LOGINبينما هبطت خطوط المساء الصفراء المحمرة، معلنةً عن قدوم ليلٍ لا يحمل في طياته السكينة، عاد هيثم إلى مكتبه. لم يكن ينوي العمل؛ كان يريد فقط مكاناً يبتعد فيه عن أشباح منزله. فمنذ أن عاد آدم قبل أيام، أصبح البيت بالنسبة له ساحة من الذكريات المرة؛ فهو لا يحتمل تلك العقدة التي تنهش روحه، رؤية تدليل والده لآدم، ذلك التدليل الذي كان دائماً ما يراه "مستحقاً" لآدم و"محرماً" عليه هو.
استلقى هيثم على الأريكة الجلدية في الغرفة الجانبية للمكتب، وترك رأسه يغوص في الوسادة، بينما بدأت ذكرياته تتشكل كشرائط سينمائية أمام عينيه. بدأت صور "غزل" تقتحم ذهنه؛ تمردها، جرأتها التي تتحدى بها قوانين الجاذبية، وتلك القبلة التي لا يزال طعم التحدي فيها عالقاً على شفتيه. وفجأة، تحولت الصورة إلى "رغد"؛ خوفها، ارتعاش يديها، احمرار وجنتيها خجلاً، ودموعها التي كانت تسقط كقطرات من مطرٍ نقي. ابتسم هيثم للحظة لا إرادية، ابتسامة تلاشت بسرعة لتترك مكانها لملامح الجدية والانكسار. قلبَ جسده على الأريكة، ونظر إلى السقف المعتم، ثم قال بصوتٍ خافت، يكاد يكون مجرد صدىً لأنفاسه: — "أعتقد أنني دخلت مرحلة الجنون... إذا لم أفك شفرة هذا اللغز قريباً، أقسم أنني سأفقد عقلي بالفعل." أغمض عينيه، محاولاً حصر التناقضات؛ رغد أم غزل؟ الضحية أم الجلاد؟ وبينما كان يغرق في النوم، ظل اسمهما يتردد في أعماق تفكيره، وكأن لغز "حالة غزل" هو الجدار الأخير الذي يفصل بينه وبين الانهيار التام. بينما هبطت خطوط المساء الصفراء المحمرة، معلنة عن قدوم ليلٍ لا يحمل في طياته السكينة، عاد هيثم إلى مكتبه. لم يكن ينوي العمل؛ كان يريد فقط مكاناً يبتعد فيه عن أشباح منزله. فمنذ أن عاد آدم قبل أيام، أصبح البيت بالنسبة له ساحة من الذكريات المرة؛ فهو لا يحتمل تلك العقدة التي تنهش روحه، رؤية تدليل والده لآدم، ذلك التدليل الذي كان دائماً ما يراه "مستحقاً" لآدم و"محرماً" عليه هو. استلقى هيثم على الأريكة الجلدية في الغرفة الجانبية للمكتب، وترك رأسه يغوص في الوسادة، بينما بدأت ذكرياته تتشكل كشرائط سينمائية أمام عينيه. بدأت صور "غزل" تقتحم ذهنه؛ تمردها، جرأتها التي تتحدى بها قوانين الجاذبية، وتلك القبلة التي لا يزال طعم التحدي فيها عالقاً على شفتيه. وفجأة، تحولت الصورة إلى "رغد"؛ خوفها، ارتعاش يديها، احمرار وجنتيها خجلاً، ودموعها التي كانت تسقط كقطرات من مطرٍ نقي. ابتسم هيثم للحظة لا إرادية، ابتسامة تلاشت بسرعة لتترك مكانها لملامح الجدية والانكسار. قلبَ جسده على الأريكة، ونظر إلى السقف المعتم، ثم قال بصوتٍ خافت، يكاد يكون مجرد صدىً لأنفاسه: — "أعتقد أنني في مرحلة الجنون... إذا لم أفك شفرة هذا اللغز، سأجن بالفعل." في هذه الأثناء، وفي الطرف الآخر من المدينة، كانت رغد تمشي بخطوات حذرة نحو المشفى لتتفقد عمها. وقفت خلف الزجاج العازل تراقب ملامحه الشاحبة، وشعرت بحزنٍ عميق يمزق قلبها. وبينما كانت غارقة في صمتها، ارتعش جسدها بالكامل، واقشعر بدنها عند سماعها صوتاً مألوفاً، صوتاً يحمل في طياته سموماً قديمة؛ إنها "لندا"، زوجة عمها. كانت لندا تمثل الكابوس الذي يطارد رغد، فقد كانتا تكرهان بعضهما بشدة، ولطالما كانت لندا تحتقر رغد وتؤذيها، مما جعل رغد تخاف منها ومن مكرها. اقتربت لندا بابتسامة باردة لا تحمل أي ذرة من الحزن على زوجها المريض، وهمست بنبرة ساخرة: — "رغد؟ أنتِ هنا لتتمني لعمك العمر المديد، أليس كذلك؟" هزت رغد رأسها موافقة بصمت، لكن لندا نظرت إليها بنظرة شريرة وقالت بنبرة حاقدة: — "لكن أنا لا أتمنى موته، فقد ارتحت من والدك وأمك عديمة الفائدة تلك، وبعد أن أرتاح من عمك هذا سأكون أنا الوريثة لجميع أموال عائلة نوح." ما إن أنهت كلماتها حتى تقدمت رغد بخطوات ثابتة، وظهرت على وجهها نظرة مرعبة لم تعهدها لندا من قبل. ابتسمت رغد ابتسامة مخيفة وقالت بصوتٍ تقشعر له الأبدان: — "مرحباً يا زوجة عمي الحباب." ما إن سمعت لندا هذه الكلمة حتى جحظت عيناها، وتراجعت للخلف، وبدأ جسدها يرتعش بشكل لا إرادي من الخوف والذهول.تغيرت ملامح الدكتورة نهال تماماً، فتحولت نبرتها الحاسمة المهنية إلى أخرى مهتزة ومحملة بهاجس مخيف يثقل كاهلها. مالت إلى الأمام قليلاً، وخفضت صوتها أكثر لكي لا يتسرب أي حرف إلى الخارج، وقالت بعيون ملؤها التوتر:— "يا هيثم... هناك أمر بالغ الخطورة يجب أن تدركه جيداً، ولا تحتمل حالتها أي تهاون."نظر إليها هيثم بتركيز تام، وعقلاهما يعملان بانسجام تام تفرضه خطورة الموقف، لتردف نهال بنبرة جادة:— "هناك طبيب قادم إلى هنا بعد شهر كامل.... هذا الرجل يحمل في جعبته بروتوكولاً جديداً كلياً وثورياً للتنويم المغناطيسي العميق وإعادة دمج الوعي. أنا أؤمن تماماً، وبناءً على المعطيات الأخيرة، أنه سينجح فيما فشلنا فيه طوال الأشهر الماضية."عقد هيثم حاجبيه بفضول، وبدت على وجهه ملامح الامتزاج بين الأمل والترقب، لكنه سرعان ما قاطعها بتساؤل متحفظ:— "لكن... ماذا تقصدين بالتحديد؟ ما هي المشكلة في ذلك طالما أن العلاج قادم؟"تنهدت نهال بعمق وهي تحرك رأسها يميناً ويساراً برفض قاطع، وقالت بنبرة حادة وواضحة:— "لكن المشكلة الأكبر تكمن في الوقت الفاصل بيننا وبين وصوله. يجب أن نحافظ على هذا السر بأقصى درجات الحذر
أخذت البوظة بخجل، وقالت بصوت خافت يشوبه الامتنان:— "شكراً..."لم يجبها بكلمة واحدة، بل عاد لتشغيل المحرك وتابع القيادة نحو عيادة الدكتورة نهال بملامح جامدة. طوال الطريق، كانت "رغد" تتذوق المثلجات بصمت، بينما سرقت عيناها عدة نظرات خلسة لتتأمل ظل وجهه الجانبي، وتحديداً خط أنفه المستقيم وتركيزه العميق على الطريق، متساءلة عن حقيقة هذا الرجل الذي يجمع بين القسوة المطلقة والاهتمام المفاجئ.وما إن وصلا ودخلا العيادة، حتى بادلتهما الدكتورة نهال التحية بابتسامة عملية هادئ ثم قالت بنبرة مهنية هادئة لا تتناسب أبداً مع حجم الكارثة التي تنطق بها:— "أقترح أن تبقي مع هيثم طوال اليوم يا رغد... هكذا سنتمكن من أن نعرف ما يحدث بالضبط في فترات فقدانك للذاكرة."اتسعت عينا رغد بذهول تام، ونظرت إلى الطبيبة وكأنها شخص غريب تراه للمرة الأولى في حياتها. تلاحقت أنفاسها في صدرها حتى كادت تختنق، وهي تنقل بصرها المذعور بين ملامح نهال الهادئة جداً، ووجه هيثم الجامد كتمثال من الجليد والذي لم يبدِ أي رد فعل، كأنه كان يعلم مسبقاً بما سيقال.تراجعت رغد خطوة للخلف، وقالت بصوت مهتز يقطر بالاستنكار والرفض المطلق:—
ذلك اليوم المشؤوم...يوم تجرأ والده وأحضر عشيقته وطفله غير الشرعي إلى عقر دارهما دون أدنى احترام لروح الفقيدة. يومها، لم يتماسك هيثم أمام الوقاحة التي رآها، فصرخ في وجه أبيه بانهيار وغضب أعمى:— "ألم يمر حتى شهر واحد على وفاة أمي لتجلب هذه إلى هنا؟!"ولم تكن الإجابة سوى صفعة قوية ومدوية هبطت على وجهه من أبيه، صفعة تركت طعماً مراً في حلقه ونيرانًا تحرق صدره. يومها، وسط دموعه المكبوتة ونظرات الشماتة، أقسم هيثم بصوت مرتعش أمام المرآة أنه سيبني نفسه من الصفر، وأنه لن يحتاج إلى أحد كائناً من كان، وسيدوس على كل من تجرأ على كسر رأسه.لكن وسط ذلك الحطام النفسي، تذكر كيف أتت جدته إليه بحنان باغت، فحضنته بقوة وكأنها تريد أن تجمع أجزائه المتناثرة، وهمست في أذنه بكلمات دافئة:— "أنا في مكان أمك يا بني... وأقسم أنني لن أموت إلا حين أراك تتزوج وتؤسس عائلتك الخاصة التي تحميك وتحمي بيتك."فتح عينيه ببطء، وابتسم بمرارة خفية وهو يستعيد عهده القديم؛ ليُدرك أن هذه الصفقة المؤقتة لم تكن مجرد هروب من ورطة رغد، بل كانت الحصن الوحيد ليفيء بوعده القديم للجدة، ولو كان الثمن هو الدخول في لعبة مع عناد رغد ال
عقدت "رغد" حاجبيها بتعجب أكبر، وقد تشتت غضبها أمام بروده الغريب، لتردد بصوت مهتز ومخترق:— "الجدة تتصل بكَ أنت؟! وكيف يكون..."لم تنهِ جملتها؛ فقد اقترب منها هيثم أكثر، متملاً أي مسافة فاصلة بين وجهيهما حتى كاد يلتصق بها، ثم مد أصبعه برفق ولمس طرف أنفها بحركة خفيفة، وقال بصوت هامس وخبيث يخفي ابتسامة ساخرة:— "ايتها الحمقاء... إنها جدتي أنا، وليست جدتكِ أنتِ."أدركت "رغد" فجأة مدى تسرّعها وغبائها في تلك اللحظة، فاحمرّت وجنتاها خجلاً وارتباكاً من قربه الشديد وتصرفه المباغت. وقبل أن تستوعب تماماً ورطتها أو تفكر في ردّ فعل مناسب، كان هيثم قد ابتعد عنها بخفة، ووقف مستقيماً وهو يعدل ياقَتَه ببرود وهدوء تام كأن شيئاً لم يكن.نظر إليها نظرة جادة ومدروسة، ثم قال بنبرة عملية واثقة:— "سأعقد معكِ صفقة يا رغد.. هل ترغبين في إنهاء ديونكِ بالكامل في أسرع وقت ممكن؟"علّقت عيناها به بذهول للحظة، مستوعبة ثقل العرض، ثم أومأت برأسها تدريجياً وبإيجاب وهي تشعر بفضول قاتل تجاه ما ينويه.نظر إليها هيثم بنظرة ثابتة وخالية من أي تردد، وبنبرة هادئة حملت وزن قرار مصيري، قال بثقة تامة:— "تزوجيني."اتسعت عينا
تنهد هيثم بعمق ليطرد توتر اللحظة، متذكراً فوراً تحذيرات الدكتورة الصارمة: "إياك ومواجهتها، لا تذكر اسم (غزل) مباشرة أمامها، فالعقل قد يرفض الحقيقة ويدخل في حالة إنكار مدمرة"..أغمض عينيه بثقل، ثم فتحهما ليرسم على محياه ابتسامة هادئة ومصطنعة ليخفي ارتباكه، وقال بنبرة عملية:— "ليس مهمّاً الآن يا رغد.. انسَيْ ما قلتُه، اذهبي وارتِحي أولاً، فالرحلة كانت متعبة."التزمت الصمت طوال ما تبقى من الطريق، وكان التوتر يملأ الأجواء بينهما. وما إن توقفت السيارة أخيرًا أمام عمارة منزلها، حتى فتحت الباب وهمت بالنزول، لكنها تفاجأت بالمكان.التفتت إليه بذعر طفيف وعيناها تتحركان بيّن واجهة البناء ورجال الأمن، لتقول بصوت مهتز ومفجوع:— "انتظر.. لماذا أتينا إلى هنا؟! هذا ليس منزلي! لماذا لم نذهب إلى البيت؟!"نزِل هيثم بسرعة من السيارة، والتف حولها ليمسك بمعصمها برفق حين همّت بالاحتجاج، ثم نظر إليها بنظرة حازمة ومصطنعة تخفي خلفها ألماً عميقاً. قال بصوت قاطع وثابت لا يقبل النقاش:— "أنتِ مطرودة من البيت يا رغد.. ولا مكان تذهبين إليه سواي."عقدت حاجبيها بذهول صاعق، وسحبت يدها بقوة وكأن كلماته كانت صفعة ع
فتحت "رغد" عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من كابوس طويل وثقيل. لمعت في عينيها نظرة مليئة بالحيرة العميقة، والحزن المكتوم، واهتزاز الثقة كمن فقدت مرساته في منتصف العاصفة. نظرت إلى هيثم الواقف بجانب السرير، ثم التفتت برأسها لتتفقد المكان، وكأنها تحاول تجميع شتات عقلها المبعثر.لم تدم لحظات صمتها طويلاً؛ نهضت بسرعة من السرير الطبيه، وألقت نظرة سريعة على حقيبتها، ثم أمسكت بهاتفها المحمول وهمّت بالمغادرة بخطوات متسرعة ومرتجفة.مدّ هيثم يده بسرعة وأمسك بمعصمها ليمنعها من الهروب، لكنها سحبت يدها بقوة وعنفوان مفاجئ، وكأن لمسها يثير فزعها. التفتت نحو الدكتور طارق الذي كان يتابع الموقف بقلق بالغ، وقالت بصوت متهدج بالكاد يحمل نفسه:— "عفواً يا استاذي.. أنا لست بخير أبداً، سأزورك لاحقا."وقبل أن يتسنى لأي منهما قول حرف واحد، استدارت وركضت بخطوات هاربَة خارج المستوصف.انطلق هيثم خلفها بخطوات واسعة حتى أدركها قرب البوابة الرئيسية للجامعة، حيث كانت تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة. مدّ يده وأمسك بيدها مجدداً، لكن هذه المرة بحزم تملؤه المسؤولية، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:— "أنا من أحضرك إلى هنا، وأتحمل







