تسجيل الدخوللم يطل وقوف هيثم في الظل يراقب نحيبها؛ بل استدار وعاد إلى مكتبه والبركان يغلي في رأسه. الحيرة كادت تذهب بعقله الصارم الذي اعتاد على تفسير كل شيء بالأرقام والمنطق.
جلس خلف مكتبه، وجذب هاتفه المحمول بسرعة وضغط على زر الاتصال بمجيد. وما هي إلا ثوانٍ حتى كان مجيد يقف أمامه بوقاره المعتاد. نظر إليه هيثم بعينين حادتين كالصقر ونبرة صوت منخفضة ولكنها حاسمة تحمل أمراً لا يقبل النقاش: — "مجيد... أريدك أن تضع شخصاً موثوقاً للغاية، ظلاً لا يراه أحد، لمراقبة رغد على مدار الـ 24 ساعة." عقد مجيد حاجبيه بتعجب طفيف، لكنه حافظ على هدوئه وسأل: — "مراقبة داخل الشركة أم خارجها أيضاً يا سيدي؟" اتكأ هيثم بظهره إلى الخلف، وشبك أصابعه ببعضها وعيناه تشعان ببريق غامض وهو يجيب: — "في كل مكان! أريد تقريراً كاملاً ومفصلاً عن كل دقيقة في حياتها. من تقابل، أين تذهب، كيف تتصرف مع عائلتها، وحتى طريقتها في المشي والكلام خارج أسوار هذه الشركة. أريد فك شفرة هذه الفتاة بأي ثمن." أومأ مجيد برأسه بمهنية وسجل الأمر: "علم وسينفذ فوراً يا سيدي. سأحضر لك التقرير الأول مع نهاية الأسبوع." مرت عدة أيام ثقيلة وهادئة في الظاهر داخل شركة "السهم الأخضر". كانت رغد تتحرك كطيف باهت في قسم العلاقات العامة، تنغمس في جبال الأوراق والملفات بنظراتها الحائرة الزائغة خلف نظارتها الطبية الكبيرة، متحاشية بكل قوتها المرور أمام مكتب المدير العام، خوفاً من أن تلتقي عيناها بعينيه وتتذكر نظراته الغامضة أو لمسته الصادمة التي ما زالت عاجزة عن تفسيرها. في مكتب المدير العام، كان الصمت يلف المكان بينما يقف هيثم أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، يتأمل المدينة وعقله يغلي بصراع خفي. قطع هذا الصمت طرقات هادئة، ودخل مجيد وبيده مغلف جلدي أسود سميك ومغلق بعناية: — "سيدي، هذا هو التقرير الأول الذي وصلني الآن من الشخص الذي كلفناه بمراقبة الآنسة رغد.. التقرير دقيق وشامل، ومرفق بالصور." استدار هيثم بسرعة، والتقط المغلف بلهفة لم يعتدها مجيد منه. فض الأختام وأخرج مجموعة من الصور المطبوعة، ووضعها تحت إضاءة المكتب القوية. بدأ يتفحص الصور واحدة تلو الأخرى، وكلما انتقل إلى صورة جديدة، كانت حواجبه تعقد بذهول وصدمة أكبر: في صور الصباح: تظهر رغد بوضوح وهي تقف عند مدخل المستشفى لزيارة عمها لؤي؛ أكتافها منحنية، رأسها منخفض، وترتدي معطفها الطويل الفضفاض ونظارتها التي تغطي نصف وجهها، ملامحها تحمل براءة وانكساراً وخوفاً طفولياً لا يمكن تزييفه. في صور العتمة (ليلة أمس): انقلب المشهد كلياً. التقطت الكاميرا نفس الفتاة ولكن بهيئة أخرى تماماً؛ كانت ترتدي سترة جلدية سوداء ضيقة وسراويل جينز ممزقة، وتعتلي متن دراجة نارية سوداء ضخمة، نظراتها حادة ومليئة بالثقة والشرارة والجرأة، وتتحرك في شوارع المدينة بحرية مفرطة كصياد ماكر. أمسك هيثم الصورتين بيمينه ويساره، يقارن الملامح بدقة. الخطوط هي ذاتها، العينان الزرقاوان الساحرتان هما ذاتهما، ولكن الجسد والروح والطاقة في الصورتين ينتميان لعالمين مختلفين تماماً. ضرب سطح المكتب بقبضته، وتمتم بصوت خافت يحمل مزيجاً من الغضب والانبهار التام: — "مستحيل.. لا يمكن لشخص واحد أن يحمل هذا التناقض الجسدي والنفسي الصارخ! الخوف والارتجاف في الصباح لا يمكن أن يتحولا إلى قيادة دراجة نارية بتلك الاحترافية والجرأة ليلاً.. هذا ليس تمثيلاً يا مجيد." التفت إلى مساعده بنظرة حاسمة وعينين تشتعلان بالتحدي، وتابع واضعاً فرضية عقله العملي: — "رغد ليست بمفردها.. هناك فتاة أخرى تشبهها تماماً، أخت توأم تُدعى 'غزل'.. وهما تتبادلان الأدوار بطريقة احترافية لتتلاعبا بي وبتلك الشركة! أريدك أن تبدأ بالنبش خلف هذه العائلة بشكل أعمق؛ أريد معرفة كل شيء عن تاريخهما، وأين كانت تختبئ هذه الأخت التوأم طوال هذا الوقت." أومأ مجيد برأسه بجدية: "فهمت قصدك يا سيدي، سأبدأ على الفور بالتحري عن تاريخ العائلة وسجلاتهم الرسمية بدقة ودون إثارة الشبهات."غادر مجيد المكتب، وساد الهدوء التام في الأرجاء مع تلاشي آخر خيوط الغروب، ليحل ظلام الليل وتضاء فقط بقعة الضوء الخافتة المنبعثة من مصباح مكتب هيثم الفاخر. ظل هيثم جالساً في مكانه، وعيناه مثبتتان على الصور المتناقضة المنثورة أمامه. سحب صورة بوابة المستشفى، وبدأ عقله العملي، المقتنع تماماً بفرضية "الأخت التوأم الحية"، ينسج ويتخيل ما حدث في الداخل بناءً على هذا الاعتقاد: يتخيل هيثم أن رغد الخجولة دخلت من بوابة المستشفى وعلامات الحزن عليها لتزور عمها لؤي. وفي أحد الممرات الخلفية المظلمة أو خلف جدار زجاجي، كانت الأخت الأخرى (غزل المتمردة) بانتظارها. التقت الفتاتان، وتلاقت عيونهما لتتبادلا ابتسامة غامضة ومتواطئة، وكأنهما تقرآن سيناريو متفقاً عليه بدقة. بقيت رغد في الداخل لتختفي عن الأنظار، بينما استدارت غزل الواثقة، وخرجت من نفس البوابة برأس مرفوع وخطوات ثابتة تتحدى بها العالم. ابتسم هيثم بسخرية وتحدٍّ، ونقل نظره فوراً إلى صورة متجر الملابس، ليتخيل السيناريو الثاني الذي رسمه عقله للتبادل: يتخيل أن رغد المحتشمة دخلت المتجر الفاخر تحت أنظار العاملة، وتوجهت مباشرة نحو غرفة قياس الملابس المغلقة. وفي الغرفة المجاورة أو في نفس الغرفة، كانت غزل تختبئ مسبقاً ومعها الملابس الجلدية السوداء. في الداخل، جرى التغيير والتبادل السري خلف الستائر؛ بقيت رغد هناك، بينما انفتح الباب لتخرج غزل المتمردة بكامل فتنتها وجرأتها، وترمي المال بغطرسة وتغادر المتجر، تاركةً الجميع في ذهول. اتكأ هيثم بظهره إلى الخلف، وأطلق زفيراً حاداً يحمل مزيجاً من الانبهار بذكائه الغاضب، وتمتم لنفسه بنبرة حاسمة في عتمة المكتب: — "أجل... هذا هو السر إذن. إنهما تلتقيان وتتبادلان الأدوار بدقة عند الدخول والخروج في غرفة الملابس وممرات المستشفى! خطة ذكية ومدروسة كالتناوب في معركة صامتة... لكنكما أخطأتما عندما ظننتم أنكما قادرتان على اللعب في عريني، يا آنسة رغد... وآنسة غزل."تنهد هيثم بعمق ليطرد توتر اللحظة، متذكراً فوراً تحذيرات الدكتورة الصارمة: "إياك ومواجهتها، لا تذكر اسم (غزل) مباشرة أمامها، فالعقل قد يرفض الحقيقة ويدخل في حالة إنكار مدمرة"..أغمض عينيه بثقل، ثم فتحهما ليرسم على محياه ابتسامة هادئة ومصطنعة ليخفي ارتباكه، وقال بنبرة عملية:— "ليس مهمّاً الآن يا رغد.. انسَيْ ما قلتُه، اذهبي وارتِحي أولاً، فالرحلة كانت متعبة."التزمت الصمت طوال ما تبقى من الطريق، وكان التوتر يملأ الأجواء بينهما. وما إن توقفت السيارة أخيرًا أمام عمارة منزلها، حتى فتحت الباب وهمت بالنزول، لكنها تفاجأت بالمكان.التفتت إليه بذعر طفيف وعيناها تتحركان بيّن واجهة البناء ورجال الأمن، لتقول بصوت مهتز ومفجوع:— "انتظر.. لماذا أتينا إلى هنا؟! هذا ليس منزلي! لماذا لم نذهب إلى البيت؟!"نزِل هيثم بسرعة من السيارة، والتف حولها ليمسك بمعصمها برفق حين همّت بالاحتجاج، ثم نظر إليها بنظرة حازمة ومصطنعة تخفي خلفها ألماً عميقاً. قال بصوت قاطع وثابت لا يقبل النقاش:— "أنتِ مطرودة من البيت يا رغد.. ولا مكان تذهبين إليه سواي."عقدت حاجبيها بذهول صاعق، وسحبت يدها بقوة وكأن كلماته كانت صفعة ع
فتحت "رغد" عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من كابوس طويل وثقيل. لمعت في عينيها نظرة مليئة بالحيرة العميقة، والحزن المكتوم، واهتزاز الثقة كمن فقدت مرساته في منتصف العاصفة. نظرت إلى هيثم الواقف بجانب السرير، ثم التفتت برأسها لتتفقد المكان، وكأنها تحاول تجميع شتات عقلها المبعثر.لم تدم لحظات صمتها طويلاً؛ نهضت بسرعة من السرير الطبيه، وألقت نظرة سريعة على حقيبتها، ثم أمسكت بهاتفها المحمول وهمّت بالمغادرة بخطوات متسرعة ومرتجفة.مدّ هيثم يده بسرعة وأمسك بمعصمها ليمنعها من الهروب، لكنها سحبت يدها بقوة وعنفوان مفاجئ، وكأن لمسها يثير فزعها. التفتت نحو الدكتور طارق الذي كان يتابع الموقف بقلق بالغ، وقالت بصوت متهدج بالكاد يحمل نفسه:— "عفواً يا استاذي.. أنا لست بخير أبداً، سأزورك لاحقا."وقبل أن يتسنى لأي منهما قول حرف واحد، استدارت وركضت بخطوات هاربَة خارج المستوصف.انطلق هيثم خلفها بخطوات واسعة حتى أدركها قرب البوابة الرئيسية للجامعة، حيث كانت تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة. مدّ يده وأمسك بيدها مجدداً، لكن هذه المرة بحزم تملؤه المسؤولية، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:— "أنا من أحضرك إلى هنا، وأتحمل
ترجلا من السيارة ودخلا إلى حرم الجامعة الواسع. كان الهواء محملاً برائحة الأشجار القديمة والذكريات المنسية. بدآ يتجولان في الساحة الرئيسية المورقة، حيث كانت الأجواء تبدو هادئة بشكل مخادع.وفجأة، وبدون مقدمات، تركت "غزل" مسارها، واندفعت تجري بخفة نحو إحدى الحدائق الجانبية. وقفت بين الشجيرات، وبدأت تقطف بعض الزهور المزروعة بعناية، وكأنها تحاول الهروب من التوتر المتصاعد بداخلها عبر الانشغال بتفاصيل طفولية وعبثية.في تلك اللحظة، مر أحد عمال الصيانة بجانب هيثم، محملًا ببعض الأدوات. لم يتردد هيثم؛ مد يده بسرعة وأمسك بمعصم العامل بإحكام، وسأله بصوت حازم:— "أريد أن أفرغ مسألة سريعة.. أين أجد الدكتور طارق، أستاذ الفيزياء؟"توقف العامل وأشار بيده نحو أحد المباني القريبة قائلاً:— "إنه في القاعة رقم أربعة في ذلك المبنى، لديه محاضرة الآن."أومأ هيثم برأسه شاکراً، ثم التفت خلفه حيث كانت "غزل" لا تزال منشغلة بقطف الزهور ورميها بعصبية. نادى عليها بنبرة لا تقبل النقاش، ركّبت الجملة ببرود مدروس:— "غزل.. اتبعيني الآن."انطلق هيثم بخطوات واسعة نحو المبنى المقصود، تاركاً إياها تقف مذهولة لبرهة، قبل
دخلت "غزل" غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوةٍ جعلت إطاره يهتز. لم تكن تبدو كمن يستعد لرحلة عودة، بل كانت تمشي في أرجاء الغرفة كالنمرة المحبوسة في قفص. اقتربت من المرآة، نظرت إلى انعكاس وجهها، مسحت أحمر الشفاه بقسوة بظهر يدها، ثم استندت بكلتا يديها على الطاولة الزجاجية، تنظر إلى نفسها بحدة.— "رغد.. أيتها الحمقاء"، همست بصوتٍ يملؤه الاحتقار، وهي توجه الحديث لانعكاسها في المرآة.بدأت بفتح الحقيبة، وبدلاً من ترتيب الملابس، بدأت بنثر محتوياتها على السرير بعنف. كانت يداها ترتجفان من الغضب. شعرت بشيءٍ غريب في داخلها؛ وخزات خفيفة في رأسها، ثم بدأت صورة "رغد" تتراءى لها في خيالها، كأنها تحاول الصعود للسطح.صرخت "غزل" بصوتٍ مكتوم، وضغطت على رأسها بكلتا يديها:— "لا.. لن تخرجي الآن! لقد انتهى دورك! هيثم لي.. أنا من جذبتُ انتباهه، وأنا من جعلتُه ينظر إليّ بتلك النظرة. لن أسمح لكِ بأن تأخذي ما بنيتُه!"فتحت درج الطاولة الجانبية، أخرجت منه قلادة كانت تخص رغد -القلادة التي أهداها إياها هيثم في بداية الرحلة-. نظرت إليها بابتسامةٍ باردة، ثم خلعتها بعنفٍ من حول عنقها وألقتها في قاع الحقيبة وكأنها ت
بينما كان هيثم يراقب غزل التي تواصل تحديقها في الفراغ عبر النافذة، اهتز هاتفه الملقى على سطح الطاولة بعنف. نظر هيثم إلى الشاشة بخفة، كانت رسالة نصية قصيرة من "فؤاد" الذي كان يجلس على بُعد سنتيمترات منه:"يجب أن نتحدث بمفردنا.. الأمر أخطر مما تتخيل."لم يتحرك وجه هيثم، ولم يرمش حتى. رفع رأسه ببطء ليجد فؤاد ينظر إليه بنظرة جادة، خالية تماماً من الاستفزاز الذي ميزه طوال الرحلة. كان فؤاد يتظاهر بأنه يقلب قائمة الطعام، بينما يده الأخرى تحت الطاولة تنتظر رداً.التفتت غزل فجأة، وكأنها التقطت ذبذبات التوتر بين الرجلين. نظرت إلى هيثم بنظرة ثاقبة، نظرة "غزل" المريبة التي تتفحص كل شيء.— "هل هناك شيء يزعجك يا هيثم؟" سألت بصوتٍ ناعم يحمل في طياته تهديداً مبطناً، وكأنها تتساءل عما إذا كان قد بدأ يخطط لشيء ما من خلف ظهرها.أغلق هيثم هاتفه بهدوء ووضعه في جيبه، محافظاً على ابتسامة باهتة:— "لا شيء أبداً.. أفكر فقط في جدول أعمالنا بعد الغداء."استدار هيثم نحو فؤاد، وبحركة سريعة ومحكمة، وضع يده على هاتفه، ثم أرسل رداً مقتضباً تحت الطاولة:"أنا أسمعك.. ولكن ليس الآن."عاد الصمت ليخيم على المائدة،
وصل النادل بسترته البيضاء الأنيقة، وانحنى بجسده قليلاً وهو يضع قائمة الطعام، ثم سأل بصوت منخفض ومهذب: "هل اتخذتم قراركم، أم تحتاجون لمزيد من الوقت؟"بمجرد أن وقعت عينا النادل على "غزل"، عدلت من جلستها، استندت بظهرها إلى الكرسي، وبنظرة حادة لا تعرف التردد، أردفت: "أريد طبق الدجاج بصلصة الكاري المركزة، وأضف إليه المزيد من الفلفل الحار.. لا تتردد في تتبيله بأقصى ما لديكم من توابل."التفت النادل إلى هيثم الذي كان يقلب القائمة بهدوء، فأجاب بصوت رزين: "طبق سمك مشوي مع الخضار المسلوقة، لا أريد الكثير من البهارات."أخيراً، وجه النادل سؤاله لفؤاد، الذي كان يمسح المكان بنظرات فاحصة وكأنه يدرس مسرح جريمة. ابتسم فؤاد ابتسامة باهتة وقال: "أنا أتبع حمية غذائية قاسية، لذا سأكتفي بطبق سلطة خضراء مع قليل من زيت الزيتون، شكراً."دون النادل الطلبات وانصرف، تاركاً خلفه ثقلاً لا يُحتمل. نظرت غزل مباشرة من النافذة الزجاجية الكبيرة للمطعم، كانت تراقب المارة في الشارع الخارجي، لكن عينيها كانتا غائبتين، وكأنها تتأمل عالماً آخر لا يراه سواها، عالمٍ يسكنه صراعٌ خفي.كسر فؤاد الصمت، صوته كان هادئاً بشكل مست







