LOGINأما دي فالك، فقد واصل صعوده برفقة زوجته إلى جناحهما الخاص. وما إن دخلا حتى اتجه بها مباشرة نحو حوض الاستحمام الممتلئ بالماء البارد، ثم أنزلها فيه برفق، شيئًا فشيئًا، حتى غمرت المياه ثيابها. جلس إلى جوارها، وأخذ يغسل وجهها بحركات هادئة، محاولًا إعادتها إلى وعيها. — ليرا... استيقظي. أطلقت شهقة مفاجئة، وفتحت عينيها بصعوبة: — آه... إنه بارد جدًا... رفعها جاد بحذر من الماء، وقال بنبرة حازمة: — افتحي عينيكِ. لا تعودي إلى النوم. أجابته برأس ثقيل، كانت بالكاد تستطيع إبقاء عينيها مفتوحتين: — دعني أنم... رأسي يكاد ينفجر من الألم... أعادها جاد إلى الماء، ولاحظ احمراره: — أطيعي كلامي واستيقظي حالًا. تشبثت به بقوة: — بطني... يؤلمني بشدة... — دورتك الشهرية، هي السبب. حملها بين ذراعيه مرة أخرى، ثم أوقفها على قدميها. كانت بالكاد تستطيع الوقوف، متكئة عليه بكل ثقلها، تكاد تترنح وتسقط أرضًا من شدة الإنهاك والإعياء. خلع عنها ثيابها المبللة، ثم عمد إلى تجفيف جسدها بعناية، أشارت إلى موضع الفوطة الصحية، فتولى ترتيبها لها، ثم ألبسها ثيابًا نظيفة ومريحة. بعدها حملها ووضعها برفق
صمت الطبيب لحظة، ثم أجاب: — في بعض الحالات، قد تكون هناك عوامل وراثية أو اضطرابات نادرة، لكن إن كنت تسأل عن الاحتمال الأول الذي تفسر به بعض الحالات المشابهة... فهو يرتبط بما تعرضت له الأم أثناء فترة الحمل؛ من توتر شديد ومشاكل، وحزن عميق. — أليس هناك أي دواء يمكنها تناوله لينظم لها ساعات نومها؟ تنهد الطبيب. — يا مسيو جاد... جسد الإنسان حين يعتاد نمطًا معينًا لفترة طويلة، يصبح منبّهه الداخلي عاجزًا عن العودة إلى طبيعته بسهولة. لكن هذا لا يعني أننا سنستسلم. سنحاول معها. ثم أضاف: — سأرسل لك العقار الطبي المعتمد لمثل هذه الحالات الحرجة، وسنراقب استجابتها له عن كثب. أتمنى حقًا أن يجدي نفعًا معها. — شكرًا لك... يمكنك الانصراف الآن. غادر الطبيب الغرفة، وأغلق الباب خلفه. بقي جاد واقفًا في مكانه. كانت عيناه معلقتين بليرا، لكن أفكاره كانت في مكان آخر تمامًا. كل حرف تفوه به الطبيب ظل يدور في رأسه، وكل معلومة ألقاها بدت وكأنها تمزق روحه بمخلب حاد. "الأرق المميت." الاسم وحده كان كافيًا ليزرع في قلبه خوفًا لا يحتمل. نظر إليها طويلًا. كانت ماثلة أمامه بهدوء، لا تعرف شيئًا عن ذلك الخطر
لم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى دخل آرثر بخطوات سريعة: — مسيو جاد، لقد وصل الطبيب. رفع جاد عينيه إليه، وقال بنبرة حاسمة لا تحتمل التأخير: — خذه إلى غرفة ليرا حالًا. أومأ آرثر باحترام، بينما اتجه جاد نحو غرفتها بخطوات ثابتة، وإن كان القلق ينهشه من الداخل. دفع الباب ودخل. كانت ليرا مستلقية على السرير، غارقة في نوم عميق. وقف عند الباب للحظات، يحدق في ملامحها الساكنة بعينين أثقلتهما الهموم. وبلا إرادة، عاد إلى ذهنه شريط حوارهما ومشاجرتهما التي جرت في الليلة الماضية؛ انقبض فكه قليلًا، ثم نفض تلك الأفكار عن رأسه. نعم، كان يشعر بأسى عميق ومرارة تجاه ما حدث بينهما، وربما كان جزء منه لا يزال غاضبًا منها... لكنه لم يكن ليسمح لذلك الغضب بأن يجعله يتملص من واجباته ومسؤولياته نحوها. لم تمضِ سوى لحظات حتى جاء طرق خافت على الباب، أعقبه دخول الطبيب. ألقى الرجل التحية باحترام. — مسيو جاد... إنه لشرف كبير لي أن تستدعيني بنفسك. أجابه جاد دون مقدمات، وقد بقيت عيناه معلقتين بليرا: — سمعت عنك الكثير. ويقال إنه ما من داء إلا وله عندك دواء... وهذا هو السبب الرئيسي وراء طلبي لك. أريدك أن تجد الدواء ال
ابتلع هندريك ريقه، ثم أجاب محاولاً الحفاظ على ثبات صوته: — أجل... أعرفهم جيداً. إنها منظمة سرية تضم نخبة من أقوى الشخصيات النافذة، أولئك الذين يحركون خيوط العالم من خلف الكواليس. نفث جاد دخان سيجارته ببطء، وظلت عيناه ثابتتين على نقطة بعيدة. — لقد طلبوا مني أشياء... وأنا عاجز عن معرفة ما إذا كنت قادراً على تنفيذها أم لا. راقبه هندريك بصمت، ثم قال بحذر: — بما أنهم اختاروك وطلبوا ذلك منك، فهذا يعني يقيناً أنهم يعلمون قدرتك على إنجازها. ضحك جاد ضحكة قصيرة خالية من الفرح. — ما ارتكبته في الماضي، لا يُغفر ولا يُمحى.. وأنا نادم أشد الندم عليه، ولا أبتغي العودة إليه أبداً... ساد الصمت. رمش هندريك بعينين متسعتين، وقال بنبرة امتزج فيها الاستغراب بشيء من السخرية: — دي فالك... يمتلك قلباً ويندم؟! لم أعتد عليك هكذا أبداً! رفع جاد عينيه إليه. كانت في نظرته حقيقة لم يعد قادراً على إنكارها. — قلبي كان ميتاً... وطاله الجفاف، حتى جاءت هي، فأعادَت إليه الحياة من جديد. — هذا العالم مرتبط بالسياسة والمكر يا سيدي. وأنت أعلم الناس بأن رجلاً في مكانتك ومنصبك لا يحق له التفكير بالعاطفة نهائيا
ظلوا يتحدثون ويتبادلون الخطط بنوايا خبيثة، بينما كانت نيهان بعيدة عنهم، تراقب الأرجاء بصمت، وقد بدأ الزحام وضجيجه يثقلان رأسها ويستنزفان ما تبقى من طاقتها. كل ما أرادته في تلك اللحظة هو بعض الهدوء. لذلك اتجهت نحو السيارة، ثم فتحت الباب، وجلست في المقعد الخلفي، بقيت عيناها معلقتين بالمشهد من خلف زجاج النافذة، بينما راحت أفكارها تتشعب في رأسها بلا توقف. كان شرودها عميقاً إلى درجة أنها لم تنتبه إلى مرور الوقت. ولم يخرجها من ذلك السكون الداخلي سوى أصوات الأبواب وهي تُفتح وتُغلق، ثم عودة أفراد عائلتها تباعاً وصعودهم إلى السيارة استعداداً للتحرك ومغادرة المكان. أما في القصر... فقد كانت ليرا تجلس في الحديقة، تستمتع بالهدوء، وإلى جانبها كان هندريك جالساً بصمت، إلا أن جسده كان حاضراً بينما بدا عقله في مكان آخر تماماً. كان غارقاً في شرود، يحدق أمامه دون أن يرى شيئاً، وتظهر على ملامحه علامات اضطراب لم يستطع إخفاءها مهما حاول. ولم تكن ليرا من النوع الذي تفوته التفاصيل. راقبته للحظات، ثم مالت نحوه قليلاً، قبل أن تسأله بفضول: — هندريك... هل حدث معك شيء ما؟ تبدو على غير عادتك اليوم. سمع ص
أشرق صباح جديد، فتحت إليسا عينيها ببطء شديد، وكأن جفنيها كانا أثقل من أن ترفعهما. وما إن حاولت التحرك حتى أفلتت من بين شفتيها أنّة خافتة موجوعة، بينما امتلأت عيناها بالدموع التي سرعان ما انسابت حارقة فوق خديها الشاحبين.حاولت النهوض، لكن جسدها خانها من شدة الألم. بقيت للحظات تلتقط أنفاسها بصعوبة، قبل أن تمد يدها بحثًا عن ملابسها، أخذت تجمعها بأصابع مرتعشة، ثم أبعدت الغطاء عن جسدها...وما إن وقعت عيناها عليه حتى تجمدت في مكانها.كانت الصدمة أقسى مما توقعت.جسدها بأسره مغطى بالجروح والكدمات والآثار الزرقاء الداكنة، آثار تحكي قسوة الليلة الماضية أكثر مما تستطيع الكلمات أن تصف. حدقت فيها بعينين منكسرتين، ثم ارتجفت شفتاها وانفلت نحيبها من جديد، وهي تشرع في ارتداء ثيابها ببطء شديد، تتوقف بين لحظة وأخرى كلما باغتها الألم.وحين انتهت، ألقت نظرة نحو الباب.كان مفتوحًا.ابتلعت شهقة علقت في حلقها، ثم دفعت نفسها إلى الخارج، تخطو بخطوات واهنة وهي تبذل جهدًا مضنيًا لكتم بكائها.تابعت طريقها، حتى فوجئت به يخرج من الحمام، مرتديًا سروالًا قصيرًا فقط.توقف قلبها للحظة.قفز الرعب إلى صدرها، وشعرت بجسدها
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ







