جسور رافين
في عالمٍ لم تكن فيه الثروة مجرد أرقام في الحسابات المصرفية، بل اسمًا يفتح الأبواب المغلقة ويجعل الآخرين يعيدون حساباتهم قبل اتخاذ أي قرار، برزت ثلاث عائلات يعرفها مجتمع المال والأعمال جيدًا.
آل رافين.
آل ڤاليري.
وآل دي ماركو.
لكن وضع العائلات الثلاث لم يكن متساويًا.
كانت عائلة ڤاليري من العائلات الثرية المعروفة، وقد بنت الجزء الأكبر من ثروتها عبر تجارة الذهب. امتلكت متاجر ضخمة، معامل ومخازن، وتعاملت مع أسماء كبيرة داخل البلاد وخارجها.
عاشت العائلة حياة مترفة في فيلا واسعة، دون مبالغة في الاستعراض.
الأب والأم، وابنتهما روز.
أما ابنهما يوسف، الأخ الأكبر لروز، فقد كان متزوجًا ويعيش في منزله الخاص.
وعلى الرغم من ثراء آل ڤاليري…
فإن ثروتهم لم تكن تساوي شيئًا تقريبًا إذا ما قورنت بثروة آل رافين.
فاسم رافين لم يعد مجرد اسم عائلة ثرية.
كان إمبراطورية.
شركات واستثمارات وفنادق وعقارات ومشاريع ضخمة موزعة في عدة دول، ونفوذ هائل جعل الوصول إلى جسور رافين نفسه حلمًا لكثير من رجال الأعمال.
وكان آلاف الشباب يتمنون مجرد فرصة عمل داخل إحدى شركاته.
أما آل دي ماركو، فكانوا بدورهم من العائلات الثرية المعروفة.
ومن هذه العائلة جاء ريان دي ماركو.
خطيب روز.
⸻
لم تكن خطبة روز وريان قصة حب.
ولم تبدأ بنظرة أولى ولا لقاء رومانسي.
كانت ترتيبًا عائليًا واضحًا.
عائلتان تجمعهما المصالح والعلاقات، فوجد الكبار أن ارتباط ابنيهما أمر مناسب.
وافقت روز.
ووافق ريان.
وانتهى الأمر.
لم تكن تحبه.
ولم يكن بينهما ذلك النوع من المشاعر الذي تتحدث عنه الروايات.
كان خطيبها، وستتزوجه في وقت ما، هذا كل ما في الأمر.
أما ريان، فكان شابًا طويل القامة، أبيض البشرة، أشقر الشعر، شديد الأناقة.
وسيمًا…
ويعرف ذلك جيدًا.
بل كان يعرف كل امتياز حصل عليه في حياته، ويحرص على تذكير الآخرين بها.
متغطرس.
وقح حين يريد.
مدلل منذ طفولته.
ويملك رغبة مستمرة في إثبات أنه الأفضل في كل مكان يدخله.
وإن ظهر رجل يملك أكثر منه، أو ينجح أكثر منه، تحولت المسألة في رأسه إلى منافسة شخصية.
ولهذا تحديدًا…
كان جسور رافين يثير جنونه.
لم يكن ريان يطيقه.
كان يقارن نفسه به باستمرار.
يتابع مشاريعه.
يتحدث عن أخطائه.
ويبحث عن أي فرصة للتقليل من شأنه أمام الآخرين.
أما المشكلة التي كانت تزيد غضبه؟
أن جسور…
لم يهتم يومًا.
لم يعتبر ريان منافسًا.
لم يرد على تعليقاته.
لم يدخل معه في حرب كلمات.
وأحيانًا كان يمر بجانبه في المناسبات وكأن الرجل غير موجود أصلًا.
وكان ذلك بالنسبة لريان أسوأ من العداوة.
⸻
أما جسور رافين…
فكان مختلفًا.
في الثانية والثلاثين من عمره، وبطول بلغ مئة وسبعة وتسعين سنتيمترًا، كان حضوره الجسدي وحده كافيًا ليجعله واضحًا في أي مكان يدخله.
طويلًا بصورة لافتة.
ضخم البنية.
عريض الكتفين إلى درجة أن كتفيه كانا يبدوان، أمام جسد روز الصغير، كأنهما يساويان ثلاثة أضعاف عرض كتفيها.
بشرته سمراء.
شعره أسود كثيف.
لحيته داكنة ومرتبة بعناية دائمة.
أما ملامحه فكانت حادة، ثابتة، تحمل صرامة طبيعية حتى عندما يكون مرتاحًا.
لكن أكثر ما ميّزه لم يكن شكله.
بل طباعه.
كان كتومًا.
هادئًا إلى درجة مستفزة.
مسيطرًا دون أن يبذل جهدًا لإظهار سيطرته.
لا يحب الشرح الطويل.
ولا يرى ضرورة لأن يتحدث إذا كانت جملة واحدة تكفي.
لم يكن يسعى إلى إعجاب الموجودين، ولا يهتم كثيرًا بما يقال عنه.
كل ما كان يريده في حياته اليومية هو أن يعمل دون إزعاج، يعود إلى منزله، يأكل ما يريد، يجلس حيث يريد، وينعم بالراحة.
لكن الآخرين كانوا مصرّين دائمًا على إقحامه في معاركهم.
كان الابن الوحيد لعائلة رافين.
يعيش مع والده ووالدته في قصر عائلي ضخم، تحيط به مساحات واسعة من الحدائق، وتنتشر فيه الحراسة والموظفون.
وعلى الرغم من كل ما يملكه، لم يكن من الرجال الذين يستعرضون ثروتهم في كل دقيقة.
لم يكن مضطرًا لذلك.
اسمه يفعل المهمة عنه.
⸻
أما روز ڤاليري…
فكانت على النقيض منه تقريبًا في كل شيء.
لم يتجاوز طولها مئة وثلاثة وخمسين سنتيمترًا.
صغيرة القامة، نحيفة، بجسد متناسق بعناية.
كانت سمراء قليلًا، ببشرة دافئة ووجه شديد النعومة.
شعرها طويل، كثيف ومتموج، ينسدل إلى أسفل ظهرها.
عيناها كبيرتان، تحيط بهما رموش طويلة وكثيفة، وخداها يحملان حمرة طبيعية واضحة.
أما شفتاها فكانتا ممتلئتين، تزيدان ملامحها نعومة.
كان وجهها يجعل من يراها للمرة الأولى يتوقع فتاة هادئة ورقيقة الطباع.
وذلك كان خطأً فادحًا.
كانت روز عنيدة.
شديدة الاعتزاز بنفسها.
لا تحب أن يأمرها أحد.
وإذا غضبت، نسي الجميع سريعًا أن طولها لا يتجاوز المئة والثلاثة والخمسين سنتيمترًا.
وكان هناك رجل واحد تحديدًا تكرهه روز كرهًا أعمى.
جسور رافين.
لكنها لم تكرهه فقط لأن عائلته على خلاف مع عائلتها.
كان الأمر شخصيًا.
بسبب يوسف.
أخيها.
⸻
قبل عدة أشهر، التقى يوسف بجسور في مناسبة عامة.
مد يوسف يده ليسلم عليه.
لكن جسور لم يرد السلام.
مر من أمامه ببساطة.
وأمام الموجودين جميعًا.
شعر يوسف بالإهانة.
فقال خلفه بغضب:
— مغرور… قاسٍ وفظ.
توقف جسور.
عاد إليه.
ثم…
صفعه أمام الملأ.
صفعة واحدة.
لكنها كانت كافية.
وصل الخبر إلى روز في الليلة نفسها.
ومنذ ذلك اليوم، تحول نفورها القديم من عائلة رافين إلى كراهية شخصية لجسور.
لم تهتم لماذا لم يرد السلام.
ولم تهتم بما حدث قبل ذلك أو بعده.
كل ما بقي في رأسها صورة أخيها وقد أُهين أمام الناس.
ومن يومها، إذا ذُكر جسور أمامها، تغير وجهها.
وإذا ظهر على شاشة التلفاز، أبدلت القناة.
وإذا مدحه أحد أمامها، وجد نفسه في نقاش لم يطلبه.
بالنسبة إلى روز، كان جسور رافين رجلًا متكبرًا، قاسيًا، يعتقد أن نفوذه يعطيه الحق في معاملة الآخرين كما يريد.
أما جسور؟
كان يعرف يوسف.
ويعرف عائلة ڤاليري.
ويكره العائلة أصلًا.
لكن روز نفسها؟
لم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا.
⸻
في صباح ذلك اليوم، جلس جسور في الطابق الأخير من مقر مجموعته.
أمامه مشروع عمل عليه قرابة عامين.
مشروع ضخم جدًا، تبلغ قيمته مئات الملايين، ويضم فنادق ومنتجعات ووحدات سكنية ومركزًا تجاريًا ومرسى خاصًا على الساحل.
كانت المفاوضات شبه منتهية.
بقي التوقيع فقط.
إلى أن دخل مساعده مسرعًا.
— سيد رافين.
رفع جسور عينيه.
— ماذا؟
وضع المساعد الملف أمامه.
— المشروع انتقل إلى مجموعة دي ماركو.
ساد الصمت.
نظر جسور إلى الأوراق.
ثم رفع عينيه.
— ريان؟
— أجل.
لم يتغير وجه جسور.
كان يعرف قدرات مجموعة دي ماركو جيدًا.
ويعرف أكثر من أي شخص آخر أن ريان لا يستطيع إكمال مشروع بهذا الحجم.
أخذ هاتفه واتصل به.
⸻
كان ريان جالسًا في مكتبه عندما رن هاتفه.
نظر إلى الاسم.
ابتسم.
— أسرع مما توقعت.
أجاب.
قال جسور مباشرة:
— لماذا؟
استند ريان إلى كرسيه.
— أردت رؤيتك مهانًا ولو لمرة في السوق.
ساد الصمت.
ثم قال جسور:
— لدي مفاجأة لك.
— ماذا؟
— لن أستعيد المشروع.
اختفت ابتسامة ريان.
— ماذا؟
— أجل، لن أستعيده.
نهض ريان.
— ماذا تقصد؟
قال جسور:
— ما سمعته.
ثم أضاف بهدوء:
— بعد بضعة أيام فقط ستعلن إفلاسك.
تغير وجه ريان.
— جسور…
أبعد جسور الهاتف عن أذنه.
— جسور، جسور، انتظر! لا تغلق!
ابتسم جسور.
ثم أغلق المكالمة.
وضع هاتفه في جيبه.
وقف.
أخذ مفاتيح سيارته وغادر مكتبه.
وبعد دقائق، كان يقود سيارته بنفسه عبر شوارع المدينة.
لم يعد إلى قصر رافين.
ولم يتجه إلى أي شركة من شركاته.
كانت وجهته مختلفة تمامًا.
فيلا آل ڤاليري.
منزل روز.
⸻
كانت روز في المنزل حين سمعت صوت سيارة تتوقف في الخارج.
لم تهتم.
حتى دخل أحد العاملين وقال:
— آنسة روز…
رفعت رأسها.
— ماذا؟
تردد قبل أن يقول:
— السيد جسور رافين وصل.
تجمدت روز.
ظنت للحظة أنها سمعت الاسم خطأ.
— من؟
— جسور رافين.
وضعت ما في يدها جانبًا ونهضت فورًا.
اتجهت نحو النافذة.
وفي الخارج، توقفت سيارة سوداء أمام مدخل الفيلا.
فُتح بابها.
وخرج جسور.
رأته روز للمرة الأولى أمامها.
لا عبر شاشة.
ولا في صورة.
بل أمام منزلها.
رفعت رأسها أكثر حتى تستطيع رؤية وجهه من النافذة بسبب طوله.
تصلبت ملامحها فورًا.
أما جسور فأغلق باب سيارته، وضع مفاتيحه في جيبه، وبدأ يتجه نحو المدخل بهدوئه المعتاد.
لم يكن يعرف أن روز تراقبه.
ولم يكن يعرف أنها تكرهه أصلًا.
أما هي…
فلم يكن لديها سوى سؤال واحد:
ما الذي يريده جسور رافين من عائلتها
توقفت سيارة جسور أمام مدخل الفيلا.
لم ينتظر أن يفتح له أحد باب السيارة، ولم يأتِ برفقة حرس أو مساعدين.
جاء وحده.
صعد الدرجات المؤدية إلى الباب، وما إن وصل حتى فتح له أحد العاملين.
— تفضل، سيد رافين.
دخل جسور.
كانت الفيلا فخمة وأنيقة، يغلب عليها الرخام الفاتح والتفاصيل الذهبية التي تعكس طبيعة عمل العائلة، لكن عينيه لم تتجولا في المكان طويلًا.
قال بهدوء:
— السيد ڤاليري موجود؟
— أجل، سيدي. سأخبره بوصولك.
وقبل أن يتحرك العامل، جاء صوت من أعلى الدرج:
— لا داعي.
رفع جسور رأسه.
كانت روز واقفة هناك.
يدها على الدرابزين، وعيناها مثبتتان عليه بجمود.
للحظة لم يعرف من تكون.
نظر إليها كما ينظر إلى أي شخص يقابله للمرة الأولى.
أما هي فكانت تحدق في الرجل الذي كرهته طويلًا.
ولم يساعد حضوره على تغيير شيء.
كان أضخم مما بدا في الصور.
طويلًا بصورة جعلتها، رغم وقوفها أعلى الدرج، تشعر أنها لا تزال تنظر إلى رجل يملأ المكان بجسده. كتفاه عريضان، بشرته سمراء، لحيته مرتبة بعناية، وملامحه الحادة ساكنة بطريقة استفزتها فورًا.
لا توتر.
لا حرج من دخوله منزل عائلة يعاديها.
ولا حتى فضول ظاهر.
فقط هدوء.
نزلت روز الدرج.
ظل جسور مكانه.
وعندما وصلت إلى آخر درجة، ظهر الفرق بينهما بصورة مضحكة تقريبًا.
اضطرت إلى رفع رأسها كثيرًا لتنظر إلى وجهه.
أما جسور فخفض عينيه إليها.
قالت:
— ماذا تريد؟
عقد حاجبه قليلًا
ونظر إليها من علٍ.
— والدك.
ضيّقت روز عينيها.
— ماذا تريد منه؟
أجابها ببرود:
— ليس من شأنك.
شهقت من وقاحته، ثم اقتربت منه وارتفعت على أطراف قدميها محاولة أن تقلل فرق الطول الهائل بينهما.
كانت ترتدي فستانًا قصيرًا ضيقًا، كُتبت على صدره عبارة:
SHUT ME UP
أنزل جسور عينيه إليها للحظة.
إلى قامتها القصيرة، وملامحها الناعمة، ثم إلى العبارة المكتوبة على فستانها.
بدا الفستان مضحكًا عليه أكثر مما بدا جريئًا؛ فالفتاة التي تقف أمامه وتتحداه بالكاد وصل رأسها إلى صدره.
رفع عينيه إلى وجهها مجددًا وقال بوقاحة:
— لا أريد أن أتكلم مع قاصر بوقاحة، ثم أجعلك تبكين. اغربي عن وجهي الآن.
اتسعت عينا روز.
— أنا لست قاصرًا! أنا روز، ابنة آل ڤاليري.
سألها ببرود:
— لأيّهم؟
فتحت فمها.
ثم أغلقته.
حدقت فيه بعدم تصديق.
هل يفعل ذلك متعمدًا؟
بالتأكيد يفعل.
لم تستطع روز كتم غضبها أكثر.
مدت يدها، أمسكت معصمه الكبير، ثم قرصته بكل قوتها.
خفض جسور عينيه إلى يدها.
ثم رفعهما إلى وجهها.
سحبت روز يدها فورًا.
لم يقل شيئًا.
تقدم نحوها خطوة.
تراجعت روز خطوة.
تقدم ثانية.
فتراجعت.
— ماذا تفعل؟
لم يجب.
خطوة أخرى منه قابلتها خطوة منها، حتى ارتطم ظهرها بالحائط.
توقفت.
أما جسور فوقف أمامها.
رفعت رأسها إليه، بينما أخذ هو ينحني بسبب فرق الطول الكبير بينهما، حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها.
قالت روز بعناد:
— ابتعد.
لكنه رفع سبابته ووضعها برفق فوق شفتيها.
تجمدت.
نظر مباشرة إلى عينيها الكبيرتين، ثم قال بصوت منخفض:
— هسسس…
ازدادت حدّة نظرتها.
ظهرت على فمه ابتسامة صغيرة مستفزة.
— لا أريد أن تكون عروستي ثرثارة.
توقفت روز عن التنفس لثانية.
ثم أبعدت إصبعه عن شفتيها بعنف.
— عروستك؟
أما جسور فاستقام بكامل طوله وكأن ما قاله كان أمرًا عاديًا تمامًا.
وعندها فقط فهمت روز شيئًا واحدًا:
جسور رافين لم يأتِ إلى منزل آل ڤاليري من أجل صفقة عادية
.
ارتد وجه جسور قليلًا إلى الجانب.
قالت وهي تشتعل غضبًا:
— لا تقترب مني بيديك القذرتين! أنا مخطوبة، يا مقرف.
ظل جسور ساكنًا للحظة.
بدت الصدمة واضحة في عينيه، وكأنه احتاج ثانية كاملة ليستوعب أن أحدًا تجرأ فعلًا وصفعه.
ثم، على عكس ما توقعت، ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة.
ضحك.
أمسك معصميها وثبتهما بيد واحدة فوق الحائط.
— لم يسبق لأحد أن صفعني.
اقترب قليلًا.
— حتى عندما كنت طفلًا.
ثم نظر إلى جسدها الصغير أمامه وضحك مجددًا.
— والآن أتلقى أول صفعة في حياتي من فتاة لا يتجاوز وزنها خمسةً وأربعين كيلوغرامًا.
حاولت روز تحرير يديها.
— توقف يا مقرف! ابتعد عني!
ركلت قدمه.
اشتدت قبضته على معصميها، لكنه بقي يبتسم باستفزاز.
— أهذه كانت صفعة أصلًا؟ ظننتك تربتين على خدي.
اشتعل وجهها.
— اتركني!
— أنتِ هشة للغاية يا روز
ازدادت أنفاسها اضطرابًا.
اقترب جسور من وجهها، حتى لم تعد تفصل بينهما إلا مسافة صغيرة جدًا.
ثم قبّل شفتيها بعنف.
قبلة طويلة جعلت روز تحاول الكلام والابتعاد عنه، لكنه عاد وقبّلها مرة أخرى.
ثم أخرى.
وأخرى.
كانت تحاول الإفلات منه، إلى أن ترك معصميها وأمسك بخصرها وأكمل تقبيلها.
وللحظة…
توقفت روز عن المقاومة.
اختلط غضبها بارتباك لم تفهمه، وقالت بصوت ناعم:
— جسور… اتركني.
لكنه قبّلها من جديد.
هذه المرة لم تدفعه.
أغمضت عينيها دون أن تشعر، وبقيت ساكنة وهو يقبّلها.
وما إن لاحظ جسور ذلك…
حتى توقف.
ابتعد عنها فورًا.
فتحت روز عينيها ببطء، مرتبكة، ووجنتاها تشتعلان.
نظر إليها جسور لثوانٍ.
ثم ضحك عليها.
وهنا فقط استوعبت روز أنها، قبل لحظات، كانت تصفع الرجل نفسه الذي أغمضت عينيها الآن أثناء تقبيله.
وكانت ابتسامته المستفزة تخبرها بأنه لاحظ كل شيء
اقتربت روز منه من جديد، والغضب يشتعل في عينيها، ورفعت يدها محاولة صفعه مرة أخرى.
لكن جسور لم يتحرك هذه المرة.
نظر إلى يدها المرفوعة، ثم إلى عينيها، وقال باستفزاز:
— اصفعيني إذًا مرة أخرى.
توقفت يدها في الهواء.
اقترب منها قليلًا وأضاف:
— أريد تقبيلك من جديد.
اتسعت عينا روز من وقاحته.
— أقفل فمك يا مقرف، يا متحرش!
رفع جسور حاجبه.
ثم ظهرت تلك الابتسامة المستفزة على وجهه من جديد.
— غريب.
— ما الغريب؟!
مال برأسه قليلًا وقال:
— الآن أصبحتُ متحرشًا، وقبل قليل…
توقف متعمدًا، وكأنه يستمتع بانتظار ردة فعلها.
احمر وجه روز فورًا.
أكمل بوجه بارد :
— أغمضتِ عينيك وقلتِ «جسووور» بنعومة تامة.
— لم أقلها هكذا!
— بل قلتِها.
— كاذب!
— وكنتِ مغمضة العينين أيضًا.
شهقت روز بغضب ورفعت يدها من جديد.
نظر جسور إلى كفها، ثم عاد إلى عينيها، واتسعت ابتسامته.
— تفضلي.
وأشار إلى خده.
— اصفعيني.
ترددت للحظة.
فقال بهدوء مستفز:
— لكن لا تلوميني بعدها إن اقتربت منك مجددًا.
أنزلت روز يدها فورًا.
فضحك جسور.
وهذا تحديدًا جعلها تندم لأنها لم تصفعه
سمع جسور صوت رؤوف من نهاية الرواق:
— رافين في منزلي؟ ماذا تريد؟
التفت جسور نحو مصدر الصوت.
كان رؤوف واقفًا عند مدخل الصالة، ينظر إليه بوجه متجهم. أما روز فبقيت خلف جسور، لا تزال غاضبة مما حدث بينهما قبل لحظات.
اقترب جسور من رؤوف بخطوات هادئة، ثم قال:
— إلى المكتب يا ڤاليري.
عقد رؤوف حاجبيه من طريقته الآمرة، لكنه لم يجادله.
استدار واتجه نحو مكتبه، وتبعه جسور.
دخل رؤوف أولًا، ثم أشار إلى المقعد المقابل لمكتبه.
— اجلس.
بقي جسور واقفًا.
— لم آتِ كي أجلس.
استدار رؤوف إليه.
ساد صمت ثقيل بين الرجلين قبل أن يقول جسور:
— أنت تعلم بأنني نزيه، وبأنني لا أنصب فخاخًا ولا ألعب ألاعيب.
ثبت عينيه عليه.
— ومع ذلك وافقت على سرقة صهرك مشروعًا عملت سنتين دون توقف عليه.
تنفس رؤوف بعمق.
— جسور، أنا أخبرته بأنه لا يستطيع المجازفة—
قاطعه جسور قبل أن يكمل:
— أنا أعلم حق المعرفة بأنه سيأتي إليك طالبًا المال، لأنني لن أستعيد المشروع.
تغيرت ملامح رؤوف قليلًا.
أما جسور فأكمل بنفس الهدوء التام:
— ريان يحاربني منذ خمس سنوات.
بدأ يسرد أفعاله وكأنه يتحدث عن أمور لا تخصه.
— حاول تلفيق العديد من التهم لي، وحاول تدمير شركاتي مرات لا تُحصى ولا تُعد، وأنا أتجاهله.
صمت للحظة.
— حتى إنه جعل ابنك يوسف يتحرش بسكرتيرتي الخاصة، ما جعلني أصفع ابنك.
اشتد فك رؤوف عند ذكر يوسف، لكن جسور لم يتوقف.
— وزاد على ذلك نشر إشاعات كاذبة كالأطفال هنا وهناك.
كان جسور يتحدث بهدوء تام.
لا غضب.
لا صراخ.
ثم قال:
— والآن أخذ مشروعًا كان سيغير اقتصاد البلد بأكمله.
نظر مباشرة إلى رؤوف.
— لكنني لن أستعيد المشروع.
توقف للحظة.
— عليه أن يفلس.
ظل رؤوف صامتًا.
قال جسور:
— وإن ساعدته، ستفلس أيضًا.
ثم اقترب خطوة من المكتب.
— ولكنني على علم بأنك ستساعده، لذا هذا عرضي لك.
انتظر رؤوف.
قال جسور بوضوح:
— أريد تدميره.
صمت.
— أريد شركته.
ثم أضاف ببرود:
— وأريد ابنتك.
تجمد رؤوف.
— مـ… ماذا؟ أجننت؟!
قال جسور:
— لا. أريد الزواج من ابنتك.
نهض رؤوف بعنف.
— مستحيل! هي مخطوبة بالفعل.
بقي جسور في مكانه، ثم قال بهدوء مستفز:
— لا يمكنك مقارنة جسور به، أليس كذلك؟
حدق رؤوف فيه بغضب.
أما جسور فلم ينتظر جوابًا.
استدار واتجه نحو الباب.
وقبل أن يفتحه، توقف.
— أول تحذير.
التفت برأسه قليلًا.
— إن لم توافق بحلول يومين، ستفلس نهائيًا. لن يكلفني إفلاسك سوى اتصال واحد.
فتح الباب.
وأغلقه خلفه وخرج.
بقي رؤوف واقفًا في منتصف المكتب، لا يتحرك.
ثلاث جمل فقط ظلت تدور في رأسه:
أريد تدميره.
أريد شركته
واريد ابنتك