Masukهبطت الطائرة في المطار الوطني، وبمجرد خروجهم، كانت هناك سيارات سوداء فخمة في انتظارهم. ركب أصيل وماريا في سيارة، بينما ركب عماد في سيارة أخرى خلفهم. طوال الطريق إلى القصر، كان الصمت هو سيد الموقف. كانت ماريا تنظر من النافذة إلى الشوارع والمباني التي بدأت تألفها مجدداً، لكنها كانت تشعر بضيق في تنفسها كلما اقتربوا من منزل عائلة أصيل. كانت تعلم أن هذا المكان ليس مجرد مسكن، بل هو ساحة حرب قديمة.وصلت السيارات إلى بوابة حديدية ضخمة انفتحت ببطء لتكشف عن قصر واسع تحيط به حدائق منسقة وأشجار عالية. ترجل أصيل من السيارة وفتح الباب لماريا. بمجرد دخولهما من الباب الرئيسي، وجدا الخدم يقفون في صفين، وفي نهاية الردهة الواسعة كان يقف سليم، والد أصيل وعماد، وبجانبه زوجته.كان سليم رجلاً وقوراً، تظهر على وجهه آثار السن ولكن عينيه لا تزالان تحتفظان بحدة الذكاء. أما والدة أصيل، فقد كانت تقف بظهر مستقيم ونظرات باردة، وكانت ترتدي ملابس فاخرة ومجوهرات لافتة. لم تكن تبتسم، بل كانت تنظر إلى ماريا بنظرة تفحص خالية من أي ترحيب.تقدم أصيل وقبل يد والده ووالدته، ثم فعل عماد الشيء نفسه. في تلك اللحظة، لاحظ سليم ال
نظرت ماريا إلى وجه أصيل، ثم نقلت بصرها إلى عماد الذي كان ينتظر إجابتها بثقة. كانت تشعر بتعب يسري في كل عظمة من جسدها، وفكرة الذهاب إلى مطار عام، والانتظار في الطوابير، والتعامل مع المسافرين، بدت لها وكأنها مجهود يفوق طاقتها الحالية. لم تكن تفكر في الرفاهية بقدر ما كانت تفكر في الهدوء."سأذهب في طائرة عماد"، قالت ماريا بصوت خافت ولكن واضح.تغيرت ملامح أصيل فوراً. شدّ على يدها أكثر، وبدا عليه الضيق من هذا الاختيار. أما عماد، فقد ارتسمت على وجهه ابتسامة انتصار صغيرة. تقدم عماد خطوة نحوها وقال: "هذا هو القرار الصحيح يا ماريا. راحتكِ هي الأولوية الآن."التفت أصيل إلى عماد، وكانت عيناه تفيضان بالغضب. قال بنبرة حادة: "إذن سأصعد معها. لن تذهب ماريا في طائرتك بمفردها."هنا توقفت ابتسامة عماد، وظهرت على وجهه علامات الرفض. ردّ بصوت بارد: "لا يا أصيل. الطائرة خاصة بي، وأنا من يحدد من يصعد إليها. ماريا تحتاج إلى الهدوء والراحة، ووجودك بجانبها في مساحة ضيقة لساعات طويلة لن يضيف لها سوى التوتر. يمكنك اللحاق بها في الوطن عبر رحلة أخرى."تصلب جسد أصيل، وترك يد ماريا ليتوجه نحو عماد مباشرة. وقف أمامه و
شعر أصيل بارتجافة جسد ماريا بين يديه، وأدرك أن هذا العناق، رغم صدقه، قد يكون حملاً ثقيلاً على أعصابها المنهكة. تراجع ببطء، وأبعد يديه عنها وهو ينظر في عينيها بهدوء. لم يرد أن يضغط عليها أكثر أو يطيل لحظة قد تعيدها إلى حالة الذعر إذا ما شعرت فجأة بالضيق."يجب أن ترتاحي الآن يا ماريا"، قال أصيل بصوت منخفض. "لقد مررتِ بالكثير اليوم، وجسدكِ يحتاج إلى النوم لكي يستعيد قوته. سأترككِ بمفردكِ لتهدئي."أومأت ماريا برأسها، وشعرت بنوع من الراحة لأن أصيل فهم حاجتها للمساحة الشخصية دون أن تطلب ذلك. انسحب أصيل من الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء، تاركاً إياها مع صمت المكان. ارتمت ماريا على سريرها، وأغمضت عينيها، لكنها لم تنم فوراً؛ بل ظلت تفكر في التغير الذي حدث في نبرة أصيل، وفي الطريقة التي أصبح بها يتعامل معها بحذر شديد، وكأنه يخشى أن يكسر شيئاً رقيقاً بداخلها.مرت ثلاثة أيام كانت هادئة بشكل غير معتاد. كان أصيل يحرص على ألا يقتحم خصوصيتها، لكنه كان موجوداً في كل تفصيل؛ يتأكد من وصول وجبات الطعام إلى غرفتها، ويسألها عن حالها من خلف الباب أو بكلمات قليلة ومقتضبة عندما يلتقيان في الردهة. أما ماريا، فق
نظرت ماريا إلى عماد، وكانت ملامحها تحمل مزيجاً من الامتنان والارتباك. كانت كلماته قوية، وكانت رغبته في حمايتها واضحة، لكنها شعرت بشيء من الضيق من الطريقة التي حاول بها تحويل دفة الأمور. تذكرت في تلك اللحظة "العقد". ذلك الورق الذي وقّعته بمرارة، والذي ينص بوضوح على أن هذا الزواج الصوري يجب أن يستمر لمدة عام كامل قبل أن يتم الانفصال. لم تكن ماريا تعلم أن عماد يجهل وجود هذا الشرط الزمني، لكنها في تلك اللحظة لم ترغب في إخباره. شعرت أن إخبار عماد عن تفاصيل العقد الآن سيزيد من غضبه ومن رغبته في تمزيق كل شيء، وهي لم تعد تملك الطاقة لخوض معركة أخرى."لا أستطيع يا عماد.." قالتها بصوت خافت ولكن ثابت. "لا يمكنني الذهاب إلى المحكمة الآن. هناك.. هناك اتفاقات والتزامات يجب أن أحترمها أولاً. لا يمكنني أن أهرب من كل شيء بمجرد أن أشعر بالتحسن. أحتاج أن أغلق هذه الصفحة بشكل صحيح، وأول خطوة في ذلك هي الاعتذار من أصيل."تصلبت ملامح عماد أكثر، وظهرت في عينيه شرارة من خيبة الأمل الممزوجة بالتملك. كان يريدها أن تكون تابعة له بالكامل، أن ترى العالم من خلال عينيه فقط. لكنه، رغم غيظه، لم يستطع أن يضغط عليها أ
أما خلف الباب، فقد كان أصيل يستند بظهره إلى الجدار البارد، يقبض على يديه بعنف حتى ابيضت مفاصله، والأسئلة تنهش عقله كوحوش كاسرة: "لماذا لم تتخيل عماد على أنه ذلك الوحش... لماذا أنا؟!". كان يشعر بمرارة تفوق أي شيء تذوقه في حياته؛ فالحقيقة أن ماريا لم تكن تراه هو، بل كانت ترى فيه "سلطة الرجل" التي استُخدمت لتعذيبها، بينما كان عماد يمثل لها "المنجاة".مرت الأيام في المستشفى، وتحولت الغرفة البيضاء الباردة إلى عالم صغير لا يسكنه سوى ماريا وعماد. كان عماد قد فرض حصاراً من اللطف والعناية حول ماريا، ليس حصاراً خانقاً، بل كان أشبه بشرنقة حريرية تحميها من العالم الخارجي. كان يرفض دخول أي شخص قد يسبب لها توتراً، حتى أصيل، الذي كان يكتفي بإرسال باقات الزهور والهدايا الثمينة التي كانت ماريا تنظر إليها بصمت، بينما تبتسم لعماد وهو يقرأ لها كتاباً في ساعة هادئة من المساء.كان اعتناء عماد بها يتجاوز مجرد المساعدة الجسدية؛ كان يعتني بـ "روحها". كان يلاحظ أدق التفاصيل؛ يعرف متى تكون قلقة من مجرد نظرة ممرضة، فيغير مجرى الحديث ليلفت انتباهها. يعرف متى تشعر بالبرد رغم دفء الغرفة، فيجلب لها وشاحاً صوفياً يلف
بينما كانا يتنازعان على من سيدخل لزيارتها أولاً، فُتح باب الغرفة ببطء، وظهرت ماريا وهي تفتح عينيها بتثاقل، لتجد نفسها في غرفة بيضاء، وبجانبها صراع صامت يوشك أن ينفجر في أي لحظة. كانت نظراتها تائهة، تحاول استيعاب المكان، ورائحة المعقمات النفاذة تهاجم حواسها، مما أعاد إليها شريطاً من الذكريات المبعثرة التي لم تكن ترغب في تذكرها.سكت الرجلان فجأة بمجرد أن التقت أعينهما بعينيها. تقدم أصيل خطوة، وكانت ملامحه تحمل مزيجاً غريباً من الارتياح والخوف، بينما وقف عماد في مكانه، يراقب تنفسها بدقة، وكأنه يقرأ حالتها النفسية من خلال حركة صدرها المرتجفة. "ماريا.." همس أصيل باسمها، وكان صوته يرتجف بشكل غير معهود. لكن هذا الصوت، في تلك اللحظة من الضعف والتشوش، لم يصل إلى مسامع ماريا كصوت أصيل. في تلك اللحظة، حدث انزياح في الواقع. تداخلت جدران المستشفى البيضاء مع جدران غرفتها القديمة في منزل أمير. الضوء الساطع تحول في مخيلتها إلى إضاءة خافتة وكئيبة، وصوت أصيل تحول تدريجياً إلى صدى صوت أمير وهو يناديها بنبرته التي كانت تزرع الرعب في أوصالها. نظرت إلى أصيل، لكنها لم تره؛ رأت وجه أمير بابتسامته السامة ون







