تسجيل الدخولمهما كانت السيارة فسيحة، فإنها تظل ضيقة.أما هذه المساحة الأمامية تحديدًا، فهي حقًا ليست أكبر من منزلها كما قال تميم من قبل.كانت هدى تعرف إلى أين وصلت حركتها للتو، ولم تكن غافلة عما حدث.لكن ما حدث قد حدث، فماذا عساها أن تفعل؟تجاهلت هدى حرارة الكف الموضوعة على خصرها، وأسرعت بتشغيل هاتفها، متجاهلة إشعارات الرسائل المتدفقة، ثم فتحت الواتساب وسارعت إلى مسح الرمز لإضافة تميم.مسحت هدى رمز واتساب الخاص به، ثم فتحت المحادثة وأرسلت إليه رقمها.لم يرَ تميم سوى حماسها لإضافته على الواتساب، وكأنها لم تكن تهتم إطلاقًا بالوضعية التي كانا عليها الآن.ثم رأى الرسالة التي أرسلتها هدى.كانت سلسلة من الأرقام."هذا رقم هاتفي." رأت هدى أنه من الضروري أن يحتفظ كل منهما برقم هاتف الآخر.ارتسمت ابتسامة ماكرة على عيني تميم وهو ينقر على الرقم بأصابعه الطويلة النحيلة ويطلبه.رنّ هاتف هدى.نظرت هدى إلى الرقم وحفظته كما أرادت.وبعد أن حفظته، رفعت الهاتف ليراه.ألقى تميم نظرة خاطفة على الاسم.تميم.عقد تميم حاجبيه قليلًا، وجعله هذا الاسم يتذكر الوشم الموجود على عظمة ترقوتها."لقد أتقنتِ هذا الدور أكثر من اللازم
كان يقود السيارة إلى داخل المجمع السكني، ثم أوقفها أسفل المبنى.ألقى نظرة خاطفة على هدى، فوجدها نائمة بسلام.كانت السماء مظلمة وكئيبة، ولا يُعرف كم سيستمر هطول المطر.عدّل تميم وضعية مقعده أيضًا، ثم استلقى.كانت السيارة تعزل كل ما في الخارج، وصوت المطر يصل إلى الأذن، وكان تأثيره المنوّم كضوضاء بيضاء رائعًا.أغمض تميم عينيه، ودون أن يشعر غلبه النعاس.استيقظت هدى على صوت الرعد المدوي.حدّقت في الزجاج الأمامي؛ كان المطر ينهمر بغزارة لدرجة أنها لم تستطع رؤية أي شيء في الخارج.أدركت أنها ما زالت في السيارة، فألقت نظرة سريعة إلى جانبها.كان تميم نائمًا وعيناه مغمضتان.لم يوقظها حتى.حدّقت هدى في وجهه. كانت بشرته جميلة، ناعمة ونضرة، وحاجباه كثيفان مرسومان كالسيف، ورموشه بدت طويلة من هذه الزاوية، وأنفه مرتفع ومستقيم، وخطوط وجهه انسيابية وحادة.كانت شفته العليا رفيعة، وقوس الشفة حادًا وواضحًا، وخط الشفتين على شكل حرف M مرسومًا بدقة، وزاويتا فمه مرفوعتين قليلًا بشكل طبيعي.في تلك اللحظة، كانت شفتاه مضمومتين، وملامحه قاسية وباردة، تنضح بالغرور.كان فكه حادًا ومشدودًا، وخطوط وجهه محددة بوضوح.وعند
كان المطر غزيرًا ومتواصلًا، فتشكلت طبقة من الضباب الأبيض.سألت هدى تميم: "هل تشعر بتوعك يا سيد تميم؟""أنا بخير تمامًا." نظر إليها تميم: "هل أتيتِ لرؤية طبيب؟"هزّت هدى رأسها نافيةً: "لا، لقد أتيت لزيارة مريض."لم يسأل تميم أكثر."تميم."عندما سمعت هدى هذا الصوت، استدارت لتنظر.كانت يسرا.وكان برفقتها شاكر.كان شاكر لا يزال يرتدي بدلته الرسمية الأنيقة، وبدا حضوره إلى المستشفى أشبه بتفقده للعمل، إلا أنه كان يحمل مظلة في يده اليمنى.كانت يسرا ترتدي بلوزة خضراء بلون الأفوكادو، وبنطالًا أبيض فضفاضًا وناعمًا، وشعرها منسدلًا على كتفيها، فبدت مشرقة وناعمة.وبوقوفها إلى جانب شاكر، بدت كأنها شعاع من الضوء الملون."أوه، هدى، أنتِ هنا أيضًا." رحّبت يسرا بهدى بابتسامة.أومأت هدى برأسها.لم تسأل يسرا أكثر، واكتفت بالنظر إلى تميم: "تحدثت مع مدير المستشفى قبل قليل، وقال إنه سيعطي الأولوية للأمر."أجاب تميم بوجه هادئ: "حسنًا.""إذًا، هل نذهب؟" سألت يسرا تميم.كانت تتجاهل شاكر تمامًا.تمامًا كما تجاهلت هدى.قال تميم: "عودي أنتِ مع شاكر.""وماذا عنك؟""سأوصلها." نظر تميم إلى هدى.هبطت نظرة يسرا بخفة على
انقبض قلب هدى: "ماذا حدث للعم رامي؟""قال الطبيب إن أفضل علاج لمرضه هو زراعة كلية، وبهذه الطريقة يمكن القضاء على المرض نهائيًا." قالت سعاد وهي تمسح دموعها.عقدت هدى حاجبيها: "أعرف، الطبيب قال ذلك من قبل.""سمعت قبل قليل أن شخصًا تبرع بكلية. هل يمكنكِ أن تسألي الطبيب إن كان من الممكن زراعة تلك الكلية لرامي؟" كانت الدموع معلقة على رموش سعاد وهي تنظر إلى هدى بترقب.فهمت هدى الأمر أخيرًا.لم يكن سبب استدعائها العاجل هو أن هناك مشكلة حدثت لرامي.لم تستطع هدى إلا أن تشعر بالارتياح، لكن صدرها ظل مثقلًا بشدة."أمي، زراعة الكلى ليست شيئًا يمكن إجراؤه لمجرد توفر كلية." كتمت هدى مشاعرها وقالت بهدوء شديد: "حالة العم رامي مستقرة إلى حد ما الآن، فلنواصل علاجه وننتظر بهدوء. عندما تتوفر كلية مناسبة، فالمستشفى سيجري له الزراعة بالتأكيد. نحن في قائمة الانتظار، وعندما يحين دوره، سنجري له العملية.""لكن ماذا لو لم نسعَ للحصول عليها وأخذها شخص آخر؟"أخذت هدى نفسًا عميقًا، محاولةً تهدئة نفسها وعدم الغضب."وهل فكرتِ يومًا أن الكلية التي تحاولين انتزاعها الآن هي أيضًا شيء ينتظره شخص آخر؟" جعل سؤال هدى المضاد
كانت هدى تتقاضى أجرها يوميًا.وبعد انتهاء عملها، تلقت على هاتفها إشعارًا بإيداع المبلغ في حسابها البنكي.عندما رأت المبلغ، ذهبت هدى إلى قسم المالية وسألت: "هل حدث خطأ في الحساب؟""لم يحدث أي خطأ." راجع موظف المالية الجدول: "السيد فهد قال إنه تم رفع نسبة عمولتكِ."تفاجأت هدى.لطالما اعتنى بها فهد، وكانت تعرف السبب.لكنها لم تتوقع منه أن يبادر بمنحها زيادة.عندما غادرت هدى قسم المالية ونزلت إلى الطابق السفلي، التقت بفهد.نادته هدى قائلةً: "أخي فهد."أحب فهد أن يُنادى بـ"أخي"، وكان يقول إن ذلك يبدو أكثر إحساسًا بالمسؤولية.ابتسم فهد وسألها: "هل انتهيتِ من العمل؟"وقفت هدى أمامه باحترام قائلةً: "نعم، شكرًا لك."لم يتظاهر فهد بالجهل، بل ابتسم قائلًا: "لا داعي لشكري، فقد كسبتِ هذا المال بقدرتكِ."كانت هدى قد سألت عن ملاهي ليلية أخرى، ولم تكن الأجور فيها مرتفعة إلى هذا الحد، فضلًا عن أن يبادر أحد برفع العمولة."بالمناسبة، لماذا لم يأتِ السيد تميم اليوم؟""إنه مشغول." لم تكن هدى تعرف ما الذي يفعله تميم، لكن القول إنه مشغول كان كافيًا.أومأ فهد برأسه: "حسنًا، اذهبي إلى المنزل واستريحي مبكرًا."
كان المنزل صغيرًا جدًا، وبدا أن الهواء لا يزال يحتفظ برائحته المنعشة والخفيفة.سارت إلى الشرفة الصغيرة، وفتحت النافذة ونظرت إلى الأسفل، فرأت سيارة تميم تغادر.أسندت هدى يدها إلى سور الشرفة وأخذت نفسًا عميقًا، ثم عادت إلى الداخل.التقطت سجل الطيران الملاصق للأريكة، ودخلت غرفة النوم.جلس تميم في السيارة، وظل يفكر في الطريقة الجادة التي رفضت بها هدى أن يرتب لها مكانًا آخر للسكن.وأثناء انتظاره عند الإشارة، أمال رأسه ونظر إلى المباني المحيطة، فوجدها جميعًا قديمة جدًا.كان هناك سوق للخضار في هذا الشارع، يعج بالناس ومعظمهم من كبار السن، وكأنه بلدة قديمة، ونادرًا ما كان يرى الشباب في ساعات العمل.كيف اعتادت هدى على العيش هنا؟رنّ هاتفه.أجاب تميم، فجاء صوت بلال على الطرف الآخر متعجلًا: "أين ذهبت بالضبط؟""هل هناك خطب ما؟"كان أحد المارة يعبر الطريق، مما أجبر تميم على التوقف."يسرا تسألني عنك، وأنا لا أعرف حتى أين ذهبت." ثم أدرك بلال الأمر فجأة: "لا تقل لي إنك ذهبت لرؤية هدى؟"كان المارة يعبرون الشارع، ومعظمهم من كبار السن، فلم يجرؤ أحد على التنبيه بالبوق أو المرور مسرعًا.كان يكفي أن يخطو شخص







