เข้าสู่ระบบلم تكن الشمس قد أشرقت بعد، ومع ذلك، بقيت أضواء مقر منظمة X مشتعلة، تملأ الممرات والقاعة الرئيسية بضوء بارد لا يمنح المكان أي دفء. كان الليل يرفض الرحيل. وكأن الحقيقة نفسها اختارت تلك الساعات الفاصلة بين الظلام والفجر لتختبئ فيها، داخل مكتبه، جلس إياد وحده أمام الطاولة الزجاجية. تراكمت فوقها الصور والتقارير والملفات، صورة موقع الانفجار، صورة الجثة، صورة الرجل الغامض، وصورة علاء. أربع صور بدت في ظاهرها منفصلة، لكنها بالنسبة إلى إياد بدأت تشكل أجزاءً من لغز واحد، لغز يرفض أن يكتمل، مدّ يده إلى صورة علاء، أمسكها للحظات. نظر إلى ابتسامته المعتادة، وإلى ذلك البريق الذي كان يملأ عينيه في كل مرة يظن فيها أنه وصل إلى إجابة جديدة. ثم وضع الصورة إلى جانب الصورة المشوشة، ظل ينظر إليهما، دقيقة، ثم أخرى، ثم ثالثة، انتقل بصره بين التفاصيل الصغيرة شكل الكتفين وضعية الرأس، الذراع، المعصم لكن شيئًا داخله ظل يرفض إصدار حكم. الأدلة لم تكن كافية والشك وحده لا يصنع حقيقة رفع يده أخيرًا وأغلق الملف لكن الإحساس المزعج لم يغادره كان هناك شيء لا يراه شيء يقف بينه وبين الإجابة. شيء يعرف أن الوصول إليه ل
لم يكد الضوء الأول للفجر يلامس سماء نيوفيرا حتى كان زياد يقف أمام بناية سكنية قديمة في أحد الأحياء الهادئة، كانت البناية متواضعة، بواجهة باهتة ونوافذ مغلقة، فيما امتد الشارع أمامها خاليًا إلا من سيارة شرطة توقفت بمحاذاة الرصيف. لكن هدوء المكان لم يكن مريحًا كان من ذلك النوع الذي لا يمنح الطمأنينة، بل يجعل المرء يشعر بأن شيئًا ما حدث هنا، وأن آثاره لم تختفِ بعد. رفع زياد عينيه نحو الطابق الثالث. ثم دخل المبنى بخطوات ثابتة، صعد الدرج دون أن يتحدث، يتبعه اثنان من رجال الشرطة، بعد دقائق، توقف أمام باب شقة الطبيب الشرعي، الرجل الذي عدّل التقرير، الرجل الذي اختفى فجأة. أخرج أحد رجال الشرطة مفتاحًا احتياطيًا، وأدخله في القفل دار المفتاح وانفتح الباب، دخل زياد أولًا، وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناه على الداخل، عاد إليه ذلك الإحساس الذي اعتاد الشعور به كلما اقترب من حقيقة حاول أحدهم إخفاءها. الشقة لم تبدُ كشقة رجل هارب بل بدت وكأن صاحبها سيعود إليها بعد دقائق، كان السرير مرتبًا الملابس موضوعة في أماكنها، الأوراق فوق المكتب مرتبة بعناية الحاسوب لا يزال في مكانه. حتى فنجان القهوة بقي فوق ا
لم تغادر الصورة المشوشة الشاشة مرّت أكثر من ساعة منذ ظهورها، ومع ذلك لم يطلب أحد إغلاقها. بقيت معلّقة في أعلى القاعة داخل المقر السري لمنظمة X، ثابتة وسط عشرات البيانات والخرائط والتسجيلات التي تتحرك على الشاشات المحيطة بها. كانت الأجهزة تعمل بلا توقف، والمراوح الداخلية تطلق طنينًا متواصلًا، فيما تتردد أصوات لوحة المفاتيح وخطوات العناصر بين أروقة القاعة, لكن شيئًا ما تغيّر, ثقل غير مرئي استقر فوق المكان. حتى الرجال الذين اعتادوا التعامل مع الموت والدم والتهديدات دون أن تتغير ملامحهم، وجدوا أنفسهم عاجزين عن إبعاد أعينهم عن تلك الصورة. صورة التُقطت مصادفة, لم تُظهر الوجه, لم تكشف الملامح. ومع ذلك كانت كافية لزرع سؤال لم يجرؤ أحد على نطقه بصوت مرتفع. هل يمكن أن يكون علاء حيًا؟ وقف رامز أمام الشاشة، وعيناه ثابتتان عليها لم يتحرك, لم يتكلم, كانت أصابعه تنقبض ببطء، حتى انغرست أظافره في راحة يده، وابيضّت مفاصل أصابعه تحت ضغط قبضته. كل شيء داخله كان يرفض الفكرة, يرفضها بعنف, يرفض أن يسمح للأمل بالعودة مرة أخرى, فهو يعرف جيدًا ما يفعله الأمل حين يتحول إلى كذبة. رفع رامز عينيه نحو الصور
بقيت الصورة معلّقة فوق الشاشة، ثابتة، صامتة لكنها كانت كافية لسرقة انتباه كل شخص داخل القاعة لم تكن سوى هيئة بشرية بعيدة، تقف وسط الظلال. صورة مشوّشة لا تكشف وجهًا، ولا تمنحهم ملامح واضحة يمكن الاستناد إليها ومع ذلك. بدت أثقل من عشرات الملفات والتحقيقات التي أمضوا الأيام الماضية في مطاردتها وقف رامز أمام الشاشة، وعيناه معلّقتان بالصورة منذ دقائق طويلة. ثم مرّر يده فوق وجهه بعصبية، وقال أخيرًا:— هذا لا يعني شيئًا. لم يلتفت إلى أحد، كان يتحدث بينما لا يزال يحدّق في الهيئة الغامضة. — مجرد شخص يقف في الخلفية. أشار إلى الشاشة بيده.— كم شخصًا يملك الطول نفسه؟ لم يجبه أحد تابع بسرعة أكبر، كأنه يحاول اللحاق بفكرة ترفض الاستقرار داخل رأسه: — وكم شخصًا يملك البنية ذاتها؟ وكم شخصًا يمكن أن يقف بالطريقة نفسها؟ ظلّ الصمت مطبقًا. — نيوفيرا مليئة بملايين الأشخاص. لا يمكننا بناء استنتاجاتنا على صورة مشوّشة. انخفض صوته عند الجملة الأخيرة، ولم يكن من الصعب ملاحظة أنه يحاول إقناع نفسه أكثر من محاولته إقناع الآخرين، أما إياد، فبقي صامتًا. لم تغادر عيناه الشاشة، ولم يظهر على وجهه ما يكشف ما يدو
لم تغب الرصاصة عن أذهانهم، مرّت ساعات طويلة منذ سقوط الوسيط، لكن صورته وهو يفتح فمه محاولًا نطق الاسم، ثم ينهار قبل أن يخرج الحرف الأول، بقيت عالقة في رؤوس الجميع، مشهد واحد. قصير، متكرر، يرفض أن ينتهي، داخل المقر السري لمنظمة X، ظلّت الأضواء مشتعلة رغم اقتراب الفجر، كانت الشاشات تعمل بلا توقف، تعرض تسجيلات المراقبة، وخرائط المواقع، وتقارير التحليل الجنائي. تنقّل الخبراء بين الطاولات بصمت مثقل، بينما تكدّست الملفات المفتوحة فوق بعضها، كأنهم يحاولون انتزاع إجابة من فوضى لا تمنحهم سوى المزيد من الأسئلة. أما إياد، فكان جالسًا وحده أمام الشاشة الرئيسية لم ينم، ولم يفكر في النوم أصلًا ظلّت عيناه معلّقتين بالتسجيل، يعيده للمرة تلو الأخرى، متوقفًا عند اللحظة ذاتها هروب الوسيط المطاردة، الحصار، ثم. ذلك الرعب الذي ظهر فجأة على وجه الرجل، أوقف إياد التسجيل ثم أعاده ومرة أخرى كان هناك شيء في تعابير الوسيط لم يستطع تجاهله لا، ذلك لم يكن خوف رجل أدرك أنه على وشك الموت كان شيئًا أعمق. شيئًا انتزع منه القدرة على التفكير، وجعله ينسى الرجال المحيطين به، والأسلحة الموجهة نحوه، وحتى إياد نفسه لقد رأ
دوى صوت الرصاصة في المكان، ثم ساد صمت ثقيل بدا وكأن الزمن نفسه توقف داخله للحظة. اتسعت عينا الوسيط في اللحظة الأخيرة وبقيت فيهما دهشة لم تجد وقتًا لتتحول إلى كلمة، وقبل أن تنقضي ثانية واحدة انطفأ البريق داخلهما لتتراخى جثته وتسقط فوق الإسفلت البارد، بينما بدأت بقعة الدم تتمدد ببطء تحت رأسه، ليبقى الاسم الذي كان على وشك النطق به حبيسًا داخل صدره إلى الأبد.— قناص! انطلق الصوت عبر أجهزة الاتصال، وفي اللحظة التالية، انفجرت الحركة في المكان، اندفع رجال منظمة X في جميع الاتجاهات، بعضهم اتجه نحو الأسطح، وآخرون اقتحموا المباني المجاورة، بينما تحركت مجموعة ثالثة نحو النقطة التي يُرجح أن الرصاصة خرجت منها. توزعوا بسرعة، وأغلقوا الممرات، وبدأوا بتفتيش كل زاوية يمكن أن يكون القناص قد استخدمها، لكن إياد لم يتحرك، بقي واقفًا أمام الجثة، كانت عيناه ثابتتين على الوسيط، وملامحه باردة إلى درجة يصعب معها معرفة ما يدور داخله، لكن خلف ذلك الهدوء، كان شيء آخر يتحرك، شيء ثقيل، غاضب، ومقلق حتى بالنسبة إلى رجل اعتاد رؤية الموت، أما رامز، فلم يكن يملك القدرة نفسها على إخفاء ما بداخله، اندفع نحو الجثة، ثم اس
لم يكن ما حدث في الصف أمرًا عابرًا… على الأقل بالنسبة لـ نور. منذ تلك اللحظة، أصبحت كل الأنظار تتبعها، وكل همسة وضحكة صغيرة خلف ظهرها كأنها سهم يصيب قلبها مباشرة. الطلاب يهمسون بهمسات خافتة: — "هاي هي…" — "اللي كانت تلاحق إياد…" — "واضح مو طبيعية…" لكن نور لم ترد. جلست في مكانها كعادتها،
لم ينم إياد تلك الليلة. رغم التعب الذي يضغط على كتفيه، رغم الألم المنتشر في جسده بعد المباراة، إلا أن عقله كان مشغولًا بشيء واحد… هي. تلك الفتاة التي ظهرت فجأة وقالت إنه يجب أن يعرف أنها هي من كانت تترك له الرسائل الصغيرة، الحلوى، والكلمات التي تصل إلى قلبه بصمت… جوليا. جلس على سريره، ينظر
مرّت خمس سنوات… لكن داخل نور، لم يمر شيء. ما زالت تلك الطفلة التي فقدت كل شيء في ليلة واحدة، الطفلة التي تعلمت أن العالم قاسٍ، وأن الانتظار لا يعني الأمان. في صباح بارد، كانت واقفة عند بوابة المدرسة، تضم حقيبتها إلى صدرها كأنها تحتمي بها، وعيناها تبحثان عن أي ملامح مألوفة وسط زحام الطلاب. الض
لم يكن الليل عاديًا تلك الليلة… السماء تمزقت بصوت الرعد، والمطر كان يهطل بغزارة، يغسل الطريق وكأنه يحاول محو كل أثر خطأ، كل ذنب لم يُغتفر بعد. الهواء كان ثقيلاً، رطبًا، يحمل رائحة البرق والتراب المبتل، والظلام كان يلتف حول الطريق كغطاء ثقيل لا ينكشف. على طريق مظلم، كانت شاحنة ضخمة تشق الطريق بس