Se connecterابتلع لوكاس ريقه بتوتر واضح: — لم أنم طوال الليل... ولن أستطيع إرواء غليلك كما ترغبين وتستحقين. اقتربت منه أكثر، ووضعت يدها بجرأة على رجولته: — أريده أن ينتصب فحسب، وسأتكفل أنا بكل شيء... تنهد لوكاس بثقل: — لا يرضيني أبدًا أن أبقى مسترخيًا بلا أدنى مجهود مني. — حسنًا، لا بأس... على أية حال، لم يتبقَّ سوى يومين لنتزوج رسميًا ونفعل معًا كل ما يحلو لنا. تجمدت ملامح لوكاس للحظة، كأن صاعقة أصابته. — يومان؟! — أجل... أخي قرر تقديم موعد زفافنا. فهو يعلم جيدًا أننا لم نعد نطيق الابتعاد عن بعضنا أكثر من ذلك. ارتفع صوته بحدة لم يستطع كبحها: — وكيف اتخذتم هذا القرار من تلقاء أنفسكم ودون أدنى استشارة مني؟! لم تسألوني قط، وأنا المعني الأول والأخير بهذا الأمر! رمقته أناليس بنظرة تعجب: — وأين المشكلة في ذلك؟! ألم تكن متشوقًا ليوم زفافنا؟ أم أنك... لم تعد ترغب في ذلك أصلًا؟ — ليس الأمر هكذا... ولكن، على الأقل، يحق لي أن أكون أول من يعلم بأي تغيير يطرأ على موعد زفافي ومستقبلي. ساد الصمت الثقيل للحظات، قبل أن تقول أناليس بنبرة هادئة: — لا تقلق... إن كنت تفضل الموعد الأصل
دفعها بعنف حتى كادت تسقط أرضًا. تساقطت دموعها بلا توقف، هامسةً بصوت مكسور: — لماذا أنت شرير معي هكذا؟! أنا لم أرتكب ذنبًا يستحق كل هذا الظلم... صاح بها بملامح متوحشة، وقد انفلتت من خلف هدوئه المصطنع كل مشاعر الغضب المكبوتة طوال الطريق: — ذنبكما المشترك أنكما تجرأتما على خيانة أختي بكل وقاحة... توقف للحظة، ثم أضاف بنبرة قاطعة: — هو الآن سعيد مع أناليس، وسيتم زواجهما قريبًا جدًا... أما أنتِ، فستخرجين من حياتهما بشكل نهائي... في لحظة خاطفة، أخرج سلاحه الناري من خلف ظهره، ووجّهه مباشرة نحو رأسها. شهقت فيكتوريا، ثم اندفعت نحوه بجنون وتعلقت بيده المسلحة، والدموع تنهمر من عينيها: — لا! أرجوك، لا تفعل شيئًا طائشًا تندم عليه بقية عمرك... إياك وأن تؤذيها بسوء! سنبتعد عن طريقهما للأبد، أقسم لك بكل شيء مقدس... فقط اعفُ عنها، أتوسل إليك. أما إيفي، فقد أجهشت بالبكاء المرير وهي تهز رأسها بالنفي، وصوتها يخرج مختنقًا بين شهقاتها: — لا أستطيع العيش من دونه ثانيةً واحدة... الموت أرحم لي من تركه والابتعاد عنه. أمسكت فيكتوريا بيد جاد بقوة يائسة، تتوسله بنبرة مرتعشة ومحطمة: — جاد.
أما في دار الهوى، فقد كانت إيفي نائمة بعمق واطمئنان بين أحضان لوكاس، تضمها ذراعاه القويتان بقوة. كانت ليلتهما مشبعة بالرغبة والظمأ والشغف الجارف، لم يشبعا من بعضهما قط، وكلما فرغا من جولة، عادت نيران الشوق لتشتعل من جديد. بدأ لوكاس يفتح عينيه بتثاقل، متأملًا الأرجاء المحيطة به ليستعيد شريط ليلة أمس بكل تفاصيلها الحميمة. ابتسم ابتسامة خفيفة حين تسللت الذكريات إلى ذهنه، ثم أحس بتنميل في ذراعه التي تتوسدها. استدار ليراها ممددة بجانبه كالملاك، هادئة الملامح، غارقة في نوم عميق وساكن. مد يده، وأبعد خصلات شعرها المبعثرة عن وجهها، مأخوذًا بملامحها، فقد سحرته وتركته كالمجنون هائمًا بها. شرع في إيقاظها بصوت حنون: — عمري... استيقظي... ازدادت إيفي التصاقًا بصدره، متمتمة بنعاس وغنج: — دعني أنام ولو قليلًا، أرجوك... ابتسم وهو يمرر أصابعه على خصلات شعرها: — انهضي لأملأ عينيّ منكِ... كفاكِ نومًا يا روحي. فتحت عينيها ببطء شديد، لترمقه بحب متيم وغارق لا حدود له ولا قيود. ابتسم لوكاس وهو يداعب وجنتها الموردة: — كيف أصبحتِ اليوم؟ قالت بصوت يقطر دلالًا: — إنه أجمل صباح مرّ عل
عاد جاد إلى الداخل بخطى ساخطة، وتوجه بسرعة نحو جناحه لارتداء ثيابه، بينما كان الغضب يغلي في عروقه، كحمم بركانية تبحث عن منفذ. كانت ملامحه جامدة، إلا أن عينيه الحادتين كانتا تفضحان عاصفة عاتية تكاد تلتهم الأخضر واليابس. وما إن خرج من غرفته حتى تصادف في طريقه مع أناليس، التي استقبلته بابتسامة واسعة، ثم ألقت بنفسها بين أحضانه: — أخي... متى سنبدأ تحضيرات الزفاف؟ رسم جاد ابتسامة شاحبة ومصطنعة على شفتيه، واحتضنها للحظات قصيرة، بينما كان يخفي خلف ذلك القناع البارد قنبلة على وشك الانفجار في وجه العالم. قال بنبرة هادئة: — سنعجّل بعرسك يا أناليس... وبدلًا من أن يكون بعد أسبوع، سيكون بعد يومين فقط. حدقت فيه بعينين متسعتين من المفاجأة، قبل أن تهتف بسعادة لا توصف: — أحقًّا ما تقول؟! يا لها من أخبار جميلة... يجب أن أخبر لوكاس فورًا... — لوكاس أرسلته لقضاء بعض الشؤون الضرورية... وأنا من سيتكفل بكل الترتيبات واللوازم. وكل ما يُطلب منك الآن هو الراحة التامة، وعدم حمل أي همّ. هتفت وهي تكاد تطير من فرط البهجة: — أحبك كثيرًا وبلا حدود... أنت أفضل أخ في هذا العالم بأسره... سأسرع لأجه
طالعها جاد مطولًا. لم تتحرك شفتاه على الإطلاق. كانت عيناه الحادتان والباردتان تلاحقان أدق تعبير يمر على ملامح وجهها، فيما راحت ليرا تنتظر رده بفارغ الصبر وبأنفاس مقطوعة، وقلبها يخفق بجنون. وأخيرًا، انتفض جاد واقفًا، وأطلق تنهيدة قصيرة مكتومة: — لو طلبتِ مني حياتي لأعطيتها لكِ دون تفكير... لكن هذا الطلب بالذات، اطرحيه من بالك وعقلك نهائيًا. تعلقت عيناها الواسعتان به بلا تصديق: — أتقارن حياتك الثمينة بهذا الطلب الإنساني البسيط؟! اشتدت ملامحه، ورد بصرامة وحزم لا يقبل الجدال: — إمبراطوريتي خط أحمر، ولن أسامح أبدًا من تجرأ وتطاول على عملي وسلطاني. نظرت إليه ليرا بعينين ممتلئتين بالخيبة: — ألا تتحرك في قلبك ذرة واحدة من الرحمة؟! لم يجب بكلمة، وظل صامتًا كتمثال من حجر. واصلت حديثها، وقد بدأت نبرتها ترتجف بعنف من شدة الخذلان: — ألم تقل لي مرارًا إنك ندمت وستتغير إلى الأفضل؟! إذن أرني الآن برهانًا حقيقيًا على ذلك التغيير... هز جاد رأسه نافيًا، دون أدنى شفقة. — إنهم يعارضونني علنًا وجهارًا، ويسعون بكل وقاحة إلى الإطاحة بي... فكيف تطلبين مني بعد كل هذا أن أرحم أف
أما في رحاب قصر دي فالك، فقد خرجت ليرا من الجناح بخطوات متثاقلة، تاركةً جاد غارقًا في سبات عميق بعد ليلته الشاقة، بينما كانت مسحة واضحة من الضيق والقلق تستقر على ملامحها، كأن صخرةً تطبق على صدرها وتمنع عنها طعم الراحة أو الطمأنينة. جلست في أحد أركان الحديقة، وقد أسندت ظهرها إلى المقعد الخشبي، وغرقت في أمواج أفكارها المتلاطمة كبحر هائج. ومع مرور الوقت، نهض جاد هو الآخر من فراشه. كان الإرهاق والوهن لا يزالان يكسوان وجهه بوضوح، وظل ألم بطنه يزعجه بين الحين والآخر، تارةً يهدأ كجمر تحت رماد، وتارةً يعود ليكتسحه على هيئة وخزات طفيفة. خرج من غرفته، فوجد هندريك واقفًا بثبات عند عتبة الباب في انتظاره. حيّاه باحترام وهتف باهتمام: — سيدي، كيف حالك اليوم؟ أجابه جاد بصوت هادئ: — بخير... مجرد عارض صحي خفيف وسيزول. أومأ هندريك برأسه، وأخرج علبة مخملية، ومدّها إليه. — لقد أنجز الصائغ طلبك، وأرسلها للتو. أخذ جاد العلبة، ثم فتح غطاءها بفضول. وقعت عيناه الحادتان على الطوق الفريد الماثل بداخلها، فتأمله للحظات طويلة في صمت مطبق. كان أجمل وأعظم بكثير مما رسم في مخيلته. جاء مطابق
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس







