เข้าสู่ระบบوقفت سيليا أمام صهيب، وقد تلاشت رجفة جسدها وحلّ مكانها جمودٌ كالصخر، ونظرةٌ في عينيها لم يَرَ مثلها من قبل؛ نظرةُ من قرر أن يحرق السفن بما فيها. ببطءٍ يحبس الأنفاس، أفلتت يداها طرف المنشفة، لتسقط أرضاً وتتركها أمامه عاريةً تماماً من كل ستر، إلا من كبريائها الجريح.تجمدت الدماء في عروق صهيب، وشعر بحرارةٍ تجتاح جسده كإعصارٍ لاهب. كانت الحقيقةُ أفتن بمراحل مما نسجه في خياله طوال عامين ونصف. رأى تفاصيلها ومنحنيات جسدها التي كانت تثيره حد الإغراء، وأدرك في تلك اللحظة أن كل سيناريو وضعه في عقله لتلك اللحظة كان باهتًا أمام هذا الجمال الطاغي. لكن صدمته لم تكن في جمالها فحسب، بل في تلك النظرة التي استقبلته بها.سيليا (بصوتٍ هادئ، بارد، ومخيف):— "انظر جيداً يا صهيب.. أليست هذه هي الغنيمة التي جئتَ من أجلها؟ أليس هذا هو 'الحق الشرعي' الذي تتباكى عليه أمام جدران هذا البيت؟"تقدمت نحوه خطوة، حتى لامس صدرها صدره، ورفعت وجهها لتحدق في عينيه المذهولتين بجرأةٍ مزقت صمته:— "ماذا لو وافقتُ الآن؟ ماذا لو منحتُك هذا الجسد لتضع عليه صك ملكيتك، ومنحتُك ذاك الطفل الذي تريده ليريحك من مطالبات والدك؟ سأفعل..
انفض الجمعُ أخيراً، وغادر بدر الشافعي الفيلا بنظرةٍ أخيرة حملت وعيداً صامتاً لصهيب. سحبت سيليا أصدقاءها المقربين؛ سارة ومروان وياسين، إلى مكتب والدها جلال، حيث أغلقوا الباب لتبدأ جلسة العتاب والمكاشفة.(في المكتب.. سيليا وسارة ومروان وياسين)ياسين (بملامح يكسوها القلق):— "سيليا، هل أنتِ واعيةٌ لما تفعلينه؟ وجود صهيب هنا، ومساومته لكِ على طفل.. هذا جنونٌ محض. هو لا يريد طفلاً، هو يريدُ ميثاقاً يربطكِ به للأبد."مروان (مؤيداً):— "ياسين محق. صهيب رجلٌ لا يُهزم بسهولة، وما يفعله الآن هو حصارٌ نفسي قبل أن يكون مكانياً. انظري كيف يتعمد استفزازكِ بـ 'ريم' أمامنا جميعاً."سارة (تمسك يد سيليا بحنان):— "سيليا، نحن معكِ مهما كان قرارك، لكن لا تجعلي رغبتكِ في الانتقام لكرامتكِ تعميكِ عن العواقب. صهيب جريحٌ في كبريائه، والجريحُ قد يفتكُ بكل شيء."سيليا (بنظرةٍ ثاقبة وهدوءٍ مريب):— "أعلمُ يقيناً ما يرمي إليه. صهيب يظن أنني سأنكسر، لكنني أقسمتُ بروح والدي جلال أنني لن أكون مجرد 'ظل' في حياته ثانية. هذا الشهر هو اختباره الأخير، فإما أن ينكسر كبرياؤه، أو ينكسر ما بيننا للأبد."في هذه الأثناء، كان
وصلت سيارة بدر الشافعي السوداء الفارهة لتتوقف أمام باب الفيلا، ترجل منها بهيبته الواثقة وهدوءه الذي يثير جنون صهيب. كانت سيليا تنتظره عند المدخل بابتسامةٍ فاتنة، بينما كان صهيب يراقب المشهد من شرفة الطابق العلوي، وقبضته تكاد تحطم سور الشرفة الخشبي.بدر (بنبرة رصينة وهو يصافح سيليا):— "صباح الخير يا سيليا.. أتمنى ألا أكون قد تأخرتُ عليكِ."سيليا (بصوتٍ مسموع ليصل لمسامع صهيب):— "أهلاً يا بدر.. حضورك في وقته تماماً. الحديقة هادئة جداً اليوم، لنناقش ملفات المناقصة هناك."نزل صهيب الدرج بخطواتٍ كالإعصار، ووقف في منتصف الردهة بجسدٍ مصلوب ونظراتٍ صقرية اخترقت صدر بدر.صهيب (بصوتٍ أجش يملؤه الوعيد):— "بدر الشافعي.. لم أكن أعلم أن 'المستشارين' يعملون في البيوت الخاصة وفي ساعات الصباح الأولى."بدر (بابتسابمة باردة وثبات انفعالي):— "العمل مع سيليا لا يعرف وقتاً يا صهيب.. خاصةً حين يكون المستقبل المهني لشركة 'سيليا الجارحي' على المحك."سيليا (تتدخل ببرود مستفز):— "صهيب.. ألم تكن على عجلة من أمرك لمقابلة ريم؟ لا تدعنا نؤخرك عن موعد عشك المعتاد."صهيب (يقترب من بدر حتى تلامست أكتافهما، ويهمس
استكان ليل الفيلا القديمة على صوت محرك سيارة صهيب الفارهة وهي تتوقف بصريرٍ حاد أمام البوابة. ترجل منها بهيبته الطاغية، حاملاً حقيبة سفر صغيرة، ويدلف إلى الداخل ببرودٍ استفز جدران المكان قبل أن يستفز قاطنيه. وجد "الدادة حليمة" تقف بذهول، فتجاوزها دون كلمة، وصعد مباشرةً إلى جناح سيليا العلوي.فتح الباب دون استئذان، ليجدها تقف أمام النافذة بظهرٍ مفرود وكبرياءٍ لا ينكسر. ألقى حقيبته على الفراش وجلس بوضعٍ مريح، واضعاً قدماً فوق الأخرى وهو ينظر إليها ببرودٍ جليدي.صهيب (بصوتٍ هادئ ورخيم):— "لا تظني أن جدران هذا البيت ستحميكِ من ظلي يا سيليا. لقد جئتُ لأقيم هنا.. معكِ. سأمنحكِ مهلة شهرٍ واحد، شهرٌ كامل لتعيدي ترتيب فوضى أفكاركِ، وتقبلي بشرطي."التفتت إليه سيليا وعيناها تقدحان شرراً:— "تقيم هنا؟ بأي حقٍ تقتحم حرمة بيت والدي؟"أخرج صهيب هاتفه الذي بدأ يهتز باتصالٍ من "ريم"، فأجاب ببرودٍ متعمد وهو يثبت نظراته في عيني سيليا:— "أهلاً ريم.. نعم، أنا بخير. سأهاتفكِ لاحقاً لنرتب لموعد العشاء.. وداعاً."أغلق الهاتف ووضعه جانباً، ثم قام وخطى نحوها ببطء حتى أصبح يفصلهما إنشات قليلة، وتابع بنبرةٍ تقط
أشرقت شمس الصباح لتتسلل عبر زجاج مكتب صهيب الجارحي، الذي لم يغادره منذ عودته من تلك الليلة المشؤومة. كان يجلس خلف مكتبه العريض، يراجع تقارير المناقصة العالمية بتركيزٍ حاد، وعيناه تحملان إجهاد ليلةٍ لم يذق فيها طعم النوم؛ ليس بسبب "ريم"، بل بسبب سُمّ التحدي الذي نفثته سيليا في عروقه داخل قاعة الاجتماعات.قاطع صمته المهيب طرقٌ واثق، ليدخل سكرتيره الخاص بملامح يكسوها الارتباك، حاملاً في يده ظرفاً رسمياً أبيض اللون، مختوماً بختم "المحكمة الدولية لشؤون الأسرة".صهيب (بصوتٍ رخيم دون أن يرفع عينيه):— "قلتُ مراراً.. لا بريد رسمياً قبل العاشرة صباحاً. ضع الملف واخرج."السكرتير (بترددٍ واضح):— "يا سيد صهيب.. هذا ليس بريداً عادياً. المحضر ينتظر بالخارج، ويقول إن السيدة سيليا الجارحي أقامت دعوى طلاق للضرر.. وبإلحاق صورٍ موثقة."توقفت يد صهيب عن الحركة تماماً. رفع رأسه ببطء، وفي عينيه لمعة غضبٍ بركانية. جذب الظرف بعنف، وبحركةٍ واحدة مزقه ليخرج منه أوراق الدعوى، وفي المنتصف.. كانت تبرز تلك الصورة اللعينة؛ صورته في أحضان ريم، وقبلتها التي بدت في الكاميرا كأنها "صك خيانة" لا يقبل الجدل.صهيب (بهمسٍ
دخل صهيب قاعة الاجتماعات بخطىً واثقة، يحيط به صمتٌ مهيب قطعه فقط صوت سحب مقعده الجلدي في صدر الطاولة. كان ينظر إلى الحضور بعينين صقريتين، مدركاً أن كل رجل في هذه القاعة يدين له بالولاء أو يخشى نفوذه. دخلت سيليا خلفه، يرافقها هدوءٌ مستفز، وجلست في المقابل مباشرةً، واضعةً ملفها الجلدي الأسود أمامها كأنه إعلان حرب صامت.صهيب (بصوتٍ أجش يملأ القاعة):— "السادة الحضور.. نبدأ مناقشة البند الأول؛ توسعة الاستثمارات في قطاع الطاقة. المشروع تحت إدارتي المباشرة، ولا أقبل أي تأخير في التنفيذ."سيليا (ببرودٍ جليدي وهي ترفع يدها):— "اعتذر عن المقاطعة يا صهيب.. لكن بصفتي المفوضة الدولية وبموجب 'حق الفيتو' الممنوح لي من رئيس المجلس عاصم الجارحي، أعلن اعتراضي على هذا البند. المشروع يحتاج لإعادة دراسة الجدوى الفنية من قِبل مستشارين مستقلين.. وتحديداً مكتب 'بدر الشافعي'."ساد وجومٌ قاتل في القاعة. انتفض صهيب، وضرب الطاولة بقبضته، وعيناه تشرقان بشرر الغضب الذي حاول كتمه طوال الصباح.صهيب (بزئيرٍ مكتوم):— "سيليا! لا تلعبي بالنار في مجلسي. حقوقكِ القانونية لا تمنحكِ الحق في عرقلة مسيرة الجارحي لأجل أهواء







