LOGINمرّ الأسبوع التالي أسرع مما توقعت ليان.كان أسبوعًا مزدحمًا بالتفاصيل، والاتصالات، والاجتماعات الداخلية داخل مكتب آفاق للاستشارات البيئية والهندسية؛ المكتب الذي أسسته قبل ثلاث سنوات مع شريكتها وصديقة دراستها سلمى، بعد سنوات من العمل والاجتهاد.تولّت سلمى خلال الأيام الماضية إعادة توزيع المشاريع على بقية المهندسين، حتى يتفرغ الفريق الأساسي لمشروع شركة الكيلاني بالكامل.أما ليان...فكانت تقضي ساعات طويلة بين مراجعة المخططات، وتجهيز التقارير، والتأكد من نقل جميع الملفات والبيانات إلى الخوادم الخاصة بالمشروع.كانت تعلم أن هذه ليست مجرد بداية عمل داخل شركة جديدة...بل بداية مرحلة قد تغيّر الكثير.حلّ صباح الاثنين.استيقظت ليان قبل أن يرن المنبه بدقائق.فتحت عينيها ببطء، وحدقت في السقف الأبيض لغرفتها للحظات.كان أول ما خطر ببالها...شركة الكيلاني.أغمضت عينيها مرة أخرى، وكأنها تحاول أن تؤجل بداية اليوم لدقائق إضافية.لكنها ابتسمت لنفسها بخفة."الهروب لن يغيّر شيئًا."نهضت من سريرها بهدوء، واتجهت نحو النافذة.أزاحت الستائر، فتسللت أشعة الشمس الذهبية إلى الغرفة، بينما كان نسيم الصباح البارد ي
في الجهة الأخرى من المدينة...كان الضوء لا يزال مشتعلًا داخل الطابق الأخير من شركة الكيلاني.وقف فارس أمام النافذة الزجاجية الممتدة من الأرض حتى السقف، ينظر إلى أضواء المدينة التي بدأت تتلألأ في هدوء الليل. كانت يداه داخل جيبي سرواله، وملامحه جامدة كعادتها، لكن عينيه كانتا شاردتين في مكان بعيد.دخل آدم إلى المكتب دون أن يطرق الباب، كما اعتاد منذ سنوات.ألقى سترته على الأريكة، ثم اتجه مباشرة نحو مكتب فارس.وقعت عيناه على ملف مفتوح في منتصف الطاولة.ابتسم ابتسامة جانبية."أراك ما زلت تعمل."لم يلتفت إليه فارس."هناك الكثير من الملفات."اقترب آدم أكثر، ثم قرأ الاسم المكتوب أعلى الملف.الدكتورة ليان السالمي.رفع حاجبه بخبث."غريب..."التفت إليه فارس أخيرًا."ماذا؟"جلس آدم فوق حافة المكتب وهو يعقد ذراعيه."من بين عشرات المشاريع الموجودة في الشركة... أجدك تمسك بهذا الملف منذ الصباح."أغلق فارس الملف بهدوء."لأنه المشروع الأهم."ضحك آدم بخفة."هل هو الأهم فعلًا... أم أن صاحبته هي الأهم؟"تغيرت نظرة فارس للحظة.نظرة لم تدم أكثر من ثانية، لكنها كانت كافية ليلاحظها آدم.قال فارس ببرود:"لا أح
خرجت ليان من مبنى شركة الكيلاني بخطوات هادئة، بينما كانت أبواب المصاعد تُفتح وتُغلق باستمرار، والموظفون يتنقلون بين المكاتب حاملين ملفاتهم وأجهزة الحاسوب المحمولة. كان الدوام لم ينتهِ بعد، لذلك بقيت الشركة تعج بالحركة، إلا أنها لم تلتفت إلى أي شيء حولها. كانت تمسك حقيبتها الجلدية بيد، وملف المشروع باليد الأخرى، بينما ظل عقلها عالقًا عند آخر كلمات فارس قبل أن يغادر. "ولا تتأخري..." توقفت للحظة أمام الباب الزجاجي الرئيسي، ثم زفرت ببطء قبل أن تكمل طريقها نحو موقف السيارات. ضغطت زر جهاز التحكم الصغير، فأضاءت مصابيح سيارتها السوداء للحظة، معلنة فتح الأقفال. وضعت حقيبتها على المقعد المجاور، وجلست خلف المقود. أغلقت الباب بهدوء... لكنها لم تشغل المحرك مباشرة. أسندت رأسها إلى المقعد، وأغمضت عينيها لثوانٍ، محاولةً ترتيب أفكارها. إلا أن صوتًا واحدًا ظل يتردد داخلها بلا توقف... "ولا تتأخري..." فتحت عينيها بسرعة. تنهدت وهي تحدق في الزجاج الأمامي. "لماذا بقيت هذه الكلمة عالقة في ذهني؟" همست لنفسها. كانت جملة عادية... أي مدير قد يطلب من فريقه الالتزام بموعد اجتماع. ل
سادت القاعة لحظات من الهدوء بعد انتهاء الاجتماع.بدأ الحاضرون يجمعون ملفاتهم، بينما انشغل بعضهم في مناقشة الملاحظات التي طُرحت قبل قليل، وآخرون تبادلوا كلمات الإعجاب بطريقة إدارة الاجتماع، رغم صعوبته.أما ليان...فظلت واقفة في مكانها لبضع ثوانٍ، تنظر إلى الشاشة الكبيرة التي كانت تعرض قبل دقائق مخططات المشروع.أطفأ أحد الموظفين جهاز العرض، فاختفت الخرائط والأرقام، وعادت الشاشة سوداء كما كانت.تنهدت بهدوء.شعرت وكأن تلك الشاشة لم تعرض مشروعًا بيئيًا فقط...بل أعادت إليها جزءًا من ماضٍ حاولت دفنه منذ سنوات.خفضت رأسها قليلًا، ثم بدأت ترتب أوراقها بعناية، تضع كل ملف في مكانه الصحيح داخل حقيبتها، وكأنها تحاول ترتيب أفكارها المبعثرة بالطريقة نفسها.لم تكن من الأشخاص الذين يحبون الفوضى.لا في عملها...ولا في حياتها.لكن منذ أن دخل فارس إلى حياتها مجددًا...شعرت أن كل شيء أصبح فوضى.اقتربت منها ريم وهي تحمل الحاسوب المحمول وبعض الوثائق.ابتسمت قائلةً:"أخيرًا انتهينا."رفعت ليان رأسها، وردت بابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيها."نعم... كان اجتماعًا طويلًا."ضحكت ريم وهي تعدل خصلات شعرها."طويل؟ ب
ساد الصمت داخل القاعة من جديد.كانت كلمات فارس الأخيرة كافية لأن تجعل جميع الأنظار تتجه نحو ليان.أما هي، فلم يتغير شيء في ملامحها.وقفت باستقامة، وكتفاها مرفوعان بثقة، بينما كانت يداها متشابكتين بهدوء أمامها. لم تحاول الدفاع عن نفسها، ولم تستعجل الرد، بل انتظرت حتى يكمل حديثه. كانت تعلم أن مقاطعته لن تزيد الأمر إلا تعقيدًا.في المقابل، كان فارس يجلس في مقدمة الطاولة، مستندًا بظهره إلى الكرسي الجلدي الأسود. وضع الملف أمامه، وأخذ يقلب صفحاته ببطء شديد، وكأنه يراجع كل كلمة بعناية.كان هدوؤه يثير توتر كل من في القاعة.حتى صوت تقليب الأوراق كان يُسمع بوضوح وسط ذلك الصمت.أغلق قلمه ببطء، ثم رفع رأسه أخيرًا.ثبت نظره على ليان للحظات طويلة، قبل أن يقول بنبرة هادئة، لكنها تحمل حزمًا واضحًا:"في البداية... أود أن أقول إن العرض كان ممتازًا."تنفست ريم الصعداء، وظهرت ابتسامة خفيفة على وجه أحد أعضاء الفريق.لكنهم جميعًا كانوا يعرفون شيئًا واحدًا...فارس الكيلاني لا يمدح بسهولة.وإذا بدأ بالمدح...فإن الملاحظات التي ستأتي بعده ستكون أهم بكثير.أكمل وهو يعيد النظر إلى الملف:"لكن الجودة وحدها لا تك
ما إن دخل فارس وليان إلى قاعة الاجتماعات، حتى وقف جميع الحاضرين احترامًا.ساد المكان صمت قصير، لم يُسمع خلاله سوى صوت خطوات فارس الواثقة وهو يتجه نحو المقعد المخصص له في مقدمة الطاولة.كان يسير باستقامة، رافعًا رأسه، تعلو وجهه تلك الملامح الجامدة التي يصعب قراءة ما تخفيه. لم يلتفت يمينًا أو يسارًا، ولم يمنح أحدًا أكثر من نظرة سريعة، وكأنه اعتاد أن يكون مركز اهتمام الجميع.أما ليان...فسارت خلفه بخطوات هادئة ومتزنة، محافظة على هدوئها المعتاد رغم الاضطراب الذي يسكنها من الداخل.شعرت بنظرات الموظفين تتنقل بينها وبين فارس، وكأن الجميع لاحظ التوتر الغريب الذي سبق دخولهما.تقدمت نحو مكانها بجانب ريم، جلست وهي تأخذ نفسًا عميقًا محاولة استعادة تركيزها."انسَي ما حدث خارج القاعة... الآن أنتِ هنا بصفتك المشرفة على المشروع."استقرت ليان في مقعدها، ثم رتبت الملفات الموضوعة أمامها بعناية، محاولة أن تشغل نفسها بأي شيء يبعدها عن نظراته.لكنها، رغماً عنها، رفعت عينيها نحوه للحظة.كان يجلس باستقامة تامة، واضعًا إحدى يديه فوق الملف والأخرى متشابكة معها فوق الطاولة. لم يكن يتحرك كثيرًا، وكأن السكون جزء







