LOGIN{الأكاذيب التي تحمي الآخرين}
بعد أن هدأ الجو في منزل الجدة، جلس لوكا في غرفة الجلوس بهدوء. كانت سولي قد دخلت إلى الغرفة الأخرى لتساعد جدتها في ترتيب بعض الأشياء. وبعد دقائق، عادت. وقفت قرب حقيبتها، ثم أخرجت علبة دوائها الصغيرة. نظر إليها لوكا من بعيد. كانت قد أخذت منها أكثر من مرة أمامه خلال الأيام الماضية. هذه المرة تحديدًا، شعر أن الأمر لم يعد مجرد مصادفة. أخذت سولي الدواء بهدوء، ثم أعادت العلبة إلى حقيبتها. لم تنتبه إلى نظراته. — سأذهب كي أساعد جدتي قليلًا. ابتسمت له، ثم خرجت. ثم سمع صوتها من الخارج. قالت لجدتها: — سأضع باقي أغراضي بالحقيبة. ثم خرجت من الغرفة. بقيت حقيبتها على الأريكة. نظر لوكا إليها. حاول أن يتجاهل الأمر. لكنه لم يستطع. لم يكن يريد التدخل في خصوصياتها، لكنه لم يستطع منع نفسه من الفضول. نهض ببطء واتجه نحوها. لم يكن يريد تفتيش أغراضها. لكن فضوله كان أقوى. مد يده نحو الحقيبة وفتحها قليلًا. ظهرت علبة الدواء. مد يده نحوها... وفجأة رن هاتف سولي. توقف. كان الهاتف على الطاولة. ظهر اسم: فيتوريو. نظر لوكا إلى الشاشة. ثم إلى باب الغرفة. لم تكن سولي قد عادت بعد. تردد لحظة، وفي النهاية، مد يده وأجاب. — مرحبًا؟ لم يسمع صوتًا في البداية. ثم جاء صوت مورفيون من الطرف الآخر، دون أن يعرف أن الشخص الذي أجاب هو لوكا. — سولي؟ رفع لوكا حاجبه. بقي صامتًا. تابع مورفيون: — اسمعيني جيدًا، لقد أخبرتك من البداية أن هذا الزواج مجرد اتفاق. تجمدت ملامح لوكا. لم يقل شيئًا. — لا أريدك أن تقتربي من لوكا أكثر من اللازم، ولا أريدك أن تبني آمالًا عليه. اتسعت عينا لوكا قليلًا. تابع مورفيون بصرامة: — هو وريث عائلة فيتالي، وأنتِ تعرفين جيدًا أنكِ لستِ من مستواه. ضغط لوكا على الهاتف دون أن يشعر. لكن مورفيون استمر: — لذلك لا تتصرفي وكأنكِ زوجته فعلًا. لا تحاولي التقرب منه، ولا تجعليه يعتاد وجودك. ظل لوكا صامتًا. ثم قال مورفيون: — وأيضًا... عندما يعود بكِ إلى القصر، حاولي أن تفعلي شيئًا يزعجه. اجعليه ينفر منك أكثر. ساد الصمت. ثم قال مورفيون: — لا تنسي أن هذا الزواج سينتهي عندما يصبح لوكا الوريث بشكل كامل إذا قررنا ذلك. تغيرت ملامح لوكا بالكامل. لم يستطع تصديق ما يسمعه. هذا الرجل... كان جده. الرجل الذي اعتاد أن يرى فيه صاحب الكلمة الأخيرة. لكن لماذا كان يتحدث عن سولي بهذه القسوة؟ ولماذا كان يريد منها أن تبتعد عنه؟ لم يتوقع أن يسمع جده يتحدث عن سولي بهذه الطريقة. بقي الهاتف في يده لثوانٍ. كان عقله يعيد الكلمات نفسها. لا تبني أحلامًا. هذا الزواج مجرد اتفاق. اجعليه ينزعج منك. نظر نحو حقيبتها. ثم نحو الباب. وفجأة سمع صوت خطوات تقترب. أغلق الهاتف بسرعة ووضعه على الطاولة. وفي اللحظة نفسها دخلت سولي. كانت تحمل بعض الأشياء بيدها، وابتسمت له. — لوكا؟ هل أنت جاهز؟ نظر إليها. ثم قال بهدوء: — سولي. — نعم؟ — جدي... يعاملك جيدًا؟ توقفت للحظة. رمشت باستغراب. ثم ابتسمت بسرعة. — أكيد. راقبها بصمت. — هو لطيف معي. ثم أضافت: — ودائمًا يقول لي أن أهتم بك وأنتبه عليك. بقي لوكا ينظر إليها. كان يعرف أنها تكذب. لقد سمع بنفسه الحقيقة. لم يكن فيتوريو قد قال شيئًا لطيفًا عنها. بل العكس تمامًا. ومع ذلك... لماذا اختارت سولي أن تخفي الأمر؟ لكنها كانت واقفة أمامه الآن، بابتسامتها الصغيرة، وكأن شيئًا لم يحدث. قال فقط: — فهمت. اقتربت منه. — لماذا تسأل؟ — لا شيء. حمل حقيبتها عنها. — لنعد إلى القصر. نظرت إليه بدهشة صغيرة. ثم ابتسمت. — حسنًا. --- وقفت سولي أمام جدتها قبل المغادرة. احتضنتها طويلًا. — سأزورك قريبًا. ربتت العجوز على شعرها. — اعتني بنفسك يا طفلتي. ابتعدت سولي قليلًا. — سأفعل. ثم نظرت إلى لوكا. كان واقفًا عند الباب ينتظرها. ودعت جدتها مرة أخيرة، ثم خرجت معه. --- في السيارة، كان الصمت مختلفًا. سولي كانت تنظر من النافذة. أما لوكا فكان يقود وهو يفكر. كان يستطيع أن يسألها. كان يستطيع أن يخبرها أنه سمع المكالمة. لكنه لم يفعل. نظر إليها للحظة. كانت تراقب الطريق بصمت. ثم قالت: — شكرًا لأنك أتيت لتأخذني. — لا داعي للشكر. ابتسمت. — مع ذلك... شكرًا. أعاد نظره إلى الطريق. وبعد لحظات، قال: — سولي. — نعم؟ تردد. ثم قال: — إذا حدث شيء... أخبريني. نظرت إليه باستغراب. — مثل ماذا؟ — أي شيء. ابتسمت بهدوء. — حسنًا. لكنها لم تقل شيئًا. ولم يقل هو شيئًا. --- عندما وصلا إلى القصر، كانت السماء قد بدأت تظلم. دخلت سولي أولًا، بينما سار لوكا خلفها. كان القصر كما هو. ضخمًا. باردًا. هادئًا. لكن هذه المرة، لم يشعر لوكا أن المكان نفسه. لأنه كان يعرف الآن أن خلف هذا الهدوء... هناك أشياء تُخفى عنه. وسولي كانت واحدة منها. أما سولي، فرفعت عينيها نحو القصر وتنهدت بهدوء. ثم ابتسمت. — عدنا. نظر لوكا إليها. ولسبب لم يفهمه... شعر بشيء يشبه الراحة. لأنها عادت.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا