Home / الرومانسية / حين تفضح اسرار الحب / الفصل الثاني :لحظة الاتهام الأولى

Share

الفصل الثاني :لحظة الاتهام الأولى

last update publish date: 2026-04-25 00:56:37

لم تتحرك فرح فور انتهاء المكالمة، بل بقيت واقفة في مكانها، الهاتف لا يزال بين يديها، ونظرها معلق في الفراغ كأنها تحاول استيعاب ما قيل لها لا على مستوى الكلمات فحسب، بل على مستوى ما تحمله من دلالات خفية، لأن الجملة التي أُلقيت عليها بذلك الهدوء—أنها ستصبح المتهمة الأولى إن غادرت—لم تكن مجرد تهديد عابر يمكن تجاهله أو اعتباره محاولة ترهيب فارغة، بل بدت وكأنها حقيقة مرتبة مسبقًا، حقيقة لا تحتاج إلا إلى خطوة واحدة خاطئة كي تتحقق، ولهذا لم يكن الصمت الذي خيّم بعد انقطاع الاتصال مجرد فراغ، بل كان مساحة ممتلئة بالاحتمالات، وكل احتمال فيها يقود إلى نتيجة أكثر تعقيدًا من سابقتها، بينما كانت ندى تراقبها بقلق متزايد، قبل أن تقول أخيرًا، بصوت لم يعد يخفي توتره: "فرح، لا يمكنكِ الوقوف هكذا، ماذا سنفعل الآن؟ هل سنبقى هنا أم سنغادر؟ لا يمكننا الانتظار دون قرار"، رفعت فرح نظرها إليها ببطء، ولم تجب فورًا، بل أخذت نفسًا عميقًا، كأنها تحاول ترتيب الفوضى التي بدأت تتشكل داخلها، ثم قالت بنبرة هادئة لكنها مشدودة: "المشكلة ليست في البقاء أو المغادرة، بل في نتيجة كل خيار، إن غادرنا، فنحن نضع أنفسنا في موقع الهاربين، وإن بقينا، فنحن ننتظر أن نجد أنفسنا في موقع المتهمين، وفي الحالتين نحن داخل دائرة لا يمكن الخروج منها بسهولة"، بدت كلماتها منطقية إلى حد أربك ندى أكثر مما طمأنها، فقالت بسرعة: "لكننا لم نفعل شيئًا، هذا يجب أن يكون كافيًا"، نظرت إليها فرح نظرة قصيرة، ثم قالت: "البراءة لا تكون دائمًا كافية عندما تكون الأدلة غائبة أو ملتبسة، نحن في مكان مغلق، لا شهود على دخولنا، ولا دليل واضح على سبب وجودنا، والجثة هنا، هذا وحده كافٍ ليضعنا في موضع الشك"، سكتت ندى لثوانٍ، ثم قالت بصوت أخفض: "إذن ماذا تقترحين؟"، أجابت فرح بعد لحظة صمت قصيرة: "نتصل بالشرطة… لكن قبل ذلك، نحتاج أن نفهم ما نستطيع فهمه، ولو بشكل مبدئي".

تقدمت فرح ببطء نحو الجثة، خطواتها كانت محسوبة، ليس فقط بدافع الحذر من العبث بمسرح الجريمة، بل أيضًا بسبب ذلك الشعور الثقيل الذي كان يتسلل إليها كلما اقتربت، وكأن المكان نفسه يرفض أن يكشف أسراره بسهولة، توقفت على مسافة قريبة، وانحنت قليلًا دون أن تلمس شيئًا، وعيناها تتحركان بدقة، تلاحظان التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها شخص آخر في مثل هذا الموقف، لون الدم، امتداده، وضعية الجسد، زاوية الرأس، ثم قالت بصوت منخفض لكنه واضح: "الوفاة حديثة… الدم لم يجف بعد بالكامل، وهذا يعني أن ما حدث لم يمضِ عليه وقت طويل"، اقتربت ندى خطوة، لكنها لم تستطع أن تنظر مباشرة، وقالت: "هل يعني هذا أنه…"، لم تكمل، لكن فرح أجابت: "يعني أنه كان هنا عندما وصلنا، أو قبل ذلك بدقائق على الأكثر"، ارتجفت ندى قليلًا، ثم قالت: "وهذا الرجل الذي تحدثتِ معه… هل يمكن أن يكون هو الفاعل؟"، لم ترفع فرح نظرها عن الجثة وهي تجيب: "كل شيء ممكن في هذه المرحلة، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أنه كان يعرف أننا سنكون هنا، وهذا وحده يجعله جزءًا من الأمر، سواء كان الفاعل أم لا"، ساد صمت ثقيل لثوانٍ، قبل أن تستقيم فرح مجددًا، وتبتعد خطوة، ثم قالت: "سأتصل الآن"، وأخرجت هاتفها دون تردد هذه المرة.

مرت الدقائق التالية ببطء شديد، كأن الزمن نفسه قرر أن يختبر قدرتها على الثبات، جلستا في زاوية بعيدة نسبيًا عن الجثة، لكن وجودها ظل حاضرًا في كل تفصيلة، في كل نظرة، في كل محاولة لتجاهلها، كانت ندى تحرك يديها بين الحين والآخر بتوتر واضح، بينما بقيت فرح أكثر سكونًا، لكنها لم تكن أقل انشغالًا، بل كانت أفكارها تدور بسرعة، تعيد ترتيب ما حدث، تحاول ربط الصوت بالمكان، الدعوة بالضحية، وجودها هنا بتوقيت الجريمة، وكلما حاولت الوصول إلى نتيجة، اصطدمت بفراغ جديد، وكأن هناك شيئًا مفقودًا عمدًا، تفصيلة صغيرة قادرة على تغيير الصورة كاملة، لكنها لا تزال بعيدة عن متناولها، وعندما قطعت ندى الصمت أخيرًا، كان صوتها يحمل ذلك السؤال الذي لم يعد بالإمكان تأجيله: "فرح… هل تعتقدين أن هذا كله… كان مقصودًا؟ أعني، وجودنا هنا، هذا التوقيت، كل شيء؟"، نظرت إليها فرح، ولم تجب مباشرة، ثم قالت ببطء: "لا أستطيع الجزم، لكنني لا أؤمن بأن كل هذا يمكن أن يكون مصادفة، هناك شيء ما… رُتب بدقة، ونحن جزء منه، سواء فهمنا ذلك الآن أم لا".

لم تمضِ فترة طويلة حتى سُمعت أصوات سيارات تقترب، ثم خطوات، ثم أصوات رجال يتحدثون بنبرة رسمية حادة، وما إن دخل أولهم القاعة حتى تغيرت الأجواء بالكامل، لم يعد الصمت هو المسيطر، بل الحركة المنظمة، الأوامر السريعة، العيون التي تفحص كل شيء دون أن تفوّت تفصيلة واحدة، تقدم أحدهم، بدا واضحًا أنه المسؤول، نظر أولًا إلى الجثة، ثم إلى المكان، ثم استقر نظره أخيرًا على فرح وندى، وقال بنبرة مباشرة لا تحتمل المواربة: "من التي اتصلت؟"، أجابت فرح: "أنا"، اقترب خطوة، ثم قال: "أريد أن أعرف ما حدث هنا، بالتفصيل، ومن البداية"، تبادلت فرح وندى نظرة سريعة، ثم بدأت فرح الحديث، ليس بتسرع، بل بدقة، تروي ما حدث منذ لحظة وصولهما، الدعوة، البوابة، انطفاء الأنوار، الصوت، عودة الإضاءة، ثم الجثة، وعندما ذكرت الرجل، توقف الضابط عند هذه النقطة تحديدًا، وسأل: "هل رأيتِه؟"، أجابت: "لا، سمعت صوته فقط"، ضيّق عينيه قليلًا، ثم قال: "هذا غريب… صوت دون وجود؟"، قالت: "كان قريبًا، لكنني لم أره"، لم يعلّق مباشرة، بل دوّن شيئًا سريعًا، ثم قال: "وهل تعرفان الضحية؟"، أجابت كلتاهما بالنفي، فقال: "إذن أنتما آخر من وُجد معه، في مكان مغلق، دون شهود، ودون سبب واضح لوجودكما… هل تدركان كيف يبدو هذا؟"، شعرت ندى بالتوتر، لكن فرح بقيت صامتة لثوانٍ، ثم قالت: "أدرك ذلك، لكن هذا لا يغير الحقيقة"، رفع الضابط نظره إليها، وقال: "الحقيقة هي ما سنثبته، لا ما يُقال"، ثم أضاف بعد لحظة: "إلى أن تتضح الأمور، لن يُسمح لكما بمغادرة المدينة، وستكونان متاحتين للاستجواب في أي وقت".

وقبل أن تتمكن ندى من الرد، رنّ هاتف فرح مرة أخرى، فتوقف الضابط عن الكلام، ونظر إلى الهاتف، ثم قال: "أجيبي"، نظرت فرح إلى الشاشة، الرقم ذاته، ثم ضغطت على زر الإجابة، وجاءها الصوت: "يبدو أن الأمور تسير كما توقعت"، لم ترد بعاطفة، بل قالت: "أنت تراقب ما يحدث، أليس كذلك؟"، أجاب: "يمكنكِ قول ذلك"، قالت بنبرة أكثر حدة: "إذن أخبرني، من هو القتيل، ولماذا نحن هنا؟"، ساد صمت قصير، ثم قال: "السؤال الحقيقي ليس عن القتيل، بل عنكِ أنتِ"، شدّت فرح الهاتف قليلًا، وقالت: "توقف عن هذه الطريقة، إن كنت تعرف شيئًا فقلْه بوضوح"، جاءه الرد هادئًا كما كان دائمًا: "سأقول ما يكفي فقط… أنتِ لستِ هنا بالصدفة، وهذه البداية ليست نهاية شيء، بل بداية ما يجب أن تتذكريه"، اتسعت عينا فرح قليلًا رغم محاولتها الثبات، وقالت: "أتذكر ماذا؟"، لكن الاتصال انقطع، خفضت الهاتف ببطء، بينما كانت نظرات الضابط مثبتة عليها، وقال: "من هذا؟"، رفعت نظرها إليه، ثم قالت: "شخص… يبدو أنه يعرفني، أو يعتقد ذلك"، لكن في داخلها، لم يكن الأمر مجرد اعتقاد، بل كان شعورًا بدأ يتشكل ببطء، شعور بأن هذه القصة لا تتعلق بجريمة واحدة فقط، بل بشيء أعمق، شيء يرتبط بها بطريقة لم تفهمها بعد، لكنها، رغم ذلك، أصبحت في قلبه دون رجعة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين تفضح اسرار الحب    الفصل الحادي عشر: حين يصبح الشك يقينًا

    تغيّر كل شيء في نظرة فرح خلال لحظة واحدة، ليس لأن الحقيقة أصبحت واضحة بالكامل، بل لأن ما كان مجرد احتمال بعيد صار الآن واقعًا لا يمكن تجاهله، إذ لم تعد الكلمات التي سمعتها مجرد اتهام يمكن رفضه، بل أصبحت مدعومة بأسماء وتواريخ وملفات تحمل تفاصيل لا تُكتب عشوائيًا، ومع ذلك لم تنكسر، لم تنهَر كما قد يتوقع أي شخص في موقفها، بل بقيت واقفة، لكن شيئًا داخلها تغيّر، شيء جعلها أكثر هدوءًا على السطح، وأكثر اضطرابًا في الداخل، رفعت رأسها ببطء، ونظرت إلى الرجل مباشرة، وقالت بصوت ثابت على غير المتوقع: "إن كانت جريمة… فأنا كنت أعرف، أليس كذلك؟"، لم يتردد في الإجابة، بل قال: "لم تعرفي فقط… بل اقتربتِ من إثباتها"، ساد صمت ثقيل، لكنه لم يكن مليئًا بالإنكار، بل بشيء أقرب إلى الاعتراف غير المكتمل، وكأنها لا تزال تقاوم الفكرة، لكنها لم تعد قادرة على رفضها بالكامل.تدخلت ندى بسرعة، وكأنها تحاول الإمساك بآخر خيط من المنطق قبل أن ينقطع، وقالت: "هذا غير كافٍ، حتى لو كانت هناك ملفات وأسماء، لا يمكننا القفز إلى استنتاج بهذه الخطورة، من السهل تفسير الأمور بطريقة خاطئة عندما تكون الصورة ناقصة"، التفتت فرح نحوها،

  • حين تفضح اسرار الحب    الفصل العاشر: ما حاولت دفنه

    ارتجفت أنفاس فرح للحظة قبل أن تستقر، لكنها لم تكن عودة إلى هدوء حقيقي، بل إلى حالة أشد وعيًا، كأن ما انفتح داخلها لم يعد يمكن إغلاقه بسهولة، إذ لم تعد الصورة أمامها مجرد دليل على مراقبة طويلة أو وجود شخص مهووس بها، بل تحولت إلى مرآة تعكس جزءًا من حياتها الذي لم تكن تتذكره، جزءًا لم يكن ضحية فيه بل شريكة، وهذا الإدراك تحديدًا هو ما جعلها ترفع رأسها ببطء، عيناها تتحركان بين الصور المعلقة على الجدران، تلتقط التفاصيل التي لم تكن لتراها سابقًا، زوايا التصوير، المسافات، التوقيت، وكأنها لم تكن مجرد لقطات عشوائية، بل توثيق دقيق لشيء كان يحدث أمام الجميع دون أن يُفهم، أو ربما دون أن يُسمح بفهمه، بينما كانت ندى تقف خلفها، تتراجع خطوة دون أن تشعر، لأن ما تراه لم يعد مجرد لغز، بل أصبح شيئًا مقلقًا إلى حد لا يمكن تجاهله، فقالت بصوت متردد: "فرح… هذا المكان… وهذه الصور… لا تبدو كأنها مراقبة فقط، بل كأنها… جزء من خطة"، لم تلتفت فرح فورًا، بل قالت بصوت منخفض لكنه واضح: "ليست خطة لشخص واحد… بل لاثنين"، سكتت ندى للحظة، ثم قالت بسرعة: "تقصدين… أنتِ وهو؟"، أغلقت فرح عينيها لثوانٍ، ثم فتحتها ببطء، وقالت: "

  • حين تفضح اسرار الحب    الفصل التاسع: قبل أن تُكشف الحقيقة

    تسللت الفكرة إلى ذهن فرح ببطء لكنها لم تكن ضعيفة، بل كانت واضحة إلى حد أربكها، لأن ما سمعته لم يكن مجرد احتمال يمكن تجاهله، بل كان اتهامًا غير مباشر لنفسها، اتهام بأنها كانت على وشك كشف شيء خطير ثم تراجعت، وهذا وحده كان كفيلًا بأن يغيّر نظرتها لكل ما حدث، فلم تعد ترى نفسها مجرد ضحية فقدت جزءًا من ذاكرتها، بل بدأت تشعر أنها كانت طرفًا فاعلًا في شيء أكبر، شيء ربما اختارت الهروب منه بدل مواجهته، وهذا تحديدًا ما جعلها ترفع رأسها ببطء، وعيناها تحملان مزيجًا من الصدمة والرفض، ثم قالت بنبرة مشدودة: "أنا لم أهرب… لا يمكن أن أكون قد فعلت ذلك دون سبب"، لم يكن هناك من يجيبها هذه المرة، فالصوت انقطع، لكن كلماته بقيت، تفرض نفسها عليها، بينما جلست ندى أمامها، تراقبها بتركيز واضح، ثم قالت: "فرح، اسمعي لي، ما يحدث الآن يجعلكِ تشكّين في نفسكِ، وهذا أخطر من أي شيء آخر، لا يمكنكِ أن تبني قناعاتكِ على كلام شخص غامض لم يخبركِ حتى من يكون"، نظرت إليها فرح، ولم تبدُ مقتنعة تمامًا، ثم قالت: "لكنه لا يقول أشياء عشوائية، كل ما قاله… بدأ يظهر أمامي، الصورة، الفيديو، وجودي في ذلك المكان، كل شيء يؤكد أنه يعرف الح

  • حين تفضح اسرار الحب    الفصل الثامن: ما يقود إلى الحقيقة

    تحولت الصورة من مجرد دليل إلى نقطة انطلاق، ولم تعد فرح تنظر إليها بوصفها شيئًا غامضًا فحسب، بل باعتبارها الخيط الأول الذي يمكن أن يقودها إلى ما تحاول استعادته، إذ لم يكن من المنطقي أن تظهر فجأة في حياتها دون أن تكون مرتبطة بشيء أعمق، ولهذا لم تستطع الجلوس أو الانتظار كما اقترحت ندى في البداية، بل بدأت تتحرك في الغرفة بخطوات غير منتظمة، وكأن التفكير وحده لم يعد كافيًا، وكأنها تحتاج إلى فعل، إلى بحث، إلى أي محاولة تقرّبها من ذلك الجزء المفقود من حياتها، بينما كانت ندى تراقبها بصمت لبضع لحظات قبل أن تقول: "أفهم أنكِ تريدين معرفة الحقيقة، لكن الطريقة التي تتصرفين بها الآن لن توصلكِ إلى شيء، أنتِ تنتقلين من فكرة إلى أخرى دون خطة واضحة"، توقفت فرح أخيرًا، واستدارت نحوها، وقالت: "لأنني لا أملك خطة، كل ما لديّ هو إشارات مبعثرة، صورة، صوت، إحساس غريب، وأنا أحاول أن أربط بينها بأي طريقة ممكنة"، اقتربت ندى منها، وقالت: "حسنًا، لنبدأ من شيء واضح، تلك الفترة التي قلتِ إنكِ لا تتذكرينها، هل لديكِ أي شيء منها؟ صور، رسائل، أصدقاء، أي دليل يمكن أن نعود إليه؟"، سكتت فرح لثوانٍ، وكأنها تسترجع، ثم قالت:

  • حين تفضح اسرار الحب    الفصل السابع: ما تخفيه الصورة

    استقرت الصورة بين يدي فرح وكأنها تحمل وزنًا أكبر من مجرد ورق قديم، ولم يكن ثقلها في شكلها أو قدمها، بل في المعنى الذي بدأت تفرضه عليها دون استئذان، إذ لم تعد مجرد دليل على وجود سابق في ذلك القصر، بل تحولت إلى مفتاح يفتح أبوابًا لم تكن تعلم بوجودها أصلًا، أبواب لا تتعلق بالمكان فقط، بل بها هي، بما كانت عليه، أو بما حدث لها في وقت ما ثم اختفى من ذاكرتها دون تفسير، وكانت عيناها مثبتتين على تفاصيل الصورة بدقة مفرطة، كأنها تحاول استخراج شيء مخفي بين خطوطها، زاوية الوقوف، ملامح وجهها، الخلفية، حتى الظلال التي سقطت على الأرض بدت لها وكأنها تحمل رسالة لم تُفهم بعد، بينما كانت ندى تقف بجانبها، تراقبها بصمت ثقيل قبل أن تقول أخيرًا: "فرح، لا يمكنكِ الاستمرار في النظر إليها بهذه الطريقة وكأنكِ ستدخلين إلى داخلها، أخبريني بما تفكرين به، لأن ما يحدث الآن لم يعد طبيعيًا"، لم ترفع فرح نظرها فورًا، بل قالت بصوت منخفض لكنه ثابت: "أنا لا أحاول أن أرى الصورة فقط، أنا أحاول أن أتذكر اللحظة التي التُقطت فيها، أحاول أن أجد رابطًا بيني وبين هذا المكان، لأن وجودي فيه لا يمكن أن يكون صدفة كما كنا نظن"، ساد صمت

  • حين تفضح اسرار الحب    الفصل السادس : حين تبدأ الذاكرة بالانكسار

    خرجت فرح من الممر الضيق بخطوات سريعة لكنها غير متزنة تمامًا، وكأن الأرض التي تسير عليها لم تعد ثابتة كما كانت قبل لحظات، بينما كانت ندى خلفها تحاول مجاراتها وهي تلتفت بين الحين والآخر بقلق واضح، تتوقع في أي لحظة أن يظهر أحد من رجال الشرطة أو أن يُغلق الطريق أمامهما، إلا أن القاعة بقيت على حالها، صامتة بشكل مريب، خالية من أي حركة، وكأن ما يحدث في الأعلى منفصل تمامًا عمّا يجري في هذا الجزء من القصر، الأمر الذي زاد من شعور فرح بأن هذا المكان لا يخضع لقواعد منطقية واضحة، بل يتحرك وفق نظام خفي لا تفهمه بعد، ومع كل خطوة كانت تخطوها نحو المخرج، كان صدى الكلمات التي سمعتها يتردد داخلها بإلحاح مزعج، "أنتِ المفتاح"، "اخترتِ أن لا تتذكري"، جمل لم تعد مجرد عبارات غامضة، بل بدأت تأخذ شكلًا أكثر ثقلًا، كأنها تحاول أن تفتح بابًا مغلقًا في عقلها، بابًا قاوم لفترة طويلة، لكنه الآن بدأ يتصدع ببطء."فرح، تمهّلي قليلًا… أنتِ تمشين بسرعة وكأنك تهربين من شيء لا نراه"، قالتها ندى وهي تلتقط أنفاسها، لكن فرح لم تتوقف، بل أجابت بنبرة مشدودة: "أنا لا أهرب، أنا أحاول أن أسبق شيئًا أشعر أنه يلاحقني، فكرة… أو ذكرى

  • حين تفضح اسرار الحب     الفصل الاول:الدعوة التي لا تُفسَّر

    لم تكن فرح من أولئك الذين يسعون إلى لفت الانتباه أو يحرصون على أن يكونوا محور أي مكان يدخلونه، بل كانت، على العكس من ذلك، تميل إلى الظل أكثر من الضوء، إلى المراقبة أكثر من الظهور، ومع ذلك كانت تمتلك حضورًا هادئًا يفرض نفسه دون استئذان، حضورًا لا يُدركه الجميع منذ اللحظة الأولى، لكنه يرسخ في الذاكر

  • حين تفضح اسرار الحب    الفصل الخامس :الوجه الذي لا يُنسى

    لم يكن ظهور الرجل مفاجئًا بقدر ما كان صادمًا في هدوئه، إذ وقفت فرح في مكانها دون أن تتحرك، وعيناها مثبتتان عليه كأنهما تحاولان استيعاب تفاصيله لا لمجرد التعرف عليه، بل للتأكد من أنه حقيقي، من أنه ليس امتدادًا لذلك الصوت الذي ظل يرافقها منذ بداية هذه الليلة، لكن الحقيقة كانت أوضح مما يمكن إنكاره، ف

  • حين تفضح اسرار الحب    الفصل الرابع: ما لا يجب أن تتذكّره

    لم يكن القرار الذي اتخذته فرح بالعودة إلى القصر قرارًا عابرًا أو اندفاعًا غير محسوب، بل كان أشبه بشيء تشكّل داخلها على نحوٍ بطيء وثقيل حتى أصبح، فجأة، أمرًا لا يمكن التراجع عنه، وكأن هناك قوة خفية تدفعها إلى هناك، لا لأنها تريد، بل لأنها لم تعد تملك خيارًا آخر، ولهذا لم تحاول حتى إقناع ندى بشكل م

  • حين تفضح اسرار الحب    الفصل الثالث: ذاكرة لا تثق بها

    لم تنم فرح تلك الليلة، لم يكن الأمر مجرد أرق عابر يمكن تجاوزه بكأس ماء أو بمحاولة إغماض العينين قسرًا، بل كان يقظة ثقيلة تفرض نفسها عليها مهما حاولت التظاهر بالهدوء، إذ بقيت جالسة على طرف السرير في غرفتها، ظهرها مستقيم، ويديها متشابكتان في حجرها، وعيناها مثبتتان في الفراغ وكأنها تنظر إلى شيء لا ير

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status