Share

ظل الملكة

last update publish date: 2026-05-29 08:41:53

لم تكن القصور تُحاك فقط بالرخام والذهب، بل بالهمسات أيضًا.

في الأيام الأخيرة، كانت الهمسات كالعاصفة —

همسات عن الملك الذي تغيّر، عن نظراتٍ غريبة يوجّهها لغريبته، عن امرأةٍ جاءت من "لا مكان" وسحرت قلب أمير الثلج.

في الصباح، كانت الشمس تتسلل عبر النوافذ العالية، ترسم خيوطًا من الضوء على الأرضية الملساء.

ريم كانت تمشي في الممر الطويل المؤدي إلى القاعة الكبرى، تحمل بيديها كتابًا قديمًا استعادت من مكتب إدريان.

فجأة، توقفت حين سمعت صوت خافت خلف الأعمدة:

«يقولون إنها ساحرة… جعلت الملك يضحك.»

«بل تقول الخادمة إنها رأته يكرر كلماتها الغريبة!»

«قال لها بالأمس “ها واش دايرين”، تخيّلي! الملك بنفسه!»

لم تلتفت ريم.

ابتسمت بخفةٍ حزينة وأكملت سيرها.

لكن داخلها كانت النار تشتعل ببطءٍ — ليس من الغضب، بل من الألم.

كم هو صعب أن تُتَّهَم فقط لأنك مختلف.

حين دخلت القاعة، وجدت إدريان واقفًا قرب خريطةٍ ضخمة معلّقة على الجدار، يتحدث مع أحد الوزراء.

كان صوته قويًّا، ثابتًا، لكن عينيه حين وقعتا عليها تغيّر كل شيء.

قال بسرعة للوزير:

– «يمكننا مناقشة ذلك لاحقًا.»

ثم اقترب منها بخطواتٍ هادئة.

– «أردتُ أن أراكِ هذا الصباح.»

– «أنا أيضاً، حبيت نرجّعلك هاد الكتاب… تركته البارح في القاعة.»

أخذ الكتاب بيده، ابتسم ابتسامة خفيفة ثم قال:

– «شكراً، choukran، هكذا تقولينها، أليس كذلك؟»

ضحكت ريم بخفّة:

– «إيه، بصح نطقك مزال يبغالو شوية تمرين!»

– «تمرين؟»

– «يعني تدريب.»

أومأ ببطءٍ وهو ينظر إليها نظرة لم تفهمها تمامًا — نظرة ملكٍ لم يعد يرى أمامه عرشًا، بل امرأةً غيّرت كل ما كان يعتقد أنه ثابت.

لكن اللحظة انكسرت حين انفتح باب القاعة بصوتٍ قوي.

دخلت الملكة الأم، بثوبٍ أسود من الحرير المطرّز بخيوطٍ فضية، كأنها الظلّ الذي جاء ليطفئ النور.

تقدّمت بخطواتٍ بطيئة، كلّ صوتٍ من كعب حذائها كان يعلن حربًا صامتة.

وقفت أمامهما، نظرت إلى ريم نظرة باردة وقالت:

– «ظننت أن العاصفة أخذتكِ معها يا ابنتي.»

أجابت ريم باحترامٍ واضح:

– «أنا ما نتهناش إلا كي نطمن أن جلالتكم بخير.»

تقطبت حاجبا الملكة:

– «لغتها ما تزال غريبة على أذني… هل تعلمين، يا ريم، أن هناك حدودًا لا تُتخطّى في هذا القصر؟»

تقدّم إدريان خطوة، صوته حازم:

– «أمي…»

لكنها رفعت يدها لتسكته، وقالت دون أن تنظر إليه:

– «الملك لا يُقاطع حين أتكلم.»

التفتت نحو ريم من جديد، نظرتها حادة كحدّ السيف:

– «أنقذتِ ابني، ونحن ممتنّون لكِ. لكن وجودك هنا أثار القلاقل… والبلاد لا تحتمل شائعاتٍ عن “غريبةٍ” أسرَت قلب الملك.»

– «أنا ما أسرْت حتى واحد، يا جلالة الملكة. الناس اللي يحبوا يفسروا كل بسمة بطريقة يخصّهم، هذي مش مشكلتي.»

صمت ثقيل خيّم على القاعة.

الملكة لم تتوقع منها تلك الجرأة.

أما إدريان، فكان يكتم ابتسامة صغيرة كأنها ضوءٌ بين الظلال.

قالت الملكة ببرودٍ متعمد:

– «أنتِ لا تفهمين العواقب، يا ريم. بين الملك والرعية جدارٌ لا يُكسر.»

رفعت ريم رأسها بثقةٍ هادئة:

– «والقلب؟ عندو جدار هو ثاني؟»

كانت الجملة بسيطة… لكنها اخترقت القاعة كالرعد.

الملكة شدّت على مروحتها الفضية حتى كادت تتحطم.

أما إدريان، فأدار وجهه للحظة حتى لا يُرى على شفتيه ذلك الوميض الصغير من الإعجاب.

ثم قالت الملكة بنبرةٍ صارمة:

– «سيُقام الحفل الملكي بعد ثلاثة أيام لاستقبال أمراء الشمال. أريدها حاضرة هناك، كي يرى الجميع أنها ليست أكثر من ضيفةٍ عابرة.

هل فهمتِ؟»

أجابت ريم ببرودٍ جزائريٍّ أنيق:

– «فهمت، بزاف مليح يا جلالة الملكة.»

ثم انحنت باحترامٍ وغادرت، تاركةً خلفها صدى كلمتها الغريبة يتردد في القاعة كأنها تعويذة:

"بزاف… مليح…"

في تلك الليلة، كان إدريان جالسًا في مكتبه، يحدّق في شمعةٍ تذوب ببطء.

على الطاولة أمامه كانت هناك خريطة المملكة، لكن عينيه كانتا تريان شيئًا آخر —

يريان وجه ريم وهي تتحدّث، تلك اللهجة التي لم تعد غريبة عليه، وتلك الجرأة التي هزّت قناعاته.

دخل اللورد غرينفيل بهدوء وقال:

– «جلالتك، الحفل الملكي يحتاج تحضيرًا خاصًا. الناس يتحدثون…»

قاطعه إدريان دون أن يرفع عينيه:

– «دَعهم يتحدثون. فليقل الجميع ما يشاؤون.

الملوك أيضًا بشر… يُصابون بالعواصف.»

في جناحها، كانت ريم جالسة قرب المرآة، تسرّح شعرها ببطء.

مارغريت كانت تقف خلفها تساعدها بصمتٍ، ثم همست:

– «هل ستذهبين إلى الحفل؟»

أجابت ريم بابتسامةٍ خفيفة:

– «إيه، نروح. ما نخافش من العيون اللي تراقبني… المهم ما نخسرش نفسي.»

– «والملك؟»

– «الملك… هو أكثر شخص لازم يعرف أني ما جئت باش أسرق قلبه… جيت باش أذكّره أنه عنده قلب.»

وهكذا بدأت ملامح ملحمةٍ جديدة تُكتب في القصر،

ملحمةٌ بين امرأةٍ من زمنٍ آخر، وملكٍ من عالمٍ لا يرحم.

وفي الحفل القادم، لن تكون الموسيقى وحدها التي ستُعزف… بل سيُعزف القدر نفسه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين ابتلعني الحبر   حين يتمرد القلب على التاج

    لم يكن الفجر قد بزغ بعد حين تسللت ريم من فراشها.شيءٌ ما أيقظها — ليس صوتًا، بل إحساسًا خفيًا بأن شيئًا غير طبيعي يدور في أروقة القصر.ارتدت رداءها الصوفيّ الفاتح، ولفّت شعرها بوشاحٍ حريري بلون الزهر الجاف، ثم خرجت بخفةٍ إلى الممر المظلم.كانت الأروقة ساكنة، لا يُسمع فيها سوى خشخشة الريح خلف النوافذ الطويلة ذات الزجاج الملوّن.وبينما كانت تخطو بخطواتٍ مترددة، لمحت عند نهاية الممر رجلين من الحرس يتحدثان بصوتٍ خافت:– «الأوامر واضحة… الفتاة تغادر قبل شروق الشمس.»– «لكن الملك لم يصدر أي أمرٍ بذلك!»– «الأوامر من المجلس مباشرة، يا رجل. نحن ننفذ فقط.»تراجعت ريم ببطءٍ، تختنق أنفاسها بين القلق والغضب، ثم تمتمت بلهجةٍ خافتة:– «هاك دايرينها فالسكات؟ تحبّو تسرّبوني كي السّارق؟»كانت تعرف أن الذهاب الآن يعني النهاية… أن تُمحى كأنها لم تكن.لكن أكثر ما جرحها هو أنها لم تُمنح حتى فرصة الوداع.في تلك اللحظة، كان إدريان جالسًا في مكتبه، أمامه شمعةٌ تكاد تنطفئ.لم يغمض له جفن منذ أخبرها بخطة الإبعاد.بين يديه خريطة المملكة، لكن عينيه كانتا معلّقتين بصورةٍ صغيرة رسمها بنفسه على ورقٍ قديم — وجه ريم

  • حين ابتلعني الحبر   عطر المؤامرة

    لم يكن الصباح التالي للفجر مختلفًا في ملامحه،لكن في جوّه شيءٌ تغيّر — كأن النسيم يحمل همسًا لا يُسمع إلا بالروح.في القصر، كان الجميع يتحرك بنشاطٍ غير عادي.الخدم يلمّعون الممرات، البوابون يبدّلون الرايات،والوصيفات يتحدثن بصوتٍ خافتٍ عن "أمرٍ غريبٍ ستعلنه الملكة قريبًا".أما ريم، فكانت تجلس قرب النافذة في جناحها، تحمل فنجان شايٍ دافئ وتراقب الساحة من بعيد.كانت السماء رمادية، والريح الباردة تمرّ كأنها تنذر بشيء.قالت مارغريت وهي تضع وشاحًا على كتفيها:– «لقد تحدثتُ مع إحدى الوصيفات هذا الصباح… يبدو أن الملكة الأم طلبت حضور مجلسٍ خاص الليلة.»– «مجلس؟ وش من مجلس؟»– «مجلس النبلاء. نادرًا ما يجتمع إلا لأمرٍ مهم.»أطرقت ريم رأسها، ثم تمتمت بخفةٍ قلقة:– «أكيد كاين حاجة مش عادية.»في قاعة الملكة الأم، كانت الستائر الثقيلة مسدلة، والشموع تذوب ببطءٍ في حوامل من الفضة.جلست الملكة على عرشٍ صغيرٍ من المخمل الداكن،أمامها بعض اللوردات القدامى، وجانبها اللورد غرينفيل الذي بدا أكثر توترًا من العادة.قالت الملكة بنبرةٍ باردة لا تخلو من الهيبة:– «لقد تركنا الغريبة بيننا فترةً كافية.أنقذت حياة

  • حين ابتلعني الحبر   همسات .... الفجر

    كان الفجر يتسلّل بخجلٍ من خلف أشجار الحديقة الملكية،يلمس أوراق الورد بنعومةٍ كأن السماء تُربّت على الأرض.كل شيءٍ كان ساكنًا، إلا تلك النسمة التي تحرّك أطراف الثوب الأبيض لريم وهي تمشي بخطواتٍ خفيفة على الطريق الحجري المرصوف بالندى.كانت قد استيقظت قبل الجميع.لم تنم إلا قليلًا، فصدى الحفل ما زال يرنّ في أذنيها،ووجه إدريان حين رآها للمرة الأولى في تلك القاعة… ما زال يشغل فكرها أكثر من اللازم.قالت لنفسها وهي ترفع شعرها قليلاً لتتجنب نسمة باردة:"يا ربي، واش راه يدير بيا؟ قلبي ولا يلعب بيه كيما ولاد الحومة بالكرة..."ضحكت بخفةٍ على كلامها، ثم سمعت صوت خطواتٍ خلفها.لم تحتج إلى أن تلتفت لتعرف من هو.– «أيقظتك الريح، أم قلبي المزعج؟»التفتت نحوه، فوجدته يسير نحوها مرتديًا معطفًا أسود طويلًا،وشعره منسدلٌ قليلًا على جبينه، بعينين رماديتين لا تخطئهما العين.– «قلّيت نجي قبل الوقت، ما حبيتش نلقاك تستناني بزاف.»ابتسم وقال:– «مرة أخرى… لم أفهم كلمة.»ضحكت ورفعت حاجبها:– «يعني جيت بكري، ما حبيتش نخليك تستنى.»– «Ah… you came early. You don’t like to make your king wait.»– «ملكي؟ رجعت ليه

  • حين ابتلعني الحبر   ليلة تاج........... والنظرات

    لم تعرف القصور ليلًا أكثر بريقًا من تلك الليلة.كانت الأروقة تتلألأ بآلاف الشموع المعلقة في ثرياتٍ ضخمة تتدلى من الأسقف العالية، كأن النجوم قررت النزول إلى الأرض لتشهد ما سيحدث.الموسيقى تنساب من فرقةٍ راقية خلف الستار، أنغام الكمان تختلط بخفقان القلوب،والنبلاء يرتدون أفضل ما تملكه خزائنهم، يتهامسون، يراقبون، يبتسمون بخبثٍ مخمليّ.كانت هذه الليلة التي سيُعلن فيها إدريان تحالف المملكة مع أمراء الشمال —لكن الهمسات في الممرات لم تكن عن التحالفات، بل عن "الغريبة" التي ستحضر الحفل.عن ريم.في جناحها، وقفت ريم أمام المرآة.تأملت انعكاسها بذهولٍ صغير.لم تكن تلك الفتاة التي دخلت المكتبة يومًا ما في الجزائر ترتدي بنطال جينز وكنزة رمادية...بل امرأة من قصيدةٍ لا تنتمي لزمنٍ محدد.ارتدت فستانًا من الحرير الملكي الأبيض المائل إلى الذهبي، ينساب على جسدها كضوء الفجر،تطريزاته نُسجت بخيوطٍ من اللؤلؤ الصغير،أما شعرها الأسود الطويل فقد رفعت نصفه بأمشاطٍ فضية، وعلّقت على عنقها قلادة بسيطة أهداها إدريان قبل أيامٍ قليلة —لم يقل وقتها إنها هدية، لكنه قال:«وجدتها تشبهك… بسيطة من بعيد، مذهلة حين تقترب

  • حين ابتلعني الحبر   ظل الملكة

    لم تكن القصور تُحاك فقط بالرخام والذهب، بل بالهمسات أيضًا.في الأيام الأخيرة، كانت الهمسات كالعاصفة —همسات عن الملك الذي تغيّر، عن نظراتٍ غريبة يوجّهها لغريبته، عن امرأةٍ جاءت من "لا مكان" وسحرت قلب أمير الثلج.في الصباح، كانت الشمس تتسلل عبر النوافذ العالية، ترسم خيوطًا من الضوء على الأرضية الملساء.ريم كانت تمشي في الممر الطويل المؤدي إلى القاعة الكبرى، تحمل بيديها كتابًا قديمًا استعادت من مكتب إدريان.فجأة، توقفت حين سمعت صوت خافت خلف الأعمدة:«يقولون إنها ساحرة… جعلت الملك يضحك.»«بل تقول الخادمة إنها رأته يكرر كلماتها الغريبة!»«قال لها بالأمس “ها واش دايرين”، تخيّلي! الملك بنفسه!»لم تلتفت ريم.ابتسمت بخفةٍ حزينة وأكملت سيرها.لكن داخلها كانت النار تشتعل ببطءٍ — ليس من الغضب، بل من الألم.كم هو صعب أن تُتَّهَم فقط لأنك مختلف.حين دخلت القاعة، وجدت إدريان واقفًا قرب خريطةٍ ضخمة معلّقة على الجدار، يتحدث مع أحد الوزراء.كان صوته قويًّا، ثابتًا، لكن عينيه حين وقعتا عليها تغيّر كل شيء.قال بسرعة للوزير:– «يمكننا مناقشة ذلك لاحقًا.»ثم اقترب منها بخطواتٍ هادئة.– «أردتُ أن أراكِ هذا

  • حين ابتلعني الحبر   دفئ بعد العاصفة

    لم يكن صباح ذلك اليوم يشبه أي صباحٍ سابق.السماء كانت صافية على نحوٍ غريب، كأن المطر غسَل ذنوب القصر بأسره.الحدائق المبللة تلمع كزمردٍ مكنون، والهواء يحمل عبير الأرض بعد المطر — رائحة الحياة نفسها.حين عاد الملك إدريان إلى القصر، كان الكلّ في ذهول.معطفه الممزّق، شعره المبتلّ، والخدش على وجنته — كلها علامات على ليلةٍ لم تُروَ تفاصيلها بعد.لكن ما صدمهم حقًا… أنّ ريم كانت تمشي إلى جواره، بثوبٍ رماديٍّ بسيط، وابتسامةٍ صغيرةٍ رغم التعب، وكأن شيئًا مقدّسًا يجمعهما.تقدّم اللورد غرينفيل بخطواتٍ حذرة:– «جلالتك… الحمد لله على سلامتك. كنا نظنّ أن العاصفة قد…»قاطعه إدريان بصوتٍ حازمٍ لكنه دافئ:– «لقد أنقذتني السيدة ريم. من دونها، لما عدت إلى هنا.»صمت الجميع.ثم قالها بهدوءٍ أربكهم أكثر:– «خلوّها ترتاح، بزاف تعبت.»ارتفعت الحواجب دهشة.حتى ريم نظرت إليه مصدومة قبل أن تبتسم بخفّة:– «وش قلت؟ بزاف؟!»ابتسم إدريان بخفّةٍ نادرة وقال:– «هل قلتها جيّدًا؟»– «ما شاء الله عليك، يا سيدي الملك… صرت تهدر جزائري!»ضحك بعض الخدم في الخفاء، وارتبك البعض الآخر، بينما وقفت الملكة الأم في الشرفة العليا ت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status