LOGINكان هيثم يقف في مكتبه، والصور التي بين يديه لم تعد مجرد أوراق، بل أصبحت دليلاً قاطعاً في عقله على وجود "مؤامرة". فكرة التوأمين التي تبلورت في ذهنه أشعلت فتيل غضب عارم لم يسبق له مثيل؛ كيف لفتاتين—رغد الضعيفة وغزل المتمردة—أن تتلاعبا بعقل رجل مثل هيثم؟ لقد شعر بالإهانة، وبالرغبة في الانتقام لكرامته التي استبيحت.
في تلك اللحظة، كانت رغد تسير في الممر، تحمل فنجان القهوة الساخنة لتقدمه لمكتب المدير، غافلةً عن العاصفة التي تنتظرها خلف ذلك الباب. وما إن اقتربت حتى فُتح الباب بعنف، وخرج هيثم كالإعصار، وعيناه تشتعلان بنيران الشك. دون مقدمات، قبض هيثم على معصمها بقوة جبارة، مما أدى إلى ارتطام الفنجان بالأرض وتحطمه، لتنتشر القهوة الساخنة وتلطخ ملابسه وتصيب يد رغد. انتفضت رغد مرتجفة، والذعر يملأ عينيها خلف نظارتها، بينما سحبها هيثم بعنف إلى داخل المكتب وأغلق الباب خلفه. صرخ هيثم بصوتٍ زلزل أرجاء الغرفة: — "ألا زلتِ تظنين أنكِ تمثلين دور البريئة؟ أهذا التلاعب يعجبكِ؟ أتظنين أنني أحمق لأصدق هذا الوجه الذي يتبدل كالقناع؟" تجمدت رغد مكانها، لا تفهم شيئاً من اتهاماته، حتى لاحظ هيثم فجأة أن القهوة الساخنة قد حرقت يدها. تلاشى غضبه للحظة، وحل محله توتر غريب؛ أمسك يدها بلطف غير متوقع، وقال بصوتٍ أخفت: — "آسف... أنا..." لكن رغد كانت قد انكسرت؛ انهمرت دموعها كالسيل، وبدت أمام عينيه قمة في البراءة والظلم، لدرجة أن قلبه تأرجح بعنف. نزعت يدها من قبضته بقسوة، ووقفت أمامه تهتز من فرط النحيب، وقالت بصوتٍ متقطع، تكاد لا تبين فيه الحروف من شدة البكاء: — "لا أعرف... لا أعرف لماذا تعاملني هكذا! ولا في أي شيء أخطأت في حقك... لكني أقسم، أقسم أنني لم أفعل شيئاً!" توقفت لتلتقط أنفاسها المتهدجة، ثم تابعت بمرارة: — "إذا كنت تريد طردي... فافعل، لكن لا تعاملني بهذه الطريقة... أرجوك، أنا بشر ولست دمية في يديك!" لم ينتظر هيثم رداً، إذ خرجت رغد مسرعة، تاركةً خلفها صمتاً ثقيلاً. جلس هيثم على كرسيه، يراقب المكان الفارغ الذي كانت تقف فيه. بدأ يفكر؛ هل ظلمها؟ هل كانت تلك الدموع حقيقية أم أنها جزء من خدعة أخرى؟ "ربما رغد بريئة... لكنني متأكد أن غزل ليست كذلك!" تمتم لنفسه. استشعر هيثم وخزاً في ضميره؛ لقد كان قاسياً. أمسك بمنديل من على مكتبه، ونهض بلهفة—ليس كمدير، بل كرجلٍ يبحث عن الحقيقة أو ربما يبحث عن الغفران—وانطلق يبحث عنها في أرجاء الشركة، عازماً على إيجادها، كانت شركة "السهم الأخضر" تسير بوتيرة عملها المعتادة حتى دخل آدم، الأخ الأصغر لهيثم، بخطواته الواثقة وضحكاته العالية. كان آدم، الذي يصغر هيثم بسنتين فقط، يمتلك طاقة مختلفة تماماً؛ بدأ يمازح الموظفين ويتبادل معهم الضحكات، مكسراً الجمود الذي يفرضه أخوه على المكان. أثناء تجوله، وقعت عيناه على رغد من بعيد، فقرر أن يداعبها. اقترب منها خلسة ليخيفها، لكنه بمجرد أن اقترب، وجدها تبكي بمرارة. تلاشى المرح من ملامحه فوراً، وحاول استبداله بمحاولة لإضحاكها. مد يده بخفة ونزع نظارتها الطبية، ثم ارتداها هو بطريقة مضحكة. ضحكت رغد رغم دموعها وقالت بابتسامة خجولة: "أنت تبدو مضحكاً بها!"، فأجابها آدم وهو يعيدها لها: "في الحقيقة، أنتِ أجمل بدونها!". هزت رغد رأسها وهي تمسح بقايا دموعها وقالت: "أعلم ذلك، لكنني اعتدت عليها. لقد أجريت عملية تصحيح نظر منذ زمن، لكنني أصبحت أشعر أنني لا أكتمل بدون هذه النظارة". ضحك آدم من قلبها، وضحكت معه رغد بعفوية. في تلك اللحظة، كان هيثم يقترب من الرواق قاصداً مكتبها للاعتذار لها عما بدر منه سابقاً، ممسكاً بمنديل ليقدمه لها. ولكن قبل أن يصل، تعثرت رغد بسبب رباط حذائها الذي انفك فجأة، وأوشكت على السقوط. في لمح البصر، اندفع آدم وأمسك بها ليمنعها من الارتطام بالأرض. توقف هيثم في مكانه فور رؤيته لهذا المشهد. تجمدت نظراته، وسرى في جسده شعور عارم بالغضب. قبض بيده على المنديل الذي كان يحمله بشدة، وانقبضت عضلات يده لدرجة أن المنديل كاد يتمزق بين أصابعه، بينما كان يراقب آدم وهو يمسك برغد. تسمر آدم وهو يمسك رغد، بينما كان هيثم يتقدم نحوهما بخطوات ثقيلة كأنها قرع طبول الحرب. لاحظ آدم أخاه، فابتسم له ببراءة قائلاً: "أوه، هيثم! لقد كدت تسقط، أليس كذلك يا رغد؟". لكن هيثم لم يعر آدم أي اهتمام. كانت عيناه مثبتتين على رغد، وعضلات فكه منقبضة بعنف، بينما استمرت يده في سحق المنديل. اقترب منهما حتى أصبح يواجههما مباشرة، وترك آدم ذراع رغد فوراً تحت وطأة النظرات الحارقة التي كان يطلقها أخوه. انحنى هيثم قليلاً، ومال برأسه نحو رغد، وبصوتٍ منخفضٍ ومسموم، لا يسمعه سواها، همس بكلمات جعلت الدماء تتجمد في عروقها: — "إذاً، تتملصين مني لأنك وجدتِ فريسة جديدة." لم تكن رغد قادرة على الرد، فقد حبست الصدمة أنفاسها. كان هيثم يراقب كل ذرة رعب في ملامحها، ثم التفت إلى آدم بنظرة باردة وأمره بحزم: — "ابتعد عن هنا يا آدم. لدينا عمل، ولا وقت للألعاب." غادر آدم وهو يهز كتفيه باستغراب من تقلب مزاج أخيه، تاركاً رغد وحدها أمام بركان هيثم الهائج.تغيرت ملامح الدكتورة نهال تماماً، فتحولت نبرتها الحاسمة المهنية إلى أخرى مهتزة ومحملة بهاجس مخيف يثقل كاهلها. مالت إلى الأمام قليلاً، وخفضت صوتها أكثر لكي لا يتسرب أي حرف إلى الخارج، وقالت بعيون ملؤها التوتر:— "يا هيثم... هناك أمر بالغ الخطورة يجب أن تدركه جيداً، ولا تحتمل حالتها أي تهاون."نظر إليها هيثم بتركيز تام، وعقلاهما يعملان بانسجام تام تفرضه خطورة الموقف، لتردف نهال بنبرة جادة:— "هناك طبيب قادم إلى هنا بعد شهر كامل.... هذا الرجل يحمل في جعبته بروتوكولاً جديداً كلياً وثورياً للتنويم المغناطيسي العميق وإعادة دمج الوعي. أنا أؤمن تماماً، وبناءً على المعطيات الأخيرة، أنه سينجح فيما فشلنا فيه طوال الأشهر الماضية."عقد هيثم حاجبيه بفضول، وبدت على وجهه ملامح الامتزاج بين الأمل والترقب، لكنه سرعان ما قاطعها بتساؤل متحفظ:— "لكن... ماذا تقصدين بالتحديد؟ ما هي المشكلة في ذلك طالما أن العلاج قادم؟"تنهدت نهال بعمق وهي تحرك رأسها يميناً ويساراً برفض قاطع، وقالت بنبرة حادة وواضحة:— "لكن المشكلة الأكبر تكمن في الوقت الفاصل بيننا وبين وصوله. يجب أن نحافظ على هذا السر بأقصى درجات الحذر
أخذت البوظة بخجل، وقالت بصوت خافت يشوبه الامتنان:— "شكراً..."لم يجبها بكلمة واحدة، بل عاد لتشغيل المحرك وتابع القيادة نحو عيادة الدكتورة نهال بملامح جامدة. طوال الطريق، كانت "رغد" تتذوق المثلجات بصمت، بينما سرقت عيناها عدة نظرات خلسة لتتأمل ظل وجهه الجانبي، وتحديداً خط أنفه المستقيم وتركيزه العميق على الطريق، متساءلة عن حقيقة هذا الرجل الذي يجمع بين القسوة المطلقة والاهتمام المفاجئ.وما إن وصلا ودخلا العيادة، حتى بادلتهما الدكتورة نهال التحية بابتسامة عملية هادئ ثم قالت بنبرة مهنية هادئة لا تتناسب أبداً مع حجم الكارثة التي تنطق بها:— "أقترح أن تبقي مع هيثم طوال اليوم يا رغد... هكذا سنتمكن من أن نعرف ما يحدث بالضبط في فترات فقدانك للذاكرة."اتسعت عينا رغد بذهول تام، ونظرت إلى الطبيبة وكأنها شخص غريب تراه للمرة الأولى في حياتها. تلاحقت أنفاسها في صدرها حتى كادت تختنق، وهي تنقل بصرها المذعور بين ملامح نهال الهادئة جداً، ووجه هيثم الجامد كتمثال من الجليد والذي لم يبدِ أي رد فعل، كأنه كان يعلم مسبقاً بما سيقال.تراجعت رغد خطوة للخلف، وقالت بصوت مهتز يقطر بالاستنكار والرفض المطلق:—
ذلك اليوم المشؤوم...يوم تجرأ والده وأحضر عشيقته وطفله غير الشرعي إلى عقر دارهما دون أدنى احترام لروح الفقيدة. يومها، لم يتماسك هيثم أمام الوقاحة التي رآها، فصرخ في وجه أبيه بانهيار وغضب أعمى:— "ألم يمر حتى شهر واحد على وفاة أمي لتجلب هذه إلى هنا؟!"ولم تكن الإجابة سوى صفعة قوية ومدوية هبطت على وجهه من أبيه، صفعة تركت طعماً مراً في حلقه ونيرانًا تحرق صدره. يومها، وسط دموعه المكبوتة ونظرات الشماتة، أقسم هيثم بصوت مرتعش أمام المرآة أنه سيبني نفسه من الصفر، وأنه لن يحتاج إلى أحد كائناً من كان، وسيدوس على كل من تجرأ على كسر رأسه.لكن وسط ذلك الحطام النفسي، تذكر كيف أتت جدته إليه بحنان باغت، فحضنته بقوة وكأنها تريد أن تجمع أجزائه المتناثرة، وهمست في أذنه بكلمات دافئة:— "أنا في مكان أمك يا بني... وأقسم أنني لن أموت إلا حين أراك تتزوج وتؤسس عائلتك الخاصة التي تحميك وتحمي بيتك."فتح عينيه ببطء، وابتسم بمرارة خفية وهو يستعيد عهده القديم؛ ليُدرك أن هذه الصفقة المؤقتة لم تكن مجرد هروب من ورطة رغد، بل كانت الحصن الوحيد ليفيء بوعده القديم للجدة، ولو كان الثمن هو الدخول في لعبة مع عناد رغد ال
عقدت "رغد" حاجبيها بتعجب أكبر، وقد تشتت غضبها أمام بروده الغريب، لتردد بصوت مهتز ومخترق:— "الجدة تتصل بكَ أنت؟! وكيف يكون..."لم تنهِ جملتها؛ فقد اقترب منها هيثم أكثر، متملاً أي مسافة فاصلة بين وجهيهما حتى كاد يلتصق بها، ثم مد أصبعه برفق ولمس طرف أنفها بحركة خفيفة، وقال بصوت هامس وخبيث يخفي ابتسامة ساخرة:— "ايتها الحمقاء... إنها جدتي أنا، وليست جدتكِ أنتِ."أدركت "رغد" فجأة مدى تسرّعها وغبائها في تلك اللحظة، فاحمرّت وجنتاها خجلاً وارتباكاً من قربه الشديد وتصرفه المباغت. وقبل أن تستوعب تماماً ورطتها أو تفكر في ردّ فعل مناسب، كان هيثم قد ابتعد عنها بخفة، ووقف مستقيماً وهو يعدل ياقَتَه ببرود وهدوء تام كأن شيئاً لم يكن.نظر إليها نظرة جادة ومدروسة، ثم قال بنبرة عملية واثقة:— "سأعقد معكِ صفقة يا رغد.. هل ترغبين في إنهاء ديونكِ بالكامل في أسرع وقت ممكن؟"علّقت عيناها به بذهول للحظة، مستوعبة ثقل العرض، ثم أومأت برأسها تدريجياً وبإيجاب وهي تشعر بفضول قاتل تجاه ما ينويه.نظر إليها هيثم بنظرة ثابتة وخالية من أي تردد، وبنبرة هادئة حملت وزن قرار مصيري، قال بثقة تامة:— "تزوجيني."اتسعت عينا
تنهد هيثم بعمق ليطرد توتر اللحظة، متذكراً فوراً تحذيرات الدكتورة الصارمة: "إياك ومواجهتها، لا تذكر اسم (غزل) مباشرة أمامها، فالعقل قد يرفض الحقيقة ويدخل في حالة إنكار مدمرة"..أغمض عينيه بثقل، ثم فتحهما ليرسم على محياه ابتسامة هادئة ومصطنعة ليخفي ارتباكه، وقال بنبرة عملية:— "ليس مهمّاً الآن يا رغد.. انسَيْ ما قلتُه، اذهبي وارتِحي أولاً، فالرحلة كانت متعبة."التزمت الصمت طوال ما تبقى من الطريق، وكان التوتر يملأ الأجواء بينهما. وما إن توقفت السيارة أخيرًا أمام عمارة منزلها، حتى فتحت الباب وهمت بالنزول، لكنها تفاجأت بالمكان.التفتت إليه بذعر طفيف وعيناها تتحركان بيّن واجهة البناء ورجال الأمن، لتقول بصوت مهتز ومفجوع:— "انتظر.. لماذا أتينا إلى هنا؟! هذا ليس منزلي! لماذا لم نذهب إلى البيت؟!"نزِل هيثم بسرعة من السيارة، والتف حولها ليمسك بمعصمها برفق حين همّت بالاحتجاج، ثم نظر إليها بنظرة حازمة ومصطنعة تخفي خلفها ألماً عميقاً. قال بصوت قاطع وثابت لا يقبل النقاش:— "أنتِ مطرودة من البيت يا رغد.. ولا مكان تذهبين إليه سواي."عقدت حاجبيها بذهول صاعق، وسحبت يدها بقوة وكأن كلماته كانت صفعة ع
فتحت "رغد" عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من كابوس طويل وثقيل. لمعت في عينيها نظرة مليئة بالحيرة العميقة، والحزن المكتوم، واهتزاز الثقة كمن فقدت مرساته في منتصف العاصفة. نظرت إلى هيثم الواقف بجانب السرير، ثم التفتت برأسها لتتفقد المكان، وكأنها تحاول تجميع شتات عقلها المبعثر.لم تدم لحظات صمتها طويلاً؛ نهضت بسرعة من السرير الطبيه، وألقت نظرة سريعة على حقيبتها، ثم أمسكت بهاتفها المحمول وهمّت بالمغادرة بخطوات متسرعة ومرتجفة.مدّ هيثم يده بسرعة وأمسك بمعصمها ليمنعها من الهروب، لكنها سحبت يدها بقوة وعنفوان مفاجئ، وكأن لمسها يثير فزعها. التفتت نحو الدكتور طارق الذي كان يتابع الموقف بقلق بالغ، وقالت بصوت متهدج بالكاد يحمل نفسه:— "عفواً يا استاذي.. أنا لست بخير أبداً، سأزورك لاحقا."وقبل أن يتسنى لأي منهما قول حرف واحد، استدارت وركضت بخطوات هاربَة خارج المستوصف.انطلق هيثم خلفها بخطوات واسعة حتى أدركها قرب البوابة الرئيسية للجامعة، حيث كانت تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة. مدّ يده وأمسك بيدها مجدداً، لكن هذه المرة بحزم تملؤه المسؤولية، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:— "أنا من أحضرك إلى هنا، وأتحمل