Masukبعد الظهر بقليل، خرجت ليانا إلى السوق برفقة آدم. كان يريد تسليم بعض البضائع لأحد التجار، بينما تبعه يونس بعد أن أصر على مساعدته.
أما نادر، فبقي في المنزل لإنهاء رسمه. عندما وصلوا إلى السوق، كانت الحركة أكثر ازدحامًا من المعتاد. توقفت عربة كبيرة بالقرب من الساحة، واجتمع حولها عدد من الرجال يتحدثون بصوت مرتفع. توقف آدم ونظر إليهم. قال: "ابقَ بجانبي يا يونس." أومأ يونس، لكنه كان ينظر إلى العربة باهتمام. اقترب أحد التجار من آدم. "عدت أخيرًا." صافحه آدم. "نعم. لدي البضاعة التي طلبتها." ثم بدأ الاثنان يتحدثان عن الأسعار والكميات، بينما وقف يونس جانبًا يستمع. كان السوق يعج بالأصوات؛ باعة ينادون على بضائعهم، وأطفال يمرون بين المارة، وعربات تتحرك ببطء وسط الزحام. بدت إيلورا أكثر حيوية من الصباح، وكأن القرية كلها اجتمعت في مكان واحد. وبينما كان ينتظر، لمح شيئًا على الأرض بالقرب من إحدى العربات. انحنى والتقط قطعة معدنية صغيرة. كانت تحمل علامة محفورة عليها. ظل يونس يقلبها بين أصابعه لحظات، ثم رفعها نحو آدم. "آدم، ما هذه؟" التفت آدم إليه. نظر إلى القطعة، ثم مد يده وأخذها منه. لم يجب فورًا. سأل يونس: "أين وجدتها؟" أشار يونس إلى المكان. "هناك." نظر آدم إلى الأرض، ثم إلى العربة القريبة. قال: "لا تلمس شيئًا آخر." هذه المرة لم يعترض يونس. أعاد آدم القطعة إلى التاجر الذي كان يتحدث إليه، ثم قال: "هذه ليست لي." سأله يونس: "إذن لمن تكون؟" نظر آدم إلى القطعة مرة أخرى. "لا أعرف." ثم أمسك بكتف يونس. "سنعود إلى المنزل." "لكن—" "الآن." لم يجادله يونس هذه المرة، وسار إلى جواره بصمت. تبعتهما ليانا، وهي لا تزال تحاول فهم سبب تغير آدم المفاجئ. أما آدم، فلم يتحدث طوال الطريق. لم يمضِ وقت طويل حتى فُتح باب المنزل مرة أخرى، ودخل سامر بعد انتهاء مهمته. كان يتوقع أن يجد البيت هادئًا، لكنه لاحظ فورًا الصمت غير المعتاد. قال وهو يخلع سترته: "ما الأمر؟ لماذا تبدون كأن أحدًا أخبركم بخبر سيئ؟" نظرت ليانا إلى آدم. أما يونس، فجلس على المقعد دون أن يتكلم. اقترب سامر من أخيه الأكبر. "ماذا حدث؟" أخرج آدم نفسًا بطيئًا، ثم قال: "وجدنا شيئًا في السوق." رفع سامر حاجبه. "شيئًا؟" أومأ آدم. "قطعة معدنية صغيرة. عليها علامة محفورة." سأل سامر: "أين هي؟" نظر آدم إلى يونس. "أعدتها إلى التاجر." قال سامر: "ولماذا؟" أجاب آدم: "لأنني لم أعرف من أين جاءت." صمت سامر لحظة. "وهل كانت مجرد قطعة عادية؟" لم يجب آدم فورًا. قالت ليانا: "لو كانت عادية، لما عدنا بهذه السرعة." نظر سامر إليها، ثم عاد إلى آدم. "هل رأيت العلامة بوضوح؟" أومأ آدم. "نعم." قال سامر: "وهل تشبه شيئًا رأيته من قبل؟" هز آدم رأسه. "لا." كان يونس يستمع إليهما بصمت، ثم قال: "أنا فقط وجدتها على الأرض." نظر إليه سامر. "وأعرف أنك لم تقصد شيئًا. لكن في المرة القادمة، لا تلتقط أي شيء مجهول دون أن تسأل أولًا." خفض يونس رأسه. "حسنًا." تدخلت ليانا: "على الأقل هذه المرة لم تعد إلى المنزل بدجاجة." نظر يونس إليها باستغراب، ثم ابتسم رغم توتره. قال سامر: "ماذا؟ هل عاد بالدجاجة مرة أخرى؟" هزت ليانا رأسها. "ليس بعد." ضحك يونس وقال: "كنت أظن أنكم نسيتم تلك الحادثة." أجاب سامر: "من الصعب نسيان شيء كهذا." خف التوتر قليلًا، لكن آدم بقي صامتًا. اقترب منه سامر وقال: "هل تعتقد أن القطعة مرتبطة بالعربة المفقودة؟" رفع آدم عينيه إليه. "لا أستطيع الجزم." "لكنّك تفكر في الأمر." "نعم." جلست ليانا قربهما. "العربة التي يبحث عنها الحراس، والقطعة التي وجدناها في السوق... هل يمكن أن يكون بينهما رابط؟" قال سامر: "ربما." ثم نظر إلى آدم. "سأمر بالسوق مرة أخرى قبل انتهاء مناوبتي." قال آدم: "كن حذرًا." ابتسم سامر. "أنا جندي، أتذكر؟" قال يونس: "وهذا يعني أنك لا تخاف من شيء؟" أجابه سامر: "يعني أنني أعرف متى يجب أن أكون حذرًا." ساد الصمت للحظات. وفي الخارج، مرت عربة أخرى في الطريق، فالتفت الجميع نحو النافذة دون قصد. قالت ليانا: "يبدو أن هذا الصباح الهادئ انتهى أسرع مما توقعنا." نظر آدم نحو الباب. "وأظن أن الأيام القادمة لن تكون هادئة تمامًا." لم يعرف أحد وقتها كم كانت كلماته أقرب إلى الحقيقة. في تلك الليلة، لم يتحدث أحد عن الأمر كثيرًا، لكن التفكير فيه بقي حاضرًا في أذهانهم. نام نادر بعد أن أنهى رسمه، بينما بقي يونس يتساءل عن العلامة التي رآها. أما ليانا، فلاحظت أن آدم أغلق دفتر حساباته مبكرًا على غير عادته. وقبل أن يخلد الجميع إلى النوم، وقف آدم قرب النافذة يتأمل الطريق المؤدي إلى السوق. لم يكن يعرف لماذا شعر بأن تلك القطعة الصغيرة لم تكن مجرد شيء عابر. وفي مكان آخر من القرية، كانت أصوات السوق لا تزال تتردد في الساحة، بينما بقيت العربة الغريبة واقفة هناك.كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، وأخذت أشعتها تتسلل بين أغصان الأشجار الكثيفة.واصلت المجموعة سيرها في صمت نسبي، بعدما هدأت المشادة الأخيرة بين ليانا وكايل.أو هكذا ظنوا.قال رين فجأة:"أشعر بالجوع."لم يلتفت إليه أحد."هل سمعتموني؟"قال داريان:"نعم.""ومع ذلك لم يهتم أحد."أجابته ميرال:"لأننا اعتدنا الأمر."تنهد رين."هذا ظلم."قال كايل دون أن يلتفت:"توقف عن الشكوى.""أنا لا أشكو، أنا أعبّر عن معاناتي يازعيم"التفتت ليانا إليه."إنها معاناة بسبب الجوع فقط.""وهل هناك معاناة أهم من الجوع؟"قال آدم ضاحكًا:"في الوقت الحالي، لا أظن."ابتسمت ليانا.ثم سمعوا صوتًا من أعلى التل."توقفوا مكانكم!"تجمد الجميع مكانهمظهر ثلاثة رجال بين الأشجار، ثم خرج رجل رابع من خلف صخرة كبيرة.كانوا يحملون أسلحة مختلفة، ويتقدمهم رجل عريض الكتفين يحمل فأسًا قصيرة.قال الرجل:"ضعوا ما تحملونه على الأرض، وسنسمح لكم بالمرور."نظر رين إلى المجموعة، ثم قال بهدوء:"هل نضع أغراضنا كلها؟"رد الرجل:"كلها."قال رين:"حسنًا."وضع حقيبته على الأرض.نظر إليه الجميع بدهشة.ابتسم رين."ماذا؟ أنا أطيع الأوامر."قالت ميرال:
كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، وأخذت أشعتها تتسلل بين أغصان الأشجار الكثيفة.واصلت المجموعة سيرها في صمت نسبي، بعدما هدأت المشادة الأخيرة بين ليانا وكايل.أو هكذا ظنوا.قال رين فجأة:"أشعر بالجوع."لم يلتفت إليه أحد."هل سمعتموني؟"قال داريان:"نعم.""ومع ذلك لم يهتم أحد."أجابته ميرال:"لأننا اعتدنا الأمر."تنهد رين."هذا ظلم."قال كايل دون أن يلتفت:"توقف عن الشكوى.""أنا لا أشكو، أنا أعبّر عن معاناتي يازعيم"التفتت ليانا إليه."إنها معاناة بسبب الجوع فقط.""وهل هناك معاناة أهم من الجوع؟"قال آدم ضاحكًا:"في الوقت الحالي، لا أظن."ابتسمت ليانا.ثم سمعوا صوتًا من أعلى التل."توقفوا مكانكم!"تجمد الجميع مكانهمظهر ثلاثة رجال بين الأشجار، ثم خرج رجل رابع من خلف صخرة كبيرة.كانوا يحملون أسلحة مختلفة، ويتقدمهم رجل عريض الكتفين يحمل فأسًا قصيرة.قال الرجل:"ضعوا ما تحملونه على الأرض، وسنسمح لكم بالمرور."نظر رين إلى المجموعة، ثم قال بهدوء:"هل نضع أغراضنا كلها؟"رد الرجل:"كلها."قال رين:"حسنًا."وضع حقيبته على الأرض.نظر إليه الجميع بدهشة.ابتسم رين."ماذا؟ أنا أطيع الأوامر."قالت ميرال:
لم تمضِ سوى دقائق على انتهاء حديث كايل، حتى خيّم الصمت على المجموعة من جديد.كانت النار تشتعل بهدوء أمامهم، بينما راحت ليانا تحدّق في قطعة القماش التي تحمل الرمز الغامض. كانت تمرر أصابعها فوق أطرافها بحذر، وكأنها تحاول أن تفهم سرّ العلامة دون أن تعرف من أين تبدأ.قالت بعد لحظات:"ألا يمكن أن نترك هذا الرمز وشأنه حتى الصباح؟"رفع كايل عينيه إليها."لا."ضيّقت عينيها."كنت أعرف أنك ستقول ذلك.""إذن لماذا سألتِ؟"نظرت إليه بضيق."لأنني كنت آمل أن تفاجئني ولو لمرة."قال رين وهو يضع يده على فمه كي لا يضحك:"حبذا الأمل."التفتت إليه ليانا."ماذا؟"ابتسم رين وقال:"حبذا الأمل! (أي: ما أجمل الأمل، وهي من صيغ المدح في اللغة العربية، وتُستخدم لمدح شيء أو صفة.)"حدّق الجميع فيه.قال داريان ببرود:"هل انتهيت؟""كنت أضيف لمسة ثقافية."قالت ميرال:"أنت تضيف الصداع فقط."ضحك آدم، بينما أخفى كايل ابتسامة صغيرة سرعان ما اختفت.لاحظتها ليانا."أنت ابتسمت."عاد وجه كايل إلى هدوئه."لم أفعل.""بل فعلت.""لا.""رأيتك.""أنتِ مخطئة."عقدت ذراعيها."أنت مستفز."أجابها دون تردد:"وأنتِ كثيرة الكلام."شهقت لي
ظلّ الجميع واقفًا في مكانه لعدة لحظات بعد اختفاء المقنّع. كانت الأشجار قد عادت إلى سكونها، ولم يبقَ في المكان سوى الأوراق المتناثرة على الأرض وآثار الفوضى التي سببتها قوة ليانا. ظل كايل ينظر إلى المكان الذي اختفى فيه الرجل، ثم قال: "داريان، تفقد المكان." أومأ داريان، واتجه بين الأشجار بحذر، بينما بقي كايل واقفًا في مكانه. ثم التفت إلى ليانا وقال: "هل حدث لكِ هذا من قبل؟" نظرت إليه ليانا للحظات، ثم أومأت ببطء. "نعم." قال كايل: "متى؟" خفضت ليانا عينيها قليلًا. "حين كان أخي يونس في خطر." نظر آدم إليها بدهشة، ثم قال: "لماذا لم تخبريني من قبل؟" قالت بتردد: "كنت مترددة، فأنا لم أكن أعرف ما هذا أصلًا." ساد الصمت للحظة. أما كايل، فلم يعلّق، بل أعاد نظره إلى المكان الذي اختفى فيه المقنّع، وكأنه يحاول إعادة ترتيب ما حدث في ذهنه. في تلك اللحظة عاد داريان، وكان يحمل قطعة قماش داكنة بيده. قال: "وجدت هذا بالقرب من المكان الذي اختفى فيه." اقترب كايل منه، وأخذ قطعة القماش. وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمدت ملامحه للحظة. كان على القماش الرمز نفسه الذي ظهر مع اختفاء نادر، و
لم تمضِ سوى دقائق على مغادرتهم إيلورا، حتى ابتعدت القرية عن أنظارهم، وبدأ الطريق يمتد بين الأشجار الكثيفة والتلال المنخفضة. كان كايل يسير في المقدمة، وخلفه داريان ورين وميرال، بينما كانت ليانا تسير إلى جوار آدم. لم يكن أحد منهم يعرف ما ينتظرهم في الطريق. كانت ليانا تضم يديها حول حزام حقيبتها، وعيناها تتحركان بين الأشجار من حين إلى آخر. لاحظ رين ذلك، فقال محاولًا تخفيف التوتر: "لا تقلقي، لو ظهر أي شيء مخيف فسأكون أول من يهرب." نظرت إليه ميرال باستغراب: "وأنت تسمي هذا طمأنة؟" ابتسم رين. "أنا صريح فقط." قال داريان من الأمام: "اخفض صوتك." اختفت ابتسامة رين قليلًا، ونظر حوله. "لماذا؟" لم يجبه داريان، فقد توقف كايل فجأة. توقف الجميع خلفه. وضع كايل يده على مقبض سيفه، وأخذ يتفحص المكان بصمت. سأله آدم: "ماذا هناك؟" قال كايل: "هناك شخص." ما إن أنهى كلماته حتى خرج رجل مقنّع من بين الأشجار. كان يرتدي عباءة داكنة، وغطاءً يخفي وجهه بالكامل، ولم يظهر منه سوى عينين ثابتتين تراقبان ليانا مباشرة. لاحظ كايل اتجاه نظره. لم يتحرك الرجل، وفي اللحظة التالية، اندف
في تلك الأثناء، كان آدم قد عاد إلى المنزل. فتح الباب، فلم يجد في الداخل سوى يونس. نظر إليه باستغراب. "أين ليانا وسامر ونادر؟" رفع يونس رأسه. "خرجو." "إلى أين؟" تردد يونس قليلًا، ثم أجاب: "إنهما يبحثان عن نادر." تغيرت ملامح آدم. "نادر؟" أومأ يونس. "خرج إلى السوق ليشتري قلمًا، لكنه لم يعد، والان ليانا و سامر يبحثان عنه" لم ينتظر آدم أكثر. خرج من المنزل واتجه نحو السوق، وأخذ يسأل عنهما حتى وصل إليهما. وفي اللحظة التي رآهما فيها، ناداهما: "ليانا!" التفتت إليه. اقترب آدم وهو يلتقط أنفاسه، ثم قال: "سمعت من يونس أنكما تبحثان عن نادر، فجئت لأبحث، لكنني لم أجده." نظر إلى سامر. "هل وجدتما شيئًا؟" وقعت عيناه على دفتر نادر والقلم في يد ليانا، ثم على قطعة القماش. سأل: "ما هذه؟" أجابته ليانا: "وجدناها بجوار دفتر نادر وقلمه." أخذ آدم القطعة ونظر إلى الرمز المحفور عليها. ظل صامتًا لحظات. "هل تعرفه؟" سألت ليانا. رفع عينيه إليها. "يشبه شي رايته من قبل" ثم أعاد إليها القطعة. قال سامر: "هذا الرجل يقول إن الرمز نفسه ظهر مع شيء سُرق منه." نظر آ







