ログイン✨ ألمانيا أما في قصر دايمون، فقد كانت لينا تجلس فوق حافة السرير، تضم بين يديها فنجانًا باردًا من الشاي، ولم تعد تتذكر كم مرّ من الوقت منذ أن ارتشفت منه آخر رشفة. انطفأت سخونته منذ زمن، تمامًا كما خبا هدوؤها تدريجيًا مع كل دقيقة تأخر فيها دايمون عن العودة. منذ ساعات، وهي تراقب عقارب الساعة المعلقة على الحائط، تحصي الدقائق التي تمر ببطءٍ يثير أعصابها. وكلما تسللت خطوات إلى الممر، رفعت رأسها نحو الباب بأملٍ خاطف، قبل أن يخيب ظنها مجددًا حين تكتشف أنها ليست خطواته. حاولت طوال الوقت إقناع نفسها بأنه بخير، وأن تأخره لا يعني بالضرورة أن شيئًا سيئًا قد حدث له، لكن القلق كان أقوى من محاولاتها. فهي تعرف جيدًا طبيعة العالم الذي ينتمي إليه زوجها، وتعرف أن الخطر لا يحتاج إلى موعد مسبق كي يعترض طريقه. وحين انفتح الباب أخيرًا، رفعت رأسها بسرعة. دخل دايمون بخطوات هادئة، وأغلق الباب خلفه قبل أن يرفع عينيه إليها. كان يبدو متعبًا، لكن ما استوقفها حقًا تلك النظرة القاتمة التي استقرت في عينيه، وكأن ذهنه ما زال عالقًا في مكان ٱخر. وضعت الفنجان على الطاولة القريبة، ونهضت من مكانها. — هل تدرك كم السا
راحت كاترينا تتخبط بين يديه، تحاول انتزاع نفسها من قبضته، وقد بدأت تشعر بأن الموت يقترب منها فعلًا. لم تعد ترى في عينيه سوى غضب أعمى، ولم يعد في ملامحه ما يمكن أن تتعلق به من أمل. وحين اشتد اضطراب أنفاسها، أطلقها فجأة. هوت إلى الأرض، وهي تسعل بعنف، ثم راحت تتنشق الهواء بشراهة، واضعة يدها على عنقها، بينما انهمرت دموعها دون توقف. أما جاد، فوقف فوقها يراقب انهيارها بوجه جامد، ثم قال بصوت لا يحمل ذرة من التسامح: — لا تظني أن الأمر سينتهي بهذه السهولة... فما زلت أريد أن أعرف أين هي ابنة عمي الحقيقية، ولماذا حِيكَت هذه الخديعة الدنيئة من الأساس! رفعت كاترينا رأسها نحوه، وقد امتزج الدم بدموعها، ثم أخذت تزحف باتجاه قدميه بكسرة وذل. تشبثت بساقيه، وأجهشت بالبكاء، متوسلة إليه أن يمنحها فرصة أخيرة. — اغفر لي... أرجوك، سامحني! أردت البوح لك مرارًا وتكرارًا، لكن الخوف كان يمنعني في كل مرة! لم أكن أعرف كيف أخرج من هذه الكذبة بعدما تورطت فيها، ولم أملك الشجاعة لمواجهتك... نظر إليها طويلًا، وقد ارتسم على وجهه اشمئزاز واضح. — لو جئتِني بالصراحة والصدق منذ البداية، لرأيتِ مني وجهًا آخر! لكنكِ ا
اتسعت عينا كاترينا رعبًا، وشعرت وكأن الأرض قد انسحبت من تحت قدميها. تسللت قشعريرة باردة عبر جسدها، كأنما أُهرق عليها سطل من الماء المثلج، بينما أخذت تحدق في وجهه بصدمة. — ماذا تقصد يا جاد؟! كان التظاهر بالجهل كفيل بإشعال ما تبقى من غضبه. لم يعد قادرًا على تحمّل وقاحتها، وشعر بأن آخر ذرة من سيطرته على أعصابه تتبخر. صفعها صفعة مدوية بكامل قوته، حتى ارتد رأسها إلى الجانب. شهقت كاترينا، ورفعت يدها إلى وجهها بذهول، لكن جاد لم يمنحها فرصة لاستعادة توازنها؛ عاجلها بصفعة ثانية، ثم ثالثة أشد ضراوة، حتى فقدت قدرتها على الوقوف وسقطت على الأرض. راحت تزحف إلى الخلف مذعورة، تحدق فيه بعينين متسعتين، وكأنها ترى أمامها رجلًا آخر لا تعرفه. وضعت يدها على أنفها، لتجد الدم الغزير ينساب بين أصابعها بلا توقف، فيما أخذت وجنتها تتورم وتنتفخ سريعًا. رفعت عينيها المملوءتين بالدموع نحوه، وقد اختلط الألم الجسدي بالرعب الذي اجتاح أعماقها. لم ترَ جاد بهذه الوحشية من قبل، ولم تتخيل أن الرجل الذي حاولت التعلق به والتقرب منه يمكن أن يتحول إلى هذا القدر من القسوة. لكنها لم تدرك أنها هي من أيقظت الشيطان الذي ظل
⚡قصر دي فالك كان العشاء يُقدَّم في أجواء يخيّم عليها صمت ثقيل، جلس أفراد العائلة حول المائدة، لكن أحدًا منهم لم يكن حاضرًا بروحه؛ فالأفكار كانت تنهش صدورهم، والتوتر الذي خلّفته الأحداث الأخيرة ألقى بظلاله على كل زاوية من زوايا المكان. أما جاد، فكان يجلس في صدر المائدة بملامحه الجامدة، كان ثباته ورزانته في مثل هذه الظروف أمرًا يُدرَّس؛ فلم يُبدِ أي رد فعل طائش، ولم يسمح لغضبه بأن يقوده إلى قرار متسرع، بل ترك الأمور تسير بهدوء ظاهر، بينما كان عقله يعمل بلا توقف، يرتب أفكاره، ويعيد تقييم الأحداث، ويرسم خططه القادمة بدقة رجل اعتاد أن يسبق خصومه بخطوات. حوّل نظره نحو أناليس، التي كانت تجلس إلى جواره وتأكل ببطء شديد، بالكاد ترفع ملعقتها إلى فمها. لاحظ شحوب وجهها وشرود عينيها، فمد يده ووضعها برفق على كتفها. — هل أنتِ بخير؟ رفعت أناليس عينيها إليه، وحاولت أن ترسم ابتسامة صغيرة على شفتيها، لكنها بدت باهتة. — أنا بخير... لا تشغل بالك بي. لم تستطع نيهان التحمل، فرفعت رأسها نحوه بانفعال واضح. — وأنت؟! ما هو شعورك؟! ظل جاد ينظر إليها بصمت، ثم رفع كأسه بهدوء، وارتشف منه رشفة صغيرة قبل أن ي
✨ ألمانيا وصلوا أخيرًا، بعد ساعاتٍ طواها الطريق، وطأت قدما ليرا عتبة ذلك القصر الذي طالما قطعت على نفسها عهدًا بألّا تعود إليه يومًا، مهما عصفت بها الأقدار وضاقت بها السبل... توقفت عند المدخل للحظات، تتطلع إلى الأرجاء الشاسعة بعينين مثقلتين بالدموع، بينما كان قلبها يعتصر ألمًا، وكأن يدًا خفية تطبق عليه شيئًا فشيئًا. قطع سكون المكان صوت أنثوي دافئ. — أهلًا بكِ... لقد نوّرتِ الدار بعودتكِ يا ابنتي. لم تجد ليرا في نفسها القدرة على الرد، واكتفت بخفض رأسها، فيما كانت أصابعها تتشابك أمام جسدها في حركة عصبية تكشف عن اضطرابها. استدار ألكسندر نحو أم إيريك، وقال بجفاء: — حمّميها، وأطعميها، وأعيدي إليها عقلها الذي يبدو أنها أضاعته هناك! ارتجف قلب ليرا، ورفعت رأسها إليه بسرعة، وقد انغرست كلماته في صدرها كخناجر باردة. — أبي... قاطعها بنبرة صارمة لا تقبل النقاش، وهو يرمقها بنظرات قاسية. — الزمي غرفتكِ، ولا تخرجي منها البتة! ولا أريد لصوتكِ أن يتردد هنا، هل فهمتِ؟! تنهدت أم إيريك، ثم ألقت نظرة عابرة على ألكسندر قبل أن تعود إلى ليرا، محاولةً احتواء الموقف قبل أن يزداد سوءًا.
كانت الأمواج تعيق حركته، والماء البارد ينهش جسده، لكنه لم يتوقف ولو للحظة واحدة. وفي تلك الثواني الفاصلة بين الحياة والموت، اكتمل انقشاع الضباب عن عقله. عادت ذاكرته بأكملها، ناصعة وجلية، بكل تفاصيلها وذكرياتها ومشاعرها. تذكر حياته مع إيفي، وبدايات حبهما، واللحظات التي جمعتهما. ثم لمحها! كان جسدها يهبط ببطء، وقد بدأت مقاومتها تخور، بينما أخذ وعيها يتلاشى. اندفع نحوها، ومد ذراعيه، وقبض عليها بقوة. «تمسكي بي يا إيفي... أرجوكِ! لن أترككِ، أتسمعينني؟ لن أترككِ مرة أخرى!» راح يشق طريقه نحو السطح، يصارع الأمواج بكل ما بقي في جسده من قوة. واصل السباحة حتى بلغا شاطئ البر، وهناك حملها بين ذراعيه، وخرج بها من الماء مترنحًا، قبل أن يضعها على الرمال. ربت على وجنتيها مذعورًا. «إيفي! حبيبتي، افتحي عينيكِ! أرجوكِ، انظري إليّ!» لم تجبه. كان وجهها شاحبًا، وجسدها ساكنًا، وشعرها المبتل ملتصقًا بوجنتيها. انحنى فوقها، يناديها مرة بعد أخرى، وقد امتزجت دموعه بماء البحر. «إيفي، لا تفعلي هذا بي! لقد وجدتكِ أخيرًا... لا يمكنني أن أفقدكِ الآن!» حاول مساعدتها على استعادة تنفسها، مستنجد
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ