LOGIN"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."
تجمد الدم في عروقي. كيف عرف اسمي؟ رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظلمة. خلف النوافذ الداكنة، ظهر القصر كشيء خرج من كابوس أرستقراطي؛ جدران حجرية شاهقة، شرفات مضاءة بضوء ذهبي خافت، وحدائق مشذبة بدقة مرعبة وكأن حتى الأشجار هنا تخضع لأوامره. كاميرات المراقبة المخفية بين الأعمدة الرخامية كانت تتابع وصولنا بصمت بارد. كل شيء يراقب. كل شيء ينتمي له. توقفت السيارة أخيرًا أمام المدخل الرئيسي، وفورًا خرج رجال ونساء بالزي الرسمي من الظلال لفتح الأبواب بانحناءات محترفة. "مرحبًا بعودتك، سيد وولف." لكن دايمون تجاهلهم تمامًا. كل انتباهه كان منصبًا عليّ. عدل وضعيتي فوق حجره ببطء متعمد حتى اضطرت ساقاي للالتفاف حول خصره بينما استعد للنزول من السيارة. قبضته على وركي بقيت ثابتة… مهيمنة… كأنه يخبرني بصمت أنني أصبحت شيئًا يخصه. "اهدئي." خرج التحذير من شفتيه منخفضًا وقاسيًا. ثم انحنى نحو عنقي. شعرت بشفتيه تلامسان نبضي ببطء جعل معدتي تنقبض فورًا، وكأنه يتذوق خوفي بإدمان. "لينا…" كرر اسمي بصوت هادئ مستمتع، فأرسلت الطريقة التي لفظ بها اسمي رعشة باردة عبر جسدي. "أنا أعرف كل شيء عنك." انحبس نفسي. "شقتك الصغيرة… وردياتك الطويلة في المستشفى… وحتى سبب هجرتك من بلدك." اتسعت عيناي بصدمة. انزلقت أصابعه داخل شعري وأمال رأسي للخلف برفق أجبرني على كشف عنقي أكثر. "بينما كنتِ مشغولة بالصراخ عليّ في الشارع…" تابع بهدوء قاتل وهو يخرجني من السيارة، "كان رجالي يجمعون كل ما يمكن معرفته عن المرأة التي تجرأت على إهانتي." حاولت دفعه بعيدًا عني. "اتركني أذهب… أنا لم أفعل لك شيئًا." ضحك بخفة قرب عنقي، وأنفاسه الساخنة داعبت بشرتي المرتجفة. "بل فعلتِ." رفع رأسه ببطء لينظر إليّ بعينيه الداكنتين. "أثرتِ اهتمامي." ثم أضاف بالعربية بصوت منخفض خطير: "وهذا أسوأ شيء يمكن أن يحدث لامرأة وقعت بعين رجل مثلي." تجاهل مقاومتي تمامًا بينما حملني نحو المدخل الكبير للقصر. الأرضيات الرخامية اللامعة انعكست تحت خطواته الواثقة، والخدم كانوا يبتعدون فور رؤيته وكأن مجرد الاقتراب منه خطأ قاتل. "اسمك جميل." قالها دون وعي تقريبًا ونحن نعبر البهو الواسع. الثريات الكريستالية الضخمة ألقت ألوانًا باهتة فوق الجدران المزينة بلوحات أصلية باهظة الثمن. شعرت بالاختناق. كل شيء هنا فاخر بشكل مخيف. بارد. ومليء به. أنزلني أخيرًا فوق أريكة مخملية أمام مدفأة مشتعلة، ثم اتجه نحو طاولة ماهوجني وصب لنفسه كأس ويسكي ببرود أعصاب مرعب. "ماذا تحاول أن تفعل؟" خرج صوتي مرتجفًا رغم محاولتي التماسك. "هل أنت معتاد أن الجميع يوافقك على كل شيء؟" ضحك بخفوت وهو يدير الكأس بين أصابعه. "أنا؟" رفع عينيه إليّ ببطء. "أنا لا أقبل الرفض أصلًا." شعرت بقشعريرة تزحف أسفل ظهري. جلس مقابلِي باسترخاء قاتل، معلقًا إحدى ساقيه فوق الأخرى، ثم أنزل عينيه عليّ ببطء أربكني. "أريد منك أشياء لا أطلبها من الجميع." توقفت عيناه على فستاني الأسود الضيق للحظة طويلة. "ستعيشين دون خوف… دون فقر… دون وحدة." عقدت حاجبي باشمئزاز. "أنا لا أبيع جسدي." ساد الصمت لثانية. ثم ابتسم. ابتسامة باردة جعلت معدتي تنقبض. "ومن قال إنني أريد شراءك؟" نهض ببطء. خطوة. ثم أخرى. حتى توقف أمامي مباشرة. "أنا لا أشتري ما أريده." انحنى قليلًا نحوي. "أنا أمتلكه." حبست أنفاسي عندما أمسك ذقني بين أصابعه وأجبرني على رفع وجهي نحوه. "أريد أن أرى كيف ستتغير نظرتك عندما تدركين أنكِ تحت رحمتي بالكامل." ارتجفت شفتاي رغمًا عني. "أنت مهووس." لم تغضبه الكلمة. بل على العكس… ضحك. ضحكة منخفضة خطيرة ملأت الغرفة الفخمة. "ربما." همس وهو يقترب أكثر. "لكن الهوس رفاهية أستطيع تحملها." سقط ظله فوقي بينما كنت جالسة متجمدة على الأريكة. "هل تصفينني بالمهووس لأنني آخذ ما أريده بدل التوسل مثل الرجال الآخرين؟" ظل صوته هادئًا بشكل مرعب. "لا يا لينا… هذا ليس هوسًا." اقترب حتى شعرت بحرارة أنفاسه. "هذا وضوح." أمال ذقني للخلف أكثر حتى اضطررت لمواجهة عينيه الداكنتين. "في هذا العالم… الرجال مثلي لا يطلبون الإذن." ثم همس قرب شفتي: "نحن نأخذ." ضغطت أسناني بغضب رغم الخوف الذي بدأ ينهش أعصابي. "سأقتلك قبل أن يحدث ذلك." للحظة… ظهر شيء يشبه الاهتمام الحقي في عينيه. وكأن تهديدي أمتعَه. "هل ستقتلينني؟" كررها بهدوء شبه حنون. ثم ركع أمامي على السجادة الفاخرة، ليصبح وجهه بمستوى وجهي رغم طوله المخيف. كانت حركته هادئة ومنضبطة كحيوان مفترس يستمتع باللعب قبل الانقضاض. "أحب روحك." اعترف بذلك بصراحة أربكتني. "معظم النساء كن سيبكين الآن… أما أنتِ فتهددين بإنهاء حياتي." استقرت يداه فوق ركبتيّ وهو يراقب ملامحي باهتمام مرعب، يبحث عن أي علامة خوف خلف تحديي. "هل تعتقدين حقًا أنكِ قادرة على ذلك؟" مال أقرب. "بيديك العاريتين؟" ثم انخفضت عيناه نحو شفتي للحظة. "أم بهذا الفم الجميل؟" حاولت دفع يديه بعيدًا عني بعنف. وكان ذلك خطئي. تغير تعبيره فورًا. اختفت كل آثار التسلية من وجهه. في حركة سريعة جدًا، أمسك معصميّ وثبتهما فوق رأسي على وسائد الأريكة. شهقت بخوف. أما دايمون… فأصبح مرعبًا. حقًا مرعبًا. برز شيء مظلم في عينيه جعل معدتي تنكمش فورًا. "كفى ألعابًا." خرج صوته منخفضًا وخشنًا هذه المرة. كان وجهه قريبًا جدًا الآن، وعيناه الداكنتان تحترقان بحيازة خطيرة. اختفت المغازلة تمامًا. وحل مكانها رجل اعتاد السيطرة بالقوة. "هل تعتقدين أنكِ تستطيعين قتالي؟" ضغط على معصميّ بقوة أكبر. "أنا أكسر رجالًا أكبر منكِ بسبب وقاحة أقل." ألقت النار المشتعلة في المدفأة ظلالًا راقصة فوق ملامحه الحادة بينما انحنى أكثر حتى شعرت بأنفاسه فوق خدي. صرخت فجأة: "ساعدوني!" تردد صوتي داخل القاعة الضخمة. الخدم سمعوا. رأيت ذلك في نظراتهم المرتبكة. لكن لا أحد تحرك. ضحك دايمون بخفوت قرب أذني. "لا أحد هنا سيتدخل." رفع عينيه نحو الخدم الواقفين بعيدًا. "كل شخص في هذا القصر يعرف جيدًا ما يحدث عندما أفقد صبري." ثم عاد ينظر إليّ. "اصرخي كما تريدين… لن يجرؤ أحد على أخذك مني." اختنق نفسي. شعرت بالوحدة لأول مرة بهذا الشكل المرعب. "انظر…" همست بصوت أضعف رغم محاولتي التماسك. "لا أعرف ما الذي أثارك بي… لكن لا جدوى من إخضاع شخص لا يريدك." ساد الصمت للحظة. ثم ابتسم. ابتسامة هادئة أخافتني أكثر من غضبه. "أنتِ تثيرينني." قالها ببساطة شديدة وهو يراقب ارتجافة أنفاسي. "أن أجد نفسي أجبر امرأة على الرغبة بي… هذا شيء جديد عليّ." تحرك حولي ببطء كقط مفترس يراقب فريسته. "لكنني أريدك يا لينا." توقفت عيناه على شفتي. "أريد أن أرى ذلك الحقد بعينيك يذوب تدريجيًا… حتى يصبح جسدك كله يطلبني رغمًا عنك." ارتجفت من طريقته. من ثقته. من ذلك الظلام الهادئ داخله. ثم انحنى قرب أذني وهمس أخيرًا: "ولن أتخلى عنكِ فقط لأنكِ ترفضين." ابتعد قليلًا، وعيناه ما زالتا مثبتتين عليّ. "الرفض… ليس موجودًا في قاموسي." قالها ببرود قاتل، ثم قبل أن أتنفس، انحنى. ذراعه القوية التفّت حول خصري ورفعني عن الأريكة كأنني دمية قماش. سقط العالم فجأة، وأصبحت فوق كتفه، رأسي متدلٍ إلى الأسفل، الدم يندفع إلى وجهي. "أنزلني!" خرج صوتي مبحوحًا، ضعيفًا. ضربت ظهره بيد مرتجفة، ضربة لا توجع طفلًا. ساقاي ركلتا الهواء بلا نظام، جسدي كله يرتجف رعبًا. "أرجوك… لا…" لم يرد. لم يبطئ خطوته حتى. صعوده على الدرج الرخامي كان هادئًا كأنه يحمل حقيبة، لا امرأة تقاتل بلا جدوى. "دايمون!" الاسم خرج كرجاء هذه المرة، لا تهديد. صوتي انكسر منتصف الطريق. "أقسم… سأصرخ… سيسمعني الجميع…" "اصرخي." جاء صوته من فوقي، باردًا كالثلج. "هنا، صراخك لي وحدي." فتح باب الجناح بقدمه ودخل. ألقاني في منتصف السرير كأنني فقدت حتى حق اختيار وضعي. وقف فوقي، ظله يغطيني بالكامل. "من هذه الليلة، لن يكون لكِ صوت إلا إذا سمحتُ أنا بذلك." حاولت الزحف بعيدًا، ركبتاي ترتعشان، أنفاسي مقطوعة. قبل أن أصل لحافة السرير، كانت يده على كاحلي. سحبني إليه بلا عناء. جسدي انزلق على الحرير حتى اصطدم بصدره. حاولت دفعه، لكن يده كانت على حلقي—لا تضغط، فقط تذكرني أنه يستطيع ذلك ان أراد. "توقفي." كلمة واحدة. خرجت هادئة، لكنها جمدت دمي. عيناه كانتا سوداوين، بلا رحمة. عينا رجل قتل بيديه أكثر مما رأيت في حياتي. "أنا لا أطلب. أنا أنزع. وأنتِ… منذ لحظة رفضي، صرتِ لي." هزت رأسي بقوة، دموعي تحرق وجهي. "لا… لا أريد…" "لا يهم ما تريدين." قاطعني ببطء، أصابعه تلتف حول معصمي وتثبته فوق رأسي على المرتبة. "الرغبة شيء سأزرعه فيكِ بنفسي." حاولت الركل، لكنه ضغط بركبته على فخذي فشلت كل مقاومة. جسدي ضعيف أمامه. ضعيف لدرجة مذلة. كل ما استطعت فعله هو البكاء، بصمت مخز. انحنى حتى صارت شفتاه قرب أذني. رائحة العطر والدم والسلطة تخنقني. "اسمعي جيدًا يا لينا." صوته منخفض، قاتل في برودته. "في عالمي، كلمة لا... غير موجودة. الرجال الذين قالوها لي… دفنتهم بنفسي." شد قبضته على معصمي حتى شعرت بالعظام تئن. "سأعلمك الطاعة. وبالطريقة الصعبة إذا لزم الأمر."فيكتوريا: «سأرسل الآن الدعوة مع جون... لا تتخيل كم ستكتمل فرحتي إن حضرا.» ردّ لوكاس بنبرة هادئة تحمل رجاءً صادقًا: «يا أمي، من الأفضل أن تكون الخطوبة مقتصرة علينا فقط... وفي الزفاف ندعو الجميع.» ابتسمت فيكتوريا بخبث: «كما تريد يا بني...» في هذه الأثناء، وفي العتمة الدافئة لغرفتها، كانت ليرا تستفيق على ثقلٍ جاثم فوق صدرها، ودوارٍ يلف رأسها كحبلٍ مشدود، بينما كان جسدها المنهك يحمل الآثار الحية لليلة البارحة. بدأت تسترجع التفاصيل شيئًا فشيئًا، فدفنت وجهها في الوسادة، وصرخت بحرقة. كرهت ضعفها، كيف سمحت لشهوته القاسية أن تتملكها مجددًا. نهضت بجسدٍ خائر، ارتدت رداء نومها بلهفةٍ وذعر، وخرجت تنادي الخادمة من أعلى الدرج: «ماريت... ماريت!» أطلت ماريت باضطراب: «نعم يا سيدتي...» ليرا: «أحضري لي الليمون والسيخ، وجهزي لي حمام الساونا... سأغتسل بعد قليل.» ماريت: «حاضر...» عادت إلى غرفتها بخطوات مضطربة، وأخذت ملابسها، ثم نزلت مسرعة ودخلت الحمام. خلعت ثيابها أمام خادمتها، التي ما إن رأتها بتلك الحال، والعلامات ترتسم على جسدها الغض، حتى شهقت ذهولًا ووضعت يدها على فمها. ماريت: «أَنِمْتِ معه
كانت هي صاحبة المبادرة في تلك القُبلة؛ أغمضت عينيها مستمتعةً بتلك اللحظة، تتلذذ بطعم شفتيه، على عكسه تماماً؛ فقد وقف مشلولاً للحظات، وكأنها ألقت عليه تعويذة سحرية أفقدته صوابه، وسلبته القدرة على التفكير بجمالها الآسر وجرأتها الصادمة، حتى سقط السلاح من يده دون أن يشعر. ببطء، وضع يده على خصرها وأبعدها عنه برفق، لتفتح عينيها وتلتقي نظراتهما في صمتٍ مشحون بمزيج غريب من التحدي والارتباك. هندريك، محاولاً استعادة السيطرة: اهدئي... نيهان، بابتسامة جانبية مغرية: ألم أعجبك؟ هندريك، مبتعداً عنها بخطواته نحو النافذة ليلتقط أنفاسه: الأمر... لا علاقة له بكِ. تغيّرت ملامحها في ومضة، وكأن كلماته أصابت كبرياءها مباشرة. اقتربت منه بخطوات واثقة، واستقرت يداها بعنف على ياقة قميصه. نيهان: لا أحد يجرؤ على رفض نيهان... هندريك، مبتسماً ببرود: لي الشرف إذن أن أكون الأول. مدّ يده، وأبعد يدها عن قميصه، ثم طبع على يدها قبلة خفيفة، وكأن هدوءه المتعمد لم يكن سوى وسيلة أخرى لاستفزازها. نيهان، بتحدٍّ يضيء في عينيها: ألست خائفاً من أن أصرخ وأنادي الحراس؟ هندريك: أنا أعيش مع إنسان شطب كلمة الخوف من قاموس حيا
#اسبانيا كانت نيهان جالسة في قلب مكتب المصنع... تتجول بأنظارها الحادة هنا وهناك، متأملة أرجاء المكان بفضول هادئ. بين الفينة والأخرى، كانت تسترق النظر من النافذة الزجاجية نحو العمال المنهمكين في عملهم الشاق، ثم تعود لتستقر في مقعدها بكل ثقة. انتظرته طويلاً، لكن صبرها النابع من صلابتها المعهودة لم يتزعزع، ولم تصدر عنها أية بادرة تذمر من طول الانتظار... حتى جاء الفرج ودخل إليها بخطى بطيئة ومدروسة، لتقع عيناه فجأة على امرأة فاتنة... واقفة تبتسم بهدوء وتطالعه برزانة وثقة لا تهتز. ماتيو، بنبرة يشوبها الاعتذار: > "أعتذر عن تأخري... الطريق طويلة، وتكون وعرة ومظلمة في مثل هذا الوقت من الليل." > نيهان، وقد رفعت حاجبها بعدم فهم نظراً لتحدثه بالإسبانية، فأجابته بلهجة انجليزية: > "لا أجيد الإسبانية... لكنهم أخبروني قبل مجيئي أنك تتقن الإنجليزية بطلاقة." > ماتيو، مبتسماً بفضول: > "إذن، هل لي أن أعرف من تكون هذه الضيفة الغامضة؟" > نيهان: > "هذا لا يهم كثيراً..." > ثم مدت يدها نحوه بحركة راقية، وأردفت: > "الأهم حقاً هو سبب مجيئي إلى هذا المكان النائي." > ماتيو، و
لم تذق لينا طعم النوم الهانئ، ولا عرفت للراحة العميقة سبيلاً منذ أسبوعٍ طويلٍ انقضى بين صخب الشوارع، وزحام المحلات، والتنقل من متجرٍ إلى آخر، حتى بدا وكأنها لم تترك مكاناً في المدينة إلا وطأت قدماها عتبته. ومع ذلك، كان كل ذلك الإرهاق يتلاشى تماماً مع إشراقة كل صباح. فما إن تفتح عينيها حتى كانت تنهض بنشاطٍ غريب، وكأن جسدها لم يعرف التعب قط، ثم تسرع بخطواتٍ شغوفة نحو غرفة توأم دايمون. لقد احتلت تلك الوجوه الصغيرة والبريئة مساحةً دافئة في روحها، وتسللت محبتهما إلى قلبها دون استئذان.. وفي كل مرة كانت تهمّ بمغادرة الغرفة، ما إن تخطو بضع خطوات حتى كان أحدهما يجهش بالبكاء، وسرعان ما يلحق به الآخر، وكأنهما يعترضان بطريقتهما الطفولية على غيابها. فتتوقف لينا، وتلتفت إليهما بقلبٍ يلين على الفور. — «حسناً، حسناً... لن أذهب. ماذا تريدان مني؟» وكان يكفي أن تعود إليهما حتى يهدأ بكاؤهما شيئاً فشيئاً، فتبتسم رغماً عنها، وتحملهما بين ذراعيها، مستمتعة برائحتهما الطفولية المغرية. وأحياناً، حين يشتد بكاؤهما ولا تفلح محاولات التهدئة، كانت تضطر إلى إرضاعهما حتى يسكنا، فتظل بجوارهما طويلاً، ت
تغيّرت ملامح فلوريان في لحظة، وكأن ردّ الموظفة لم يكن مجرد رفضٍ عابر، بل استفزازًا مباشرًا لكبريائه. تقدّم خطوة إلى الأمام، واستقامت قامته، ثم قال بنبرة هادئة في ظاهرها، إلا أن الغضب كان واضحًا بين حروفها: — «أسرار مهنية؟» رفعت الموظفة حاجبها: — «نعم، سيدي. وأعتقد أنني أوضحت الأمر بما يكفي.» ضيّق فلوريان عينيه، ثم مال قليلًا نحوها: — «بل لم توضحي شيئًا سوى أنك لا تعرفين كيف تتحدثين مع النزلاء باحترام.» اختفت ابتسامتها تدريجيًا، وقالت بفتور: — «أنا أؤدي عملي وفق أنظمة الفندق، ولا أرى سببًا يدعوني لتلقّي هذا الأسلوب.» ضحك فلوريان ضحكة قصيرة خالية من المرح، ثم أخرج هاتفه من جيبه ورفعه أمامها. — «وهل تعتقدين أنني أتيت إلى هنا لأجادلك؟» ترددت الموظفة للحظة. — «سيدي... ماذا تقصد؟» — «أقصد أن مكالمة واحدة مني قد تكون كافية ليعرف المسؤول عن هذا الفندق كيف يتعامل موظفوه مع ضيوفهم.» اتسعت عيناها قليلًا، لكنها حاولت الحفاظ على تماسكها. — «أنا لم أخالف أي نظام.» أجابها فلوريان فورًا: — «ربما لم تخالفي نظامًا مكتوبًا، لكنك تجاوزتِ الحدود. كان بإمكانك رفض الإجابة بأدب، بدلًا من أن ت
قضيا الليل بأسره ملتصقين بالجدار في ركنٍ مظلم، يتوارى عن الأنظار، ويكابد فلوريان ألم الوقوف وتعب ظهره، بينما كان يرمق لينا بين حين وآخر بنظراتٍ تجمع بين العتاب والاستنكار. وأخيرًا، لم يعد قادرًا على الصمت، فتمتم بصوتٍ خافت يحمل مزيجًا من السخط والإرهاق: — «أحقًّا ارتكبتُ ذنبًا عظيمًا يستحق كل هذا العقاب؟ قدماي تكادان تنفصلان عن جسدي، وظهري يطلب العفو... لماذا استسلمتُ لأفكاركِ هكذا؟!» التفتت إليه لينا ببطء، ورفعت سبابتها أمام شفتيها محذّرةً إياه من رفع صوته، ثم أجابته هامسةً، وقد بدا عليها التركيز الشديد: — «أرجوك، كُفّ عن التذمّر واصبر قليلًا... لقد اقترب موعد سقوطهم في نومٍ عميق. إذا تحمّلتَ هذه الدقائق، فلن يضيع كل هذا العناء سُدًى.» زفر فلوريان بضيق، وأسند رأسه إلى الجدار خلفه، ثم تمتم ساخرًا: — «دقائق؟ لقد قلتِ ذلك منذ ساعات!» كادت لينا تبتسم، لكنها تماسكت سريعًا، وأشارت إليه بالصمت. — «ششش... هل تريد أن تفسد كل شيء الآن؟» — «لا، بالطبع لا... لكنني بدأت أشك في أنني سأبقى على قيد الحياة حتى نهاية هذه المغامرة.» عضّت لينا على شفتيها كي لا تضحك: — «تحمّل قليلًا ي
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج







