Masukاستيقظت رغد وخيوط الشمس الباردة تداعب وجهها. جلست في سريرها تشعر بصداع يمزق رأسها، وحيرة تملأ قلبها. حاولت جاهدة ترتيب خيوط ليلة أمس؛ تتذكر بكاء جدتها، صدمة نقل عمها لؤي في سيارة الإسعاف، وركضها خلفهم في الشارع المظلم... ثم ماذا؟
فراغ تام! صفحة بيضاء في ذاكرتها. نظرت إلى كفيها وقدميها، وحدثت نفسها بقلق: "هل أُغمي عليّ في الشارع من شدة الخوف؟ لا بد أن هناك شخصاً ابن حلال عثر عليّ وأنقذني، أو ربما عدت إلى البيت دون وعي..." نفضت الأفكار من رأسها بسرعة، فالأولوية الآن لعمها. ارتدت ملابسها المحتشمة المعتادة ونظارتها الطبية الكبيرة، وانطلقت فوراً نحو المستشفى. دخلت رغد الرواق المعقم بخطوات قلقة حتى وجدت جدتها وعمها الأصغر سامر يقفان أمام غرفة العناية المركزة بملامح يكسوها الذهول والتعب. اقتربت منهما بلهفة: — "جدتي! عمي سامر! أخبراني أرجوكما، ما الذي حدث لعمي لؤي؟ كيف سقط فجأة؟" التفتت إليها الجدة بنظرات غامضة، ممزوجة بالشك والريبة بعد حركة "تباً لكم" التي فعلتها غزل ليلة أمس، لكنها أجابت بنبرة حائرة ومجهدة: — "لا أحد يدري يا رغد... الأطباء يقولون إن جسده سليم تماماً، لكن عقله تعرض لصدمة نفسية مرعبة شلّت تفكيره وجعلته يدخل في غيبوبة تامة. كأنه رأى شيطاناً أمامه!" شعر العم سامر بالقلق وقال: "الغريب أنه كان بمفرده في الصالة، لا نعلم ما الذي رآه أو سمعه ليوصل رجلًا بمثل قوته إلى هذه الحالة!" وقفت رغد تبتلع ريقها بخوف، تشعر ببرودة تجتاح جسدها دون أن تدري أن يدها الخفية (غزل) هي من صنعت هذا كله. بقيت معهم لبعض الوقت، ثم استأذنت والدموع في عينيها لتلحق بأول يوم عمل لها في الشركة. في الشركة.. وصلت رغد إلى شركة "السهم الأخضر". دخلت بهدوء وهي تحاول الاختباء خلف نظارتها، لكن ما إن خطت في الممرات حتى وجدت هيثم يمر من جانبها متوجهاً إلى مكتبه. توقفت رغد لتلقي التحية برسمية، لكنها تفاجأت بابتسامة دافئة، عريضة ومكثفة ترتسم على شفتيه، ونظرات حادة تلاحقها بخبث وتحدٍّ لم تفهمه قط! لوت رأسها بحيرة وهي تسير نحو مكتبها بالعلاقات العامة، محدثة نفسها: "لماذا ينظر إليّ هكذا؟ هل يبتسم لأنني تأخرت قليلاً بسبب المستشفى؟" لم يطل رنين حيرتها حتى أطل مجيد من مكتب المدير قائلاً: "آنسة رغد، المدير العام يطلب منكِ إعداد قهوته السوداء وإحضارها إلى مكتبه فوراً."أعدت رغد القهوة بيدين ترتجفان، وطرقت الباب ثم دلفت إلى الداخل. وضعت الكوب على المكتب بهدوء وهمّت بالاستدارة للمغادرة كالعادة، لكن في لمحة عين، تحرك هيثم بسرعة وخفة كالصقر. قبل أن تخطو خطوة واحدة، أحاط جسدها من الخلف بـذراعيه القويتين، متبتاً إياها في حضنه بإحكام أضاع أنفاسها. تيبّس جسد رغد تماماً، وصعدت الدماء إلى وجهها، بينما انحنى هيثم برأسه نحو أذنها، ويهمس بنبرة رخيمة، واثقة ومليئة بالتحدي والمكر: "سرقتِ مني قبلةً ليلة أمس في الشارع وهربتِ... والآن، أنا هنا لأستعيدها ونكمل لعبتنا، آنسة رغد." أنصتت رغد للكلمات وكأن صاعقة ضربت رأسها. قبلة؟ في الشارع؟ ليلة أمس؟ في ثوانٍ، تحول خجلها إلى رعب حقيقي وشعور بالمهانة والظلم الشديد. انفرطت دموعها بغزارة، واهتز جسدها بالبكاء وهي تحاول دفعه بيديها الصغيرتين المرتجفتين، وتتوسل إليه بنبرة مكسورة يملؤها الصدق والذعر: — "أرجوك... أرجوك اتركني! أنا... أنا لست من ذلك النوع من الفتيات! لست فتاة ساقطة تـغوي مديرها بالتملق والجرأة من أجل وظيفة! أقسم لك أنني لا أعرف عن ماذا تتحدث... اتركني أرجوك!" تسمّر هيثم في مكانه. الصدق الخالص في صوتها، رعبها الحقيقي، والدموع التي تبلل وجهها ونظارتها الطبية... كل شيء فيها كان يصرخ بالبراءة، ولا يمت بصلة لتلك "الغزل" الشرسة اللعوبة التي دمرت الشبان وقبلته ليلة أمس. تراخت قبضته بصدمة وذهول، وتراجع خطوة للخلف وهو يهمس: "رغد؟" استغلت هي الفرصة، وأفلتت من بين يديه، وركضت خارج المكتب وهي تخفي وجهها الباكي بكفيها، تاركةً إياه غارقاً في صمت الغرفة. بعد أقل من ساعة، كان هيثم يذرع الممرات باحثاً عنها، حتى لمح طيفها البسيط يقف عند شرفة الشركة الخلفية المهجورة. كانت رغد تستند إلى السور، وتضم جسدها بذراعيها، بينما تهتز كتفاها بنحيب مكتوم ودموع لا تتوقف، تمسح عينيها من خلف النظارة بقلر مكسور، وتشعر باحتقار شديد للموقف الخاطئ الذي وضعت فيه. وقف هيثم على بعد خطوات منها في الظل، يراقب بكاءها وعيناه تتسعان بحيرة قاتلة تلتهم عقله. قبضت يده داخل جيبه على نظارتها القديمة التي تركتها ليلة أمس، وتزاحمت الأسئلة في رأسه كالإعصار: "ما الذي يحدث بحق السماء؟! من تكون هذه الفتاة؟ كيف تضرب رجالاً وتتحداه وتقبله بجنون ليلاً... وتبكي برعب بريء كالأطفال من مجرد لمسة في الصباح؟! هل هي ممثلة بارعة إلى هذا الحد... أم أن هناك سراً مظلماً لا أفهمه بعد؟!"تنهد هيثم بعمق ليطرد توتر اللحظة، متذكراً فوراً تحذيرات الدكتورة الصارمة: "إياك ومواجهتها، لا تذكر اسم (غزل) مباشرة أمامها، فالعقل قد يرفض الحقيقة ويدخل في حالة إنكار مدمرة"..أغمض عينيه بثقل، ثم فتحهما ليرسم على محياه ابتسامة هادئة ومصطنعة ليخفي ارتباكه، وقال بنبرة عملية:— "ليس مهمّاً الآن يا رغد.. انسَيْ ما قلتُه، اذهبي وارتِحي أولاً، فالرحلة كانت متعبة."التزمت الصمت طوال ما تبقى من الطريق، وكان التوتر يملأ الأجواء بينهما. وما إن توقفت السيارة أخيرًا أمام عمارة منزلها، حتى فتحت الباب وهمت بالنزول، لكنها تفاجأت بالمكان.التفتت إليه بذعر طفيف وعيناها تتحركان بيّن واجهة البناء ورجال الأمن، لتقول بصوت مهتز ومفجوع:— "انتظر.. لماذا أتينا إلى هنا؟! هذا ليس منزلي! لماذا لم نذهب إلى البيت؟!"نزِل هيثم بسرعة من السيارة، والتف حولها ليمسك بمعصمها برفق حين همّت بالاحتجاج، ثم نظر إليها بنظرة حازمة ومصطنعة تخفي خلفها ألماً عميقاً. قال بصوت قاطع وثابت لا يقبل النقاش:— "أنتِ مطرودة من البيت يا رغد.. ولا مكان تذهبين إليه سواي."عقدت حاجبيها بذهول صاعق، وسحبت يدها بقوة وكأن كلماته كانت صفعة ع
فتحت "رغد" عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من كابوس طويل وثقيل. لمعت في عينيها نظرة مليئة بالحيرة العميقة، والحزن المكتوم، واهتزاز الثقة كمن فقدت مرساته في منتصف العاصفة. نظرت إلى هيثم الواقف بجانب السرير، ثم التفتت برأسها لتتفقد المكان، وكأنها تحاول تجميع شتات عقلها المبعثر.لم تدم لحظات صمتها طويلاً؛ نهضت بسرعة من السرير الطبيه، وألقت نظرة سريعة على حقيبتها، ثم أمسكت بهاتفها المحمول وهمّت بالمغادرة بخطوات متسرعة ومرتجفة.مدّ هيثم يده بسرعة وأمسك بمعصمها ليمنعها من الهروب، لكنها سحبت يدها بقوة وعنفوان مفاجئ، وكأن لمسها يثير فزعها. التفتت نحو الدكتور طارق الذي كان يتابع الموقف بقلق بالغ، وقالت بصوت متهدج بالكاد يحمل نفسه:— "عفواً يا استاذي.. أنا لست بخير أبداً، سأزورك لاحقا."وقبل أن يتسنى لأي منهما قول حرف واحد، استدارت وركضت بخطوات هاربَة خارج المستوصف.انطلق هيثم خلفها بخطوات واسعة حتى أدركها قرب البوابة الرئيسية للجامعة، حيث كانت تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة. مدّ يده وأمسك بيدها مجدداً، لكن هذه المرة بحزم تملؤه المسؤولية، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:— "أنا من أحضرك إلى هنا، وأتحمل
ترجلا من السيارة ودخلا إلى حرم الجامعة الواسع. كان الهواء محملاً برائحة الأشجار القديمة والذكريات المنسية. بدآ يتجولان في الساحة الرئيسية المورقة، حيث كانت الأجواء تبدو هادئة بشكل مخادع.وفجأة، وبدون مقدمات، تركت "غزل" مسارها، واندفعت تجري بخفة نحو إحدى الحدائق الجانبية. وقفت بين الشجيرات، وبدأت تقطف بعض الزهور المزروعة بعناية، وكأنها تحاول الهروب من التوتر المتصاعد بداخلها عبر الانشغال بتفاصيل طفولية وعبثية.في تلك اللحظة، مر أحد عمال الصيانة بجانب هيثم، محملًا ببعض الأدوات. لم يتردد هيثم؛ مد يده بسرعة وأمسك بمعصم العامل بإحكام، وسأله بصوت حازم:— "أريد أن أفرغ مسألة سريعة.. أين أجد الدكتور طارق، أستاذ الفيزياء؟"توقف العامل وأشار بيده نحو أحد المباني القريبة قائلاً:— "إنه في القاعة رقم أربعة في ذلك المبنى، لديه محاضرة الآن."أومأ هيثم برأسه شاکراً، ثم التفت خلفه حيث كانت "غزل" لا تزال منشغلة بقطف الزهور ورميها بعصبية. نادى عليها بنبرة لا تقبل النقاش، ركّبت الجملة ببرود مدروس:— "غزل.. اتبعيني الآن."انطلق هيثم بخطوات واسعة نحو المبنى المقصود، تاركاً إياها تقف مذهولة لبرهة، قبل
دخلت "غزل" غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوةٍ جعلت إطاره يهتز. لم تكن تبدو كمن يستعد لرحلة عودة، بل كانت تمشي في أرجاء الغرفة كالنمرة المحبوسة في قفص. اقتربت من المرآة، نظرت إلى انعكاس وجهها، مسحت أحمر الشفاه بقسوة بظهر يدها، ثم استندت بكلتا يديها على الطاولة الزجاجية، تنظر إلى نفسها بحدة.— "رغد.. أيتها الحمقاء"، همست بصوتٍ يملؤه الاحتقار، وهي توجه الحديث لانعكاسها في المرآة.بدأت بفتح الحقيبة، وبدلاً من ترتيب الملابس، بدأت بنثر محتوياتها على السرير بعنف. كانت يداها ترتجفان من الغضب. شعرت بشيءٍ غريب في داخلها؛ وخزات خفيفة في رأسها، ثم بدأت صورة "رغد" تتراءى لها في خيالها، كأنها تحاول الصعود للسطح.صرخت "غزل" بصوتٍ مكتوم، وضغطت على رأسها بكلتا يديها:— "لا.. لن تخرجي الآن! لقد انتهى دورك! هيثم لي.. أنا من جذبتُ انتباهه، وأنا من جعلتُه ينظر إليّ بتلك النظرة. لن أسمح لكِ بأن تأخذي ما بنيتُه!"فتحت درج الطاولة الجانبية، أخرجت منه قلادة كانت تخص رغد -القلادة التي أهداها إياها هيثم في بداية الرحلة-. نظرت إليها بابتسامةٍ باردة، ثم خلعتها بعنفٍ من حول عنقها وألقتها في قاع الحقيبة وكأنها ت
بينما كان هيثم يراقب غزل التي تواصل تحديقها في الفراغ عبر النافذة، اهتز هاتفه الملقى على سطح الطاولة بعنف. نظر هيثم إلى الشاشة بخفة، كانت رسالة نصية قصيرة من "فؤاد" الذي كان يجلس على بُعد سنتيمترات منه:"يجب أن نتحدث بمفردنا.. الأمر أخطر مما تتخيل."لم يتحرك وجه هيثم، ولم يرمش حتى. رفع رأسه ببطء ليجد فؤاد ينظر إليه بنظرة جادة، خالية تماماً من الاستفزاز الذي ميزه طوال الرحلة. كان فؤاد يتظاهر بأنه يقلب قائمة الطعام، بينما يده الأخرى تحت الطاولة تنتظر رداً.التفتت غزل فجأة، وكأنها التقطت ذبذبات التوتر بين الرجلين. نظرت إلى هيثم بنظرة ثاقبة، نظرة "غزل" المريبة التي تتفحص كل شيء.— "هل هناك شيء يزعجك يا هيثم؟" سألت بصوتٍ ناعم يحمل في طياته تهديداً مبطناً، وكأنها تتساءل عما إذا كان قد بدأ يخطط لشيء ما من خلف ظهرها.أغلق هيثم هاتفه بهدوء ووضعه في جيبه، محافظاً على ابتسامة باهتة:— "لا شيء أبداً.. أفكر فقط في جدول أعمالنا بعد الغداء."استدار هيثم نحو فؤاد، وبحركة سريعة ومحكمة، وضع يده على هاتفه، ثم أرسل رداً مقتضباً تحت الطاولة:"أنا أسمعك.. ولكن ليس الآن."عاد الصمت ليخيم على المائدة،
وصل النادل بسترته البيضاء الأنيقة، وانحنى بجسده قليلاً وهو يضع قائمة الطعام، ثم سأل بصوت منخفض ومهذب: "هل اتخذتم قراركم، أم تحتاجون لمزيد من الوقت؟"بمجرد أن وقعت عينا النادل على "غزل"، عدلت من جلستها، استندت بظهرها إلى الكرسي، وبنظرة حادة لا تعرف التردد، أردفت: "أريد طبق الدجاج بصلصة الكاري المركزة، وأضف إليه المزيد من الفلفل الحار.. لا تتردد في تتبيله بأقصى ما لديكم من توابل."التفت النادل إلى هيثم الذي كان يقلب القائمة بهدوء، فأجاب بصوت رزين: "طبق سمك مشوي مع الخضار المسلوقة، لا أريد الكثير من البهارات."أخيراً، وجه النادل سؤاله لفؤاد، الذي كان يمسح المكان بنظرات فاحصة وكأنه يدرس مسرح جريمة. ابتسم فؤاد ابتسامة باهتة وقال: "أنا أتبع حمية غذائية قاسية، لذا سأكتفي بطبق سلطة خضراء مع قليل من زيت الزيتون، شكراً."دون النادل الطلبات وانصرف، تاركاً خلفه ثقلاً لا يُحتمل. نظرت غزل مباشرة من النافذة الزجاجية الكبيرة للمطعم، كانت تراقب المارة في الشارع الخارجي، لكن عينيها كانتا غائبتين، وكأنها تتأمل عالماً آخر لا يراه سواها، عالمٍ يسكنه صراعٌ خفي.كسر فؤاد الصمت، صوته كان هادئاً بشكل مست