ログイン[ بين الحب والرحيل]
بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر، وترسم ضوءًا خافتًا على الغرفة. لم تلتفت إليه. أغلق لوكا الباب خلفه. وتوقف بعيدًا عنها. — سولي... في اللحظة التي سمعت فيها صوته... أبعدت نظرها عنه فورًا. تألمت ملامحه، لكنه لم يحاول الاقتراب. ظل واقفًا في مكانه. — كيف تشعرين؟ ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح. ثم بقيت تنظر إلى النافذة. — كيف أشعر؟ سكتت قليلًا. ثم التفتت إليه، وكانت عيناها حمراوين من البكاء. — تسألني كيف أشعر بعد أن عرفت أن عائلتك قتلت عائلتي؟ خفض لوكا رأسه. كانت الكلمات ثقيلة. ومع ذلك لم يحاول الهرب منها. — لم أكن أعلم. — لكنك علمت الآن. رفع عينيه إليها. — نعم. — وعندما علمت... هل فكرت في إخباري؟ صمت. وكان صمته وحده كافيًا ليجيبها. ابتسمت سولي بحزن. — كنت ستتركني أعيش معكم وأنا لا أعلم أن جدك هو من دمّر حياتي؟ — كنت أبحث عن طريقة أحميكِ بها. هزّت رأسها. — لا تقل إنك كنت تحميني. ارتجف صوتها. — أنتم جميعًا تقولون ذلك بعد أن تخفوا الحقيقة. مورفون كان يحميني، ووالدك كان يحميني، وأنت كنت تحميني... وضعت يدها فوق الغطاء، محاولة السيطرة على ارتجاف أصابعها. — لكنني كنت أعيش وسط الكذبة نفسها. اقترب لوكا خطوة. ثم توقف فورًا عندما رأى الخوف في عينيها. — سولي، أنا لم أشارك في ذلك. — لكنك ابن الرجل الذي شارك. — وأنا لست هو. نظرت إليه طويلًا. — لكنك تحمل اسمه. سكت. — وتحمل أسراره. خفض لوكا عينيه. — وتحمل كل ما تركه خلفه. لم يجد ما يرد به. كانت الحقيقة أقسى من أي دفاع يمكن أن يقوله. وضعت سولي يدها على صدرها، وأخذت نفسًا بطيئًا. — أريد أن أرحل. تجمّد لوكا. — سولي... — لا أستطيع النظر إليك الآن دون أن أتذكر كل شيء. أغمضت عينيها. وانهمرت دمعة على خدها. كان لوكا يراقبها بصمت، وكأن كل كلمة منها تنتزع شيئًا منه. قال بصوت منخفض: — أنا أحبكِ. أغمضت سولي عينيها أكثر. خرجت منها ضحكة صغيرة مكسورة. — وأنا أحببتك. توقف لوكا عند صيغة الماضي. — أحببتني؟ لم تجبه فورًا. مسحت دموعها ببطء. — لا تجعل الأمر أصعب. — لكنه ليس ماضيًا بالنسبة إليّ. رفعت عينيها إليه. — بالنسبة إليك ربما لا. ثم تنفست بصعوبة. — لكن بالنسبة إليّ، تغيّر كل شيء. اقترب لوكا خطوة، لكنه بقي في مكانه. — أنا لم أكذب عليكِ بشأن مشاعري. — أعلم. — ولم أؤذكِ. سكتت. ثم قالت: — أعلم ذلك أيضًا. نظر إليها بحيرة. — إذًا لماذا؟ أخفضت سولي عينيها. — لأن الحب لا يمحو الدم. ساد الصمت. — ولا يعيد والديّ. كانت كلماتها تخرج بصعوبة. — ولا يجعلني أنسى أنني كنت أعيش بين الأشخاص الذين أخفوا عني الحقيقة. اقترب لوكا أكثر قليلًا. — سأكشف كل شيء. رفعت سولي يدها، وكأنها تطلب منه التوقف. — افعل ذلك من أجلك. ثم نظرت إليه. — لا من أجلي. سكت لوكا. — لأنني لا أستطيع أن أبقى هنا. كان صوته هذه المرة مكسورًا: — سولي... — لا. هزّت رأسها. — أرجوك، لا تحاول إقناعي. — أنا فقط أريد أن أفهم. — لقد تعبت من محاولة فهم كل شيء. نظرت إلى النافذة مجددًا. — منذ دخلت هذا البيت وأنا أتعلم كيف أتحمل. ثم ابتسمت بحزن. — والآن عرفت أن البيت نفسه كان يخفي عني السبب الحقيقي لكل شيء. سكت لوكا طويلًا. ثم قال: — هل هذا كل ما في الأمر؟ التفتت إليه. لم تفهم سؤاله. فأكمل: — هل لم تعودي تحبينني؟ ارتجفت عيناها. لم تستطع الإجابة بسرعة. ثم همست: — لو أنني لم أحبك... لكان الرحيل أسهل. تجمّد لوكا. بدت الجملة وكأنها اعتراف أكثر ألمًا من أي رفض. خفضت سولي رأسها. — وهذا هو الشيء الذي يجعلني أتألم أكثر. سكت لوكا. ثم قالت: — لا أستطيع أن أحبك وأنا أحاول أن أنسى كل ما حدث. أخذ لوكا نفسًا عميقًا. — ماذا تريدين مني؟ نظرت إليه مباشرة. كانت الدموع تملأ عينيها. — أريد الطلاق. شعر لوكا وكأن الغرفة أصبحت أضيق فجأة. لم يقل شيئًا. فقط حدّق فيها. أكملت سولي بصوت متعب: — لا أريد أن أكون زوجتك بعد الآن. خرج صوته مكسورًا: — هل هذا يعني أنكِ ستطلّقينني؟ أومأت ببطء. — نعم. ساد الصمت بينهما. طويلًا. ثقيلًا. حتى صوت الأجهزة بدا أوضح من أنفاسهما. ثم قالت سولي: — وسأعود إلى بيت جدتي. رفع لوكا رأسه. — لا. نظرت إليه. — لا تمنعني. — لن أمنعكِ من الذهاب إلى جدتكِ. ثم أضاف بعد لحظة: — لكن لا تطلبي مني أن أعتبر أن ما بيننا انتهى بهذه السهولة. هزّت رأسها. — لم أقل إن الأمر سهل. — إذًا لا تطلبي الطلاق الآن. أغمضت سولي عينيها. — لا أستطيع الاستمرار. — امنحيني وقتًا. — لوكا... — وقتًا فقط. كانت عيناه ممتلئتين بالألم. — وسأحترم قرارك مهما كان. ثم قال بهدوء: — لكن دعيني أحاول أن أصلح شيئًا واحدًا على الأقل. نظرت إليه. — ماذا؟ — الحقيقة. سكتت. — سأواجه مورفون. — لا أريد أن أكون سببًا في حرب جديدة داخل عائلتك. — لستِ السبب. ثم نظر إليها بثبات. — السبب هو ما فعله. لم تجبه. أما هو فتراجع خطوة نحو الباب. — سأتركك ترتاحين. وقبل أن يخرج، التفت إليها. — لكنني سأبقى هنا. قالت سولي بسرعة: — لا أريدك أن تبقى. توقّف. ثم أومأ ببطء. — حسنًا. فتح الباب. وقبل أن يخرج، سمع صوتها خلفه. — لوكا... التفت. كانت تنظر إلى النافذة، ولم تنظر إليه. — أنا آسفة. ظل ينظر إليها لثوانٍ. ثم قال: — وأنا آسف لأنكِ اضطررتِ إلى الوصول إلى هذا القرار حتى تشعري أن لديكِ طريقًا للخروج. خرج. أُغلق الباب. وبقيت سولي وحدها. حاولت أن تتمالك نفسها. لكن ما إن ابتعدت خطواته عن الغرفة... انهارت دموعها من جديد. وضعت يدها على فمها حتى لا يصل صوت بكائها إلى الخارج. كانت تريد أن تكرهه. كانت تريد أن تخرج من هذا المكان دون أن تلتفت خلفها. لكن قلبها... كان لا يزال يحب الرجل الذي خرج للتو من الباب. وهذا بالضبط... كان أكثر ما يؤلمها. أما في الممر، فوقف لوكا وحده. وضع يده على مقبض الباب للحظات. لكنه لم يعد إلى الداخل. فقط أغمض عينيه. ثم همس: — حتى لو طلبتِ مني أن أترككِ... وأخذ نفسًا طويلًا. — سأحترم قراركِ. ثم فتح عينيه. — لكنني لن أتوقف عن محاولة إصلاح الحقيقة التي دمّرت حياتكِ. ----- في الممر، كانت كارلي تنتظره. ما إن رأته حتى فهمت أن الحديث لم يكن كما كانت تتمنى. اقتربت منه بهدوء. — ماذا قالت لك؟ لم يجب فورًا. ظلّ ينظر إلى باب الغرفة. — طلبت الطلاق. توقفت كارلي في مكانها. — ماذا؟ أعادها بصوت أهدأ: — سولي تريد الطلاق. وضعت كارلي يدها على فمها للحظة. ثم اقتربت منه. — وماذا قلت لها؟ — قلت إنني سأحترم قرارها. نظرت إليه بدهشة. — فقط؟ ابتسم لوكا ابتسامة حزينة. — ماذا كنتِ تريدينني أن أفعل؟ ثم خفض صوته. — هي خرجت من عملية قلب، وكأنها استيقظت لتجد حياتها كلها قد انقلبت فوق رأسها. سكتت كارلي. ثم وضعت يدها على كتفه. — تعال معي إلى القصر. نظر إليها. — لا أريد أن أتركها. — أنت لا تتركها. جدتها معها، والأطباء معها. ثم شدّت على كتفه بلطف. — وأنت تحتاج إلى الراحة. منذ الأمس وأنت لم تنم إلا قليلًا. صمت لوكا. نظر إلى باب سولي مرة أخيرة. كان جزء منه يريد العودة إليها فورًا. لكن جسده لم يعد يحتمل. تنهد. — حسنًا. ابتسمت كارلي بخفة. — هيا. سار لوكا معها ببطء عبر الممر. كان يبتعد عن سولي جسديًا... لكن أفكاره بقيت عندها. وبعد أن غادرا... عادت جدّة سولي إلى الغرفة. وجدتها ما تزال مستيقظة، ووجهها مبلل بالدموع. اقتربت منها بسرعة. — يا روحي... رفعت سولي عينيها إليها. — جدتي... جلست الجدة إلى جانبها، وأمسكت يدها. — هل تأخر عليكِ. ابتسمت سولي بحزن. — أنا بخير. نظرت إليها الجدة طويلًا. كانت تعرف أنها ليست بخير. ثم سألتها بهدوء: — سولي... أنتِ متأكدة أنكِ تريدين طلب الطلاق؟ أخفضت سولي عينيها. — لا يوجد سبب يجعلني لا أطلّق. تنهدت الجدة. — هناك سبب واحد على الأقل. رفعت سولي عينيها. — ما هو؟ قالت الجدة: — لأنه وقف عند باب غرفة عمليتكِ وكأنه رجل فقد الدنيا كلها. سكتت سولي. — وكان أكثر شخص خائفًا عليكِ. ارتجفت شفتاها. — جدتي... — لا، اسمعيني. شدت الجدة على يدها. — منذ أن وصلت وأنا أرى بعيني كيف كانت حاله. مسحت دمعة من خدها. — كان واقفًا ساعات طويلة، لا يأكل، ولا ينام، ولا يتحرك من مكانه. حدقت سولي في الأرض. — كان من الممكن أن ينهار... ثم أكملت الجدة: — وعندما علم أن حالتكِ ساءت، كان أول من طلب من الأطباء مساعدتكِ. رفعت سولي عينيها ببطء. — هو... توقفت. — هو الذي وجد لي القلب. أومأت الجدة. — نعم. صمتت سولي تمامًا. تابعت الجدة: — قالوا إن العثور على متبرع كان أمرًا عاجلًا، وكان مارك هو الذي أحضر القلب، لكن لوكا لم يغادر المستشفى أصلًا. أغمضت سولي عينيها. — لماذا لم يخبرني؟ ابتسمت جدتها بحزن. — لأنك كنتِ فاقدة الوعي. ثم وضعت يدها على شعرها. — وكان همه الوحيد أن تعيشي. بدأت دموع سولي تتجمع في عينيها. — لا تقولي لي هذا... — ولماذا؟ — لأنني أحاول أن أكرهه. خرجت الجملة منها مكسورة. حدقت بها الجدة بحنان. — وهل تستطيعين؟ لم تجب. كانت الإجابة واضحة. اقتربت الجدة أكثر. — أنا لا أقول لكِ ابقي معه. سكتت سولي. — ولا أقول لكِ انسِي ما حدث. ثم قالت بهدوء: — لكن لا تتخذي قرارًا وأنتِ في أسوأ لحظة في حياتكِ. نظرت سولي إليها. — لا أعرف ماذا أفعل. احتضنتها جدتها بحذر. — وهذا طبيعي. بكت سولي بصمت بين ذراعيها. — أنا أحبه يا جدتي... أغمضت الجدة عينيها. — أعرف. — لكنني لا أستطيع أن أتجاوز كل هذا. — أعرف. ثم رفعت وجهها برفق. — لذلك خذي وقتك. وضعت سولي رأسها على كتف جدتها. ولأول مرة منذ استيقاظها... لم تحاول اتخاذ قرار جديد. فقط بكت. في المساء... وصل لوكا إلى قصر فيتالي برفقة كارلي. نزل من السيارة ببطء. كان التعب واضحًا على وجهه. دخل القصر. كانت الأجواء مختلفة عن المستشفى. هادئة. فخمة. لكنها بدت له باردة على نحو غير معتاد. اتخذ خطوات قليلة إلى الداخل. ثم توقّف. كانت لورا واقفة عند نهاية الممر. رفعت عينيها عندما رأته. كانت تراقبه من بعيد. لم تقل شيئًا. ولم يتكلم هو أيضًا. مرت بينهما ثوانٍ طويلة. كانت لورا تنظر إلى وجهه المتعب، وشعره غير المرتب، وملامحه التي فقدت كل أثر للقوة المعتادة. فهمت من هيئته أن شيئًا كبيرًا حدث. لكنها لم تسأل. أما لوكا... فلم يمنحها سوى نظرة قصيرة. ثم تابع السير. مرّ بجانبها من دون كلمة. وقفت لورا مكانها. تابعته بعينيها حتى ابتعد. كان هناك شيء في نظرتها هذه المرة مختلف. لم تكن نظرة غيرة فحسب. بل نظرة شخص بدأ يدرك أن الأمور خرجت من يده تمامًا. شدت أصابعها ببطء. ثم نظرت إلى الاتجاه الذي اختفى فيه لوكا. — ما الذي حدث بينكما...؟ لكن لم يكن هناك من يجيبها. أما لوكا... فدخل القصر وهو يحمل في صدره سؤالًا واحدًا فقط: هل يمكنه أن يخسر سولي رغم أنه وجدها أخيرًا؟[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا