LOGINكانت الرياح العاتية تعصف بحافة السطح المرتفع، وكأن الطبيعة نفسها كانت تشارك في هذه المأساة. هناك، على الحافة الفاصلة بين الحياة والموت، كانت تقف متأرجحة، فستانها يتطاير بعنف، وعيناها تلمضان بنظرة جنونية مرعبة. صرخ هيثم بصوت متقطع وهو يتقدم بحذر شديد، عيناه مثبتتان عليها بذعر لم يشهده قط: — "غزل! ارجعي إلى الخلف.. حاذري، سسسوف تسقطين!" توقف بضع خطوات عنها، فالتفتت إليه بابتسامة باهتة وموجعة، ملامح وجهها تشبعت بيأس مطبق، وقالت بصوت شقّه الهواء: — "مادْمتم جميعاً تريدون التخلص مني.. فستأتي نهايتي اليوم! سأموت.. وستموْت عزيزتكم (رغد) معي!"توقف هيثم مكانه، متجنباً أي حركة مفاجئة قد تدفعها لتنفيذ ما هددت به. كان الهواء البارد يعصف بالمكان، لكن أنفاسه المتقطعة وحدقات عينيه المليئتين بالخوف عليها كانتا تحملان دفئاً استثنائياً. قال بصوت منخفض، مشحون برجاء صادق ومحاولات مستميتة لتهدئتها: — "غزل.. أنتِ لا تفهمينني. الدمج... الدمج ليس تخلّصاً منكِ أبداً. الأمر ليس محواً ولا إعداماً!" التفتت إليه برأسها، وبدا على محياها استهزاء مرير يمزقه الألم، لتصرخ بصوت تناثر في مهب الريح: — "إذن ما هو؟! ماذا تسميه حين تقررون جميعاً أن تبتلعوني وتطمسوني؟" خطا هيثم خطوة إلى الأمام، ومد يده نحوها ببطء شديد، شارحاً بنبرة هادئة وحازمة: — "هو أشبه بدمج الألوان يا غزل... الأزرق والاحمر حين يمتزجان، يصنعان لوناً جديداً كلياً؛ البنفسجي. وحتى وإن صار بنفسجياً، ألا ترين؟ الأزرق بمكوناته ما زال في داخله، وكذلك الأحمر! أنتما لستما ضدين، أنتما شقّان لروح واحدة." ساد صمت ثقيل بينهما لبرهة،لكن الشرر في عينيها تحول إلى انكسار عميق، وهي ترد بصوت غارق في اليأس: — "ولكن... من ستبقى في النهاية؟" أجهشت بصوت مخنوق: "ستبقى (رغد)... وحدها رغد! أما أنا، أما (غزل)... فستموت إلى الأبد!" أجهشت بصراخ هستيري وموجع هزّ أركان المكان: — "أنا لست غبية! أنا أعرفه جيداً.. [قبل سنة .... - كان هيثم يجلس في حفلة تتويج وريثة عائلة نوح التي لم تظهر للعلن قط ... مخنوق من أجواء الحفلات الرسمية يجلس في زاوية مضلمة حتى...........
View Moreكان الفستان الأحمر بلا أكمام يلتف حول جسدها كخطيئة لا تجرؤ على ارتكابها، لذا دست نفسها داخل شال كثيف من الريش، محاولةً الاختباء من العيون الصاخبة في الحفل. كانت خطواتها مترددة، تكاد تسمع دقات قلبها المذعورة فوق صوت كعوبها القلقة. رفعت يدها لتعدل نظارتها الطبية، متمنيةً لو أن هذه العدسات الزجاجية تحجب عنها العالم الخارجي بأكمله.
وفجأة، اختل توازنها إثر صدمة عنيفة بكتفها كادت تطيح بها أرضاً. "أوبس! إنها أنتِ؟ لم أتعرف عليكِ يا عديمة الفائدة!" ترددت ضحكة "نور" المستفزة في الممر، تلك الضحكة التي طالما لاحقت رغد منذ سنوات الدراسة. نور، التي لم تغفر لرغد يوماً تفوقها الأكاديمي، كانت ترتدي ثوباً باهظ الثمن وتنظر إليها بنظرة ملؤها التشفي والتحقير، قبل أن تدير ظهرها وتدلف إلى القاعة الفاخرة بكبرياء زائف. توقفت الأنفاس في صدر رغد. انحنت برأسها لثوانٍ، وبدا وكأن الزمن تجمّد في ذلك الممر الضيق. لكن، لم تكن هناك دموع هذه المرة. ببطء شديد، استقامت وقفتها. تلاشت الرجفة من كتفيها، وحلت مكانها برودة وثقة مفاجئة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة حادة، وتمتمت بنبرة صوت واثقة: "أوف... ما هذا الحر الخانق؟" بحركة سريعة ومستهينة، نزعت شال الريش ورشقته في سلة المهملات القريبة كأنه خرقة بالية. تلاها انتزاع النظارة الطبية لتكشف عن عينين تشعان جرأة وتحدياً. سحبت المشبك الذي يمسك شعرها، فانفجر سواده الطويل منسدلاً على ظهرها، ليغطي حدود تلك الندبة القديمة الغامضة. أخرجت من حقيبتها الصغيرة أحمر شفاه، وبلون دموي قاطع، حددت كرزتي شفتيها. تحولت الخطوات المترددة إلى مشية متزنة، واثقة، ومستفزة تكاد تطحن الأرض تحتها. ولجت القاعة كملكة تملك المكان، دون أن تلتفت للهمسات من حولها. كانت عيناها مثبتتين على هدف واحد: نور. مرت بجانب إحدى الطاولات، التقطت كأساً من النبيذ بحركة انسيابية، وتقدمت بخطوات بطيئة خلف نور التي كانت تتباهى بفستانها وسط جمع من المدعوين. وبحركة بدت عفوية تماماً، مالت يدها لتسكب السائل الأحمر القاني ببطء وثبات فوق فستان نور الأبيض الفاخر. شهقت نور برعب وهي ترى بقعة "الدم" المزيفة تتسع على قماشها، لتلتفت بغضب أعمى. تملكتها الهستيريا وهي ترى رغد تقف أمامها بابتسامة ساحرة وباردة وتهمس: "أوووبس... لم أركِ! آسفة جداً." جن جنون نور، ورفعت يدها في الهواء بغضب عارم لتهوي بصفعة على وجه رغد أمام الجميع. لكن قبل أن تلمسها، تحركت يد رغد بسرعة خاطفة كأفعى، وقبضت على معصم نور بقوة حديدية جمدتها في مكانها. وبدون تردد، ردت لها الصفعة بقوة دوت في أرجاء القاعة الساكنة، لتترنح نور صدمةً ورعباً. نظرت رغد حولها باحتقار، وقالت بنبرة حادة هزت المكان: "تباً لكِ، ولأمثالكِ، ولحفلتكم السخيفة!" استدارت لتمشي نحو المخرج بكبرياء، لكن طول فستانها قيد حركتها السريعة وأزعجها. وبحركة عفوية ومجنونة صدمت الحضور، التقطت سكيناً حاداً من فوق طاولة الطعام القريبة، وبضربات قاطعة وسريعة، مزقت ذيل الفستان الطويل لتحوله في ثوانٍ إلى فستان قصير يمنحها حرية الحركة، ثم ألقت السكين على الأرض وتابعت طريقها للخارج بخطوات واثقة. على الجانب الآخر من القاعة، كان هناك رجل يقف في الظل، يراقب المشهد بالكامل وعيناه تتسعان ذهولاً. إنه هيثم أغنى رجل في مدينة السهول يعد على رأس قائمة النخبة و أحد أهم عشرة رجال في القارة أسس أول شركة له عندما كان يبلغ من العمر 18 سنة لتواصل الازدهار و يصبح أغنى رجل في مدينة النور تسمر في مكانه وهو يرى جرأتها، ولأول مرة منذ سنوات، تلاشت الملامح الصارمة عن وجهه الجاد لتتحول إلى ابتسامة مصدومة، هادئة وعميقة. كان ذهوله ممزوجاً بإعجاب سري لم يختبره من قبل؛ فهو الرجل الذي قضى حياته كلها مكبلاً بالبروتوكولات، والخطط المدروسة، والمسؤوليات التي خنقت روحه، وجد نفسه مسحوراً فجأة بتمردها البدائي. لقد شعر للحظة أن هذه الفتاة فعلت بدقائق ما تمنى هو فعله طوال عمره: أن يصبح عفوياً، يضرب بالقواعد عرض الحائط، ويمضي دون أن يلتفت وراءه. انطلق وراءها بخطوات هادئة وموزونة، مدفوعاً بفضول قاتل ورغبة عارمة في اكتشاف هوية هذه الساحرة المتمردة التي قلبت الحفل وعالم القيود الخاص به رأساً على عقب. خرج وراءها بخطوات سريعة مستكشفاً عتمة الليل، ليرى طيفها الأحمر يتحرك كشعلة متمردة تحت أضواء الشارع الخافتة. كانت تمشي بزهو وثقة أثارت إعجابه. وقبل أن يتمكن من الاقتراب أو مناداتها، رفعت يدها بحركة انسيابية واثقة لتوقف أول سيارة أجرة مرت بالطريق. فتحت الباب، ودلفت إلى الداخل دون أن تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة، لتتحرك السيارة وتختفي بين أزقة المدينة الصاخبة. وقف هيثم في مكانه، وعيناه تلاحقان أثر السيارة الراحلة. تلمس شفتيه التي ما زالت تحتفظ بتلك الابتسامة المصدومة، وشعر أن فضوله قد وصل إلى ذروته. لقد رحلت المتمردة ذات الفستان الأحمر، تاركة خلفها عطراً نفاذاً وسؤالاً حارقاً سيسيطر على عقله طوال الليل: من تكون تلك الفتاة؟ تسللت خيوط شمس الصباح الباردة عبر شقوق النافذة، لتوقظ رغد من نوم عميق وثقيل كالكابوس. فتحت عينيها ببطء، لتشعر بثقل غريب يجثم على صدرها. حاولت النهوض، لكن تجمدت الدماء في عروقها عندما التفتت بجسدها؛ على طرف السرير، كان يقبع ذلك الفستان الأحمر المخملي الساحر، لكنه لم يكن كما كان... كان ممزقاً بشكل عشوائي صارخ، وأطرافه مهترئة كأن معركة شرسة دارت بين قماشه المخملي وبين يديّ إعصار متمرد. لم تكد تستوعب الصدمة أو تفهم كيف وصل هذا الفستان إلى غرفتها، حتى اخترق هدوء المنزل صوت صراخ حاد يأتي من الطابق السفلي. كان صوت جدتها وعمها يملأ الأرجاء غضباً. نزلت السلالم بخطوات مرتجفة، وقلبها يقرع طبول الرعب. فور أن لمحتها الجدة، صاحت بوجهها وعيناها تتطاير شرراً: "كيف تجرئين؟! كيف أفسدتِ حفل الشركة بجهلكِ وتصرفاتكِ الطائشة ليلة أمس؟! لقد فضحتِنا أمام الجميع!" قاطعها العم بنبرة حاقدة وصارمة، وهو يضرب كفاً بكف: "عقاباً لكِ على ما فعلتِهِ، لن تطأ قدمكِ شركة العائلة بعد اليوم! أحلامكِ بالعمل معنا تبخرت، سنعاقبكِ بحرمانكِ من هذا المنصب تماماً!" شعرت رغد بالارتباك الشديد، فذاكرتها فارغة تماماً عما يتحدثون عنه، لكن خوفها من مواجهتهم جعلها تبتلع غصتها. شبكت أصابعها ببعضها، وقالت بنبرة مرتجفة تحاول استجماع شجاعتها: "حـ.. حسناً، لا بأس.. سأبحث عن عمل في مكان آخر."أخذت البوظة بخجل، وقالت بصوت خافت يشوبه الامتنان:— "شكراً..."لم يجبها بكلمة واحدة، بل عاد لتشغيل المحرك وتابع القيادة نحو عيادة الدكتورة نهال بملامح جامدة. طوال الطريق، كانت "رغد" تتذوق المثلجات بصمت، بينما سرقت عيناها عدة نظرات خلسة لتتأمل ظل وجهه الجانبي، وتحديداً خط أنفه المستقيم وتركيزه العميق على الطريق، متساءلة عن حقيقة هذا الرجل الذي يجمع بين القسوة المطلقة والاهتمام المفاجئ.وما إن وصلا ودخلا العيادة، حتى بادلتهما الدكتورة نهال التحية بابتسامة عملية هادئ ثم قالت بنبرة مهنية هادئة لا تتناسب أبداً مع حجم الكارثة التي تنطق بها:— "أقترح أن تبقي مع هيثم طوال اليوم يا رغد... هكذا سنتمكن من أن نعرف ما يحدث بالضبط في فترات فقدانك للذاكرة."اتسعت عينا رغد بذهول تام، ونظرت إلى الطبيبة وكأنها شخص غريب تراه للمرة الأولى في حياتها. تلاحقت أنفاسها في صدرها حتى كادت تختنق، وهي تنقل بصرها المذعور بين ملامح نهال الهادئة جداً، ووجه هيثم الجامد كتمثال من الجليد والذي لم يبدِ أي رد فعل، كأنه كان يعلم مسبقاً بما سيقال.تراجعت رغد خطوة للخلف، وقالت بصوت مهتز يقطر بالاستنكار والرفض المطلق:—
ذلك اليوم المشؤوم...يوم تجرأ والده وأحضر عشيقته وطفله غير الشرعي إلى عقر دارهما دون أدنى احترام لروح الفقيدة. يومها، لم يتماسك هيثم أمام الوقاحة التي رآها، فصرخ في وجه أبيه بانهيار وغضب أعمى:— "ألم يمر حتى شهر واحد على وفاة أمي لتجلب هذه إلى هنا؟!"ولم تكن الإجابة سوى صفعة قوية ومدوية هبطت على وجهه من أبيه، صفعة تركت طعماً مراً في حلقه ونيرانًا تحرق صدره. يومها، وسط دموعه المكبوتة ونظرات الشماتة، أقسم هيثم بصوت مرتعش أمام المرآة أنه سيبني نفسه من الصفر، وأنه لن يحتاج إلى أحد كائناً من كان، وسيدوس على كل من تجرأ على كسر رأسه.لكن وسط ذلك الحطام النفسي، تذكر كيف أتت جدته إليه بحنان باغت، فحضنته بقوة وكأنها تريد أن تجمع أجزائه المتناثرة، وهمست في أذنه بكلمات دافئة:— "أنا في مكان أمك يا بني... وأقسم أنني لن أموت إلا حين أراك تتزوج وتؤسس عائلتك الخاصة التي تحميك وتحمي بيتك."فتح عينيه ببطء، وابتسم بمرارة خفية وهو يستعيد عهده القديم؛ ليُدرك أن هذه الصفقة المؤقتة لم تكن مجرد هروب من ورطة رغد، بل كانت الحصن الوحيد ليفيء بوعده القديم للجدة، ولو كان الثمن هو الدخول في لعبة مع عناد رغد ال
عقدت "رغد" حاجبيها بتعجب أكبر، وقد تشتت غضبها أمام بروده الغريب، لتردد بصوت مهتز ومخترق:— "الجدة تتصل بكَ أنت؟! وكيف يكون..."لم تنهِ جملتها؛ فقد اقترب منها هيثم أكثر، متملاً أي مسافة فاصلة بين وجهيهما حتى كاد يلتصق بها، ثم مد أصبعه برفق ولمس طرف أنفها بحركة خفيفة، وقال بصوت هامس وخبيث يخفي ابتسامة ساخرة:— "ايتها الحمقاء... إنها جدتي أنا، وليست جدتكِ أنتِ."أدركت "رغد" فجأة مدى تسرّعها وغبائها في تلك اللحظة، فاحمرّت وجنتاها خجلاً وارتباكاً من قربه الشديد وتصرفه المباغت. وقبل أن تستوعب تماماً ورطتها أو تفكر في ردّ فعل مناسب، كان هيثم قد ابتعد عنها بخفة، ووقف مستقيماً وهو يعدل ياقَتَه ببرود وهدوء تام كأن شيئاً لم يكن.نظر إليها نظرة جادة ومدروسة، ثم قال بنبرة عملية واثقة:— "سأعقد معكِ صفقة يا رغد.. هل ترغبين في إنهاء ديونكِ بالكامل في أسرع وقت ممكن؟"علّقت عيناها به بذهول للحظة، مستوعبة ثقل العرض، ثم أومأت برأسها تدريجياً وبإيجاب وهي تشعر بفضول قاتل تجاه ما ينويه.نظر إليها هيثم بنظرة ثابتة وخالية من أي تردد، وبنبرة هادئة حملت وزن قرار مصيري، قال بثقة تامة:— "تزوجيني."اتسعت عينا
تنهد هيثم بعمق ليطرد توتر اللحظة، متذكراً فوراً تحذيرات الدكتورة الصارمة: "إياك ومواجهتها، لا تذكر اسم (غزل) مباشرة أمامها، فالعقل قد يرفض الحقيقة ويدخل في حالة إنكار مدمرة"..أغمض عينيه بثقل، ثم فتحهما ليرسم على محياه ابتسامة هادئة ومصطنعة ليخفي ارتباكه، وقال بنبرة عملية:— "ليس مهمّاً الآن يا رغد.. انسَيْ ما قلتُه، اذهبي وارتِحي أولاً، فالرحلة كانت متعبة."التزمت الصمت طوال ما تبقى من الطريق، وكان التوتر يملأ الأجواء بينهما. وما إن توقفت السيارة أخيرًا أمام عمارة منزلها، حتى فتحت الباب وهمت بالنزول، لكنها تفاجأت بالمكان.التفتت إليه بذعر طفيف وعيناها تتحركان بيّن واجهة البناء ورجال الأمن، لتقول بصوت مهتز ومفجوع:— "انتظر.. لماذا أتينا إلى هنا؟! هذا ليس منزلي! لماذا لم نذهب إلى البيت؟!"نزِل هيثم بسرعة من السيارة، والتف حولها ليمسك بمعصمها برفق حين همّت بالاحتجاج، ثم نظر إليها بنظرة حازمة ومصطنعة تخفي خلفها ألماً عميقاً. قال بصوت قاطع وثابت لا يقبل النقاش:— "أنتِ مطرودة من البيت يا رغد.. ولا مكان تذهبين إليه سواي."عقدت حاجبيها بذهول صاعق، وسحبت يدها بقوة وكأن كلماته كانت صفعة ع
reviews