحب الرجل الذي خرج للتو من الباب. وهذا بالضبط... كان أكثر ما يؤلمها. أما في الممر، فوقف لوكا وحده. وضع يده على مقبض الباب للحظات. لكنه لم يعد إلى الداخل. فقط أغمض عينيه. ثم همس: — حتى لو طلبتِ مني أن أترككِ... وأخذ نفسًا طويلًا. — سأحترم قراركِ. ثم فتح عينيه. — لكنني لن أتوقف عن محاولة إصلاح الحقيقة التي دمّرت حياتكِ. ----- في الممر، كانت كارلي تنتظره. ما إن رأته حتى فهمت أن الحديث لم يكن كما كانت تتمنى. اقتربت منه بهدوء. — ماذا قالت لك؟ لم يجب فورًا. ظلّ ينظر إلى باب الغرفة. — طلبت الطلاق. توقفت كارلي في مكانها. — ماذا؟ أعادها بصوت أهدأ: — سولي تريد الطلاق. وضعت كارلي يدها على فمها للحظة. ثم اقتربت منه. — وماذا قلت لها؟ — قلت إنني سأحترم قرارها. نظرت إليه بدهشة. — فقط؟ ابتسم لوكا ابتسامة حزينة. — ماذا كنتِ تريدينني أن أفعل؟ ثم خفض صوته. — هي خرجت من عملية قلب، وكأنها استيقظت لتجد حياتها كلها قد انقلبت فوق رأسها. سكتت كارلي. ثم وضعت يدها على كتفه. — تعال معي إلى القصر. نظر إليها. — لا أريد أن أتركها. — أنت لا تتركها. جدتها معها، والأطباء معها. ثم شدّت على كتفه بلطف. — وأنت تحتاج إلى الراحة. منذ الأمس وأنت لم تنم إلا قليلًا. صمت لوكا. نظر إلى باب سولي مرة أخيرة. كان جزء منه يريد العودة إليها فورًا. لكن جسده لم يعد يحتمل. تنهد. — حسنًا. ابتسمت كارلي بخفة. — هيا. سار لوكا معها ببطء عبر الممر. كان يبتعد عن سولي جسديًا... لكن أفكاره بقيت عندها. وبعد أن غادرا... عادت جدّة سولي إلى الغرفة. وجدتها ما تزال مستيقظة، ووجهها مبلل بالدموع. اقتربت منها بسرعة. — يا روحي... رفعت سولي عينيها إليها. — جدتي... جلست الجدة إلى جانبها، وأمسكت يدها. — هل تأخر عليكِ. ابتسمت سولي بحزن. — أنا بخير. نظرت إليها الجدة طويلًا. كانت تعرف أنها ليست بخير. ثم سألتها بهدوء: — سولي... أنتِ متأكدة أنكِ تريدين طلب الطلاق؟ أخفضت سولي عينيها. — لا يوجد سبب يجعلني لا أطلّق. تنهدت الجدة. — هناك سبب واحد على الأقل. رفعت سولي عينيها. — ما هو؟ قالت الجدة: — لأنه وقف عند باب غرفة عمليتكِ وكأنه رجل فقد الدنيا كلها. سكتت سولي. — وكان أكثر شخص خائفًا عليكِ. ارتجفت شفتاها. — جدتي... — لا، اسمعيني. شدت الجدة على يدها. — منذ أن وصلت وأنا أرى بعيني كيف كانت حاله. مسحت دمعة من خدها. — كان واقفًا ساعات طويلة، لا يأكل، ولا ينام، ولا يتحرك من مكانه. حدقت سولي في الأرض. — كان من الممكن أن ينهار... ثم أكملت الجدة: — وعندما علم أن حالتكِ ساءت، كان أول من طلب من الأطباء مساعدتكِ. رفعت سولي عينيها ببطء. — هو... توقفت. — هو الذي وجد لي القلب. أومأت الجدة. — نعم. صمتت سولي تمامًا. تابعت الجدة: — قالوا إن العثور على متبرع كان أمرًا عاجلًا، وكان مارك هو الذي أحضر القلب، لكن لوكا لم يغادر المستشفى أصلًا. أغمضت سولي عينيها. — لماذا لم يخبرني؟ ابتسمت جدتها بحزن. — لأنك كنتِ فاقدة الوعي. ثم وضعت يدها على شعرها. — وكان همه الوحيد أن تعيشي. بدأت دموع سولي تتجمع في عينيها. — لا تقولي لي هذا... — ولماذا؟ — لأنني أحاول أن أكرهه. خرجت الجملة منها مكسورة. حدقت بها الجدة بحنان. — وهل تستطيعين؟ لم تجب. كانت الإجابة واضحة. اقتربت الجدة أكثر. — أنا لا أقول لكِ ابقي معه. سكتت سولي. — ولا أقول لكِ انسِي ما حدث. ثم قالت بهدوء: — لكن لا تتخذي قرارًا وأنتِ في أسوأ لحظة في حياتكِ. نظرت سولي إليها. — لا أعرف ماذا أفعل. احتضنتها جدتها بحذر. — وهذا طبيعي. بكت سولي بصمت بين ذراعيها. — أنا أحبه يا جدتي... أغمضت الجدة عينيها. — أعرف. — لكنني لا أستطيع أن أتجاوز كل هذا. — أعرف. ثم رفعت وجهها برفق. — لذلك خذي وقتك. وضعت سولي رأسها على كتف جدتها. ولأول مرة منذ استيقاظها... لم تحاول اتخاذ قرار جديد. فقط بكت. في المساء... وصل لوكا إلى قصر فيتالي برفقة كارلي. نزل من السيارة ببطء. كان التعب واضحًا على وجهه. دخل القصر. كانت الأجواء مختلفة عن المستشفى. هادئة. فخمة. لكنها بدت له باردة على نحو غير معتاد. اتخذ خطوات قليلة إلى الداخل. ثم توقّف. كانت لورا واقفة عند نهاية الممر. رفعت عينيها عندما رأته. كانت تراقبه من بعيد. لم تقل شيئًا. ولم يتكلم هو أيضًا. مرت بينهما ثوانٍ طويلة. كانت لورا تنظر إلى وجهه المتعب، وشعره غير المرتب، وملامحه التي فقدت كل أثر للقوة المعتادة. فهمت من هيئته أن شيئًا كبيرًا حدث. لكنها لم تسأل. أما لوكا... فلم يمنحها سوى نظرة قصيرة. ثم تابع السير. مرّ بجانبها من دون كلمة. وقفت لورا مكانها. تابعته بعينيها حتى ابتعد. كان هناك شيء في نظرتها هذه المرة مختلف. لم تكن نظرة غيرة فحسب. بل نظرة شخص بدأ يدرك أن الأمور خرجت من يده تمامًا. شدت أصابعها ببطء. ثم نظرت إلى الاتجاه الذي اختفى فيه لوكا. — ما الذي حدث بينكما...؟ لكن لم يكن هناك من يجيبها. أما لوكا... فدخل القصر وهو يحمل في صدره سؤالًا واحدًا فقط: هل يمكنه أن يخسر سولي رغم أنه وجدها أخيرًا؟🥹❤️🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة! [اتمنى سماع ارائكم كي أشعر أنه هناك حقاً من يقرأ روايتي وليس كأني اكتبها دون أن يقرئها أحد ،أردت فقط أخبركم أنها من الرويات القريبة إلي قلبي لذالك أحببت أن انقشها معكم، وشكراً لكل من سايعطين رئيه.]❤️?
[عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا
[ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن
[ هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ] كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فق
[ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام
[من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ







