Share

الفصل السادس

Author: سارة
last update publish date: 2026-06-29 06:00:38

استيقظت رغد على صدى بكاء مكتوم ومليء بالذعر في أرجاء المنزل؛ كان بكاء جدتها الممزوج بصوت عمها الأصغر "سامر". هبت من فراشها كالمذعورة، ركضت نحو الممر، وكل ما وقعت عليه عيناها هو مشهد الإسعاف وهي تغادر المكان مسرعة.

​لم تفكر، لم تتساءل، لم تدرك ما حدث. حملت هاتفها فقط وخرجت تركض في الشارع بملابسها المبعثرة، تلاحق أضواء سيارة الإسعاف التي تبتعد، إلى أن تعثرت بقدمها وسقطت على الأرض. في تلك اللحظة، اقترب منها بعض الشبان، بدأت نظراتهم تضايقها وتثير فيها رعباً أكبر.

​بيدٍ مرتجفة، حاولت الاتصال بعمها "سامر" لتستنجد به، لكن من شدة ارتباكها أخطأت في اختيار الرقم وضغطت على اسم "مجيد". لم تكن تعلم أن الرقم الذي كانت تتصل به ليس رقم "مجيد" الشخصي، بل كان رقماً مسجلاً في هاتف المدير "هيثم" الذي كان قد استخدمه "مجيد" في وقت سابق.

​لم يجد الهاتف "مجيد" في جهات اتصالها، وبقيت رغد في الشارع محاصرة بالخوف، بينما كان الهاتف يرن في مكان آخر تماماً... في مكتب "هيثم".تلقى هيثم المكالمة، ونظر إلى شاشة هاتفه بابتسامة غامضة، وقال بصوت خافت: "ترى ماذا تلعبين الآن يا آنسة رغد؟"

​أجاب ليسمع صوت رغد يأتيه من الطرف الآخر، متقطعاً، مرتجفاً، ومليئاً بالذعر: "عمي.. تعال بسرعة! أنا عند حديقة الياسمين بجانب المنزل.. أرجوك!"

​في تلك اللحظة، التقطت أذناه صوت صراخ وكلمات بذيئة في الخلفية؛ كان هناك شبان مخمورون يضايقونها. لم يتردد هيثم للحظة؛ نهض من مكتبه وانطلق يركض بجنون نحو سيارته، يقود بأقصى سرعة ممكنة.

​لكن، ما إن وصل إلى الموقع حتى توقف مذهولاً، متجمداً في مكانه مما رآه. كان أحد الشبان يقترب منها بقسوة ويصرخ بوقاحة: "أيتها البشعة، عديمة الفائدة!"

​في تلك اللحظة، توقف العالم من حوله. وقفت رغد، لكنها لم تكن رغد التي يعرفها؛ تلاشت نظرات الخوف، وحلت مكانها نظرة مرعبة، حادة، وكأن وحشاً قد استيقظ في أعماقها. وبسرعة البرق، انقضت عليهم. لم تكن تدافع عن نفسها، بل كانت تضربهم ضرباً مبرحاً، وحشياً، ومتقناً.

​اقترب هيثم منها بخطوات حذرة، وصُدم حين رأى رغد ترفع زجاجة فارغة وتكسرها بكل قوتها على رأس أحد الشبان، ليسقط أرضاً غارقاً في دمائه. لم تعد هي الضحية؛ لقد تحولت هي إلى الصياد. وبدلاً من أن يهب لإنقاذها من الشبان، وجد هيثم نفسه – بدافع الغريزة – يندفع وسط المعركة لينقذ أولئك الرجال منها، خوفاً من أن ترتكب جريمة قتل في تلك اللحظة الفارقة.نظرت إليه بابتسامة مستفزة متسعة، وعيناها تلمعان ببريق غريب وجريء بعد أن فرّ الرجلان المتبقيان بجلدهما، وقالت بنبرة لعوبة خالية من أي توتر:

"أوه... هيثم! هل يمكنني قول هيثم فقط بما أننا لسنا في المكتب؟ ما الذي تفعله هنا؟"

​تجمد هيثم في مكانه، وحاول استيعاب التناقض الصارخ في شخصيتها، ثم أجابها بجفاف محاولاً السيطرة على ذهوله:

"لقد اتصلتِ بي!"

​رفعت هاتفها ونظرت إلى الشاشة، ثم ضربت جبهتها بخفة وهمست بنبرة تذمر خافتة كأنها تخاطب شخصاً آخر:

"أيتها الغبية... كيف تحرجينني هكذا؟"

​عقد هيثم حاجبيه بفضول وتوجس، وسألها بحدة:

"من نعتِّ بالغبية؟"

​لوحت بطلة بجرأة قائلة:

"لا تبالِ... إنها قطة، قطة صغيرة تخاف من كل شيء!"

ثم ضيقت عينيها وهي تتأمل الشاشة مجدداً، وتابعت بتعجب وسخرية:

"لكن... أليس هذا رقم مجيد؟ أم أن سعادة المدير بنفسه أراد إخباري شخصياً أنني قُبلت في العمل؟"تنحنح هيثم بوقار محاولاً استعادة هيبته والسيطرة على الموقف، وتجاهل سؤالها تماماً ليقول بنبرة حازمة وعينين متفحصتين:

"إلى أين أنتِ ذاهبة بمفردكِ بهذه الملابس... وفي هذا الوقت من الليل؟"

لوت شفتيها بملل وأطلقت تنهيدة ساخرة، ثم قالت بنبرة متهكمة:

"أوووه... لماذا كلكم هكذا؟ تحبون الأسئلة دائماً؛ أين ذهبتِ؟ إلى أين أنتِ ذاهبة؟ وما شأنك أنت؟"

​واستدارت ببرود لتعود أدراجها نحو البيت، تاركةً إياه خلفها وكأنه لم يكن. في تلك اللحظة، انفجر هيثم غضباً؛ لم يعتد يوماً أن يُعامل بهذا الاستخفاف واللامبالاة. اندفع خلفها بخطوات واسعة وعنيفة، وقبل أن تبتعد، قبض على ذراعها بقوة أحكمت وثاقها، والتفتت إليه ليواجهها بعينين تشتعلان حنقاً وهو يهتف بفحيح مكتوم:

"هل ترينني لعبة أمامكِ؟ هل يسليكِ هذا التصرف؟!"

​نظرت إلى ملامحه الثائرة وعينيها تشعان بالجرأة ذاتها، ولمحاولة الإفلات منه ومن بركان غضبه دون مجهود، اقتربت منه بسرعة خاطفة وطبعت قبلة جريئة على حافة شفاهه.

​تسمر هيثم في مكانه وكأن صاعقة أصابته، وتراخت قبضته عن ذراعها من فرط الصدمة. استغلت هي تلك الثواني من ذهوله، وأطلقت ضحكة خافتة ثم ركضت مسرعة نحو بيتها واختفت بين الأزقة.

​بقي هيثم واقفاً في الشارع المظلم وحده، يمسد شفتيه بغير تصديق. تضاربت المشاعر في صدره بعنف؛ لم يعد يعرف أكان عليه أن يفرح أم يغضب؟ أن يستشيط حنقاً من تلاعبها أم يضحك ذهولاً من جنون تصرفها هذا!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 54

    تنهد هيثم بعمق ليطرد توتر اللحظة، متذكراً فوراً تحذيرات الدكتورة الصارمة: "إياك ومواجهتها، لا تذكر اسم (غزل) مباشرة أمامها، فالعقل قد يرفض الحقيقة ويدخل في حالة إنكار مدمرة"..​أغمض عينيه بثقل، ثم فتحهما ليرسم على محياه ابتسامة هادئة ومصطنعة ليخفي ارتباكه، وقال بنبرة عملية:— "ليس مهمّاً الآن يا رغد.. انسَيْ ما قلتُه، اذهبي وارتِحي أولاً، فالرحلة كانت متعبة."​التزمت الصمت طوال ما تبقى من الطريق، وكان التوتر يملأ الأجواء بينهما. وما إن توقفت السيارة أخيرًا أمام عمارة منزلها، حتى فتحت الباب وهمت بالنزول، لكنها تفاجأت بالمكان.​التفتت إليه بذعر طفيف وعيناها تتحركان بيّن واجهة البناء ورجال الأمن، لتقول بصوت مهتز ومفجوع:— "انتظر.. لماذا أتينا إلى هنا؟! هذا ليس منزلي! لماذا لم نذهب إلى البيت؟!"نزِل هيثم بسرعة من السيارة، والتف حولها ليمسك بمعصمها برفق حين همّت بالاحتجاج، ثم نظر إليها بنظرة حازمة ومصطنعة تخفي خلفها ألماً عميقاً. قال بصوت قاطع وثابت لا يقبل النقاش:​— "أنتِ مطرودة من البيت يا رغد.. ولا مكان تذهبين إليه سواي."​عقدت حاجبيها بذهول صاعق، وسحبت يدها بقوة وكأن كلماته كانت صفعة ع

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 53

    فتحت "رغد" عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من كابوس طويل وثقيل. لمعت في عينيها نظرة مليئة بالحيرة العميقة، والحزن المكتوم، واهتزاز الثقة كمن فقدت مرساته في منتصف العاصفة. نظرت إلى هيثم الواقف بجانب السرير، ثم التفتت برأسها لتتفقد المكان، وكأنها تحاول تجميع شتات عقلها المبعثر.​لم تدم لحظات صمتها طويلاً؛ نهضت بسرعة من السرير الطبيه، وألقت نظرة سريعة على حقيبتها، ثم أمسكت بهاتفها المحمول وهمّت بالمغادرة بخطوات متسرعة ومرتجفة.​مدّ هيثم يده بسرعة وأمسك بمعصمها ليمنعها من الهروب، لكنها سحبت يدها بقوة وعنفوان مفاجئ، وكأن لمسها يثير فزعها. التفتت نحو الدكتور طارق الذي كان يتابع الموقف بقلق بالغ، وقالت بصوت متهدج بالكاد يحمل نفسه:— "عفواً يا استاذي.. أنا لست بخير أبداً، سأزورك لاحقا."​وقبل أن يتسنى لأي منهما قول حرف واحد، استدارت وركضت بخطوات هاربَة خارج المستوصف.​انطلق هيثم خلفها بخطوات واسعة حتى أدركها قرب البوابة الرئيسية للجامعة، حيث كانت تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة. مدّ يده وأمسك بيدها مجدداً، لكن هذه المرة بحزم تملؤه المسؤولية، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:— "أنا من أحضرك إلى هنا، وأتحمل

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 52

    ترجلا من السيارة ودخلا إلى حرم الجامعة الواسع. كان الهواء محملاً برائحة الأشجار القديمة والذكريات المنسية. بدآ يتجولان في الساحة الرئيسية المورقة، حيث كانت الأجواء تبدو هادئة بشكل مخادع.​وفجأة، وبدون مقدمات، تركت "غزل" مسارها، واندفعت تجري بخفة نحو إحدى الحدائق الجانبية. وقفت بين الشجيرات، وبدأت تقطف بعض الزهور المزروعة بعناية، وكأنها تحاول الهروب من التوتر المتصاعد بداخلها عبر الانشغال بتفاصيل طفولية وعبثية.​في تلك اللحظة، مر أحد عمال الصيانة بجانب هيثم، محملًا ببعض الأدوات. لم يتردد هيثم؛ مد يده بسرعة وأمسك بمعصم العامل بإحكام، وسأله بصوت حازم:— "أريد أن أفرغ مسألة سريعة.. أين أجد الدكتور طارق، أستاذ الفيزياء؟"​توقف العامل وأشار بيده نحو أحد المباني القريبة قائلاً:— "إنه في القاعة رقم أربعة في ذلك المبنى، لديه محاضرة الآن."​أومأ هيثم برأسه شاکراً، ثم التفت خلفه حيث كانت "غزل" لا تزال منشغلة بقطف الزهور ورميها بعصبية. نادى عليها بنبرة لا تقبل النقاش، ركّبت الجملة ببرود مدروس:— "غزل.. اتبعيني الآن."​انطلق هيثم بخطوات واسعة نحو المبنى المقصود، تاركاً إياها تقف مذهولة لبرهة، قبل

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 51

    ​دخلت "غزل" غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوةٍ جعلت إطاره يهتز. لم تكن تبدو كمن يستعد لرحلة عودة، بل كانت تمشي في أرجاء الغرفة كالنمرة المحبوسة في قفص. اقتربت من المرآة، نظرت إلى انعكاس وجهها، مسحت أحمر الشفاه بقسوة بظهر يدها، ثم استندت بكلتا يديها على الطاولة الزجاجية، تنظر إلى نفسها بحدة.​— "رغد.. أيتها الحمقاء"، همست بصوتٍ يملؤه الاحتقار، وهي توجه الحديث لانعكاسها في المرآة.​بدأت بفتح الحقيبة، وبدلاً من ترتيب الملابس، بدأت بنثر محتوياتها على السرير بعنف. كانت يداها ترتجفان من الغضب. شعرت بشيءٍ غريب في داخلها؛ وخزات خفيفة في رأسها، ثم بدأت صورة "رغد" تتراءى لها في خيالها، كأنها تحاول الصعود للسطح.​صرخت "غزل" بصوتٍ مكتوم، وضغطت على رأسها بكلتا يديها:— "لا.. لن تخرجي الآن! لقد انتهى دورك! هيثم لي.. أنا من جذبتُ انتباهه، وأنا من جعلتُه ينظر إليّ بتلك النظرة. لن أسمح لكِ بأن تأخذي ما بنيتُه!"​فتحت درج الطاولة الجانبية، أخرجت منه قلادة كانت تخص رغد -القلادة التي أهداها إياها هيثم في بداية الرحلة-. نظرت إليها بابتسامةٍ باردة، ثم خلعتها بعنفٍ من حول عنقها وألقتها في قاع الحقيبة وكأنها ت

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 50

    بينما كان هيثم يراقب غزل التي تواصل تحديقها في الفراغ عبر النافذة، اهتز هاتفه الملقى على سطح الطاولة بعنف. نظر هيثم إلى الشاشة بخفة، كانت رسالة نصية قصيرة من "فؤاد" الذي كان يجلس على بُعد سنتيمترات منه:​"يجب أن نتحدث بمفردنا.. الأمر أخطر مما تتخيل."​لم يتحرك وجه هيثم، ولم يرمش حتى. رفع رأسه ببطء ليجد فؤاد ينظر إليه بنظرة جادة، خالية تماماً من الاستفزاز الذي ميزه طوال الرحلة. كان فؤاد يتظاهر بأنه يقلب قائمة الطعام، بينما يده الأخرى تحت الطاولة تنتظر رداً.​التفتت غزل فجأة، وكأنها التقطت ذبذبات التوتر بين الرجلين. نظرت إلى هيثم بنظرة ثاقبة، نظرة "غزل" المريبة التي تتفحص كل شيء.​— "هل هناك شيء يزعجك يا هيثم؟" سألت بصوتٍ ناعم يحمل في طياته تهديداً مبطناً، وكأنها تتساءل عما إذا كان قد بدأ يخطط لشيء ما من خلف ظهرها.​أغلق هيثم هاتفه بهدوء ووضعه في جيبه، محافظاً على ابتسامة باهتة:— "لا شيء أبداً.. أفكر فقط في جدول أعمالنا بعد الغداء."​استدار هيثم نحو فؤاد، وبحركة سريعة ومحكمة، وضع يده على هاتفه، ثم أرسل رداً مقتضباً تحت الطاولة:"أنا أسمعك.. ولكن ليس الآن."​عاد الصمت ليخيم على المائدة،

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 49

    وصل النادل بسترته البيضاء الأنيقة، وانحنى بجسده قليلاً وهو يضع قائمة الطعام، ثم سأل بصوت منخفض ومهذب: "هل اتخذتم قراركم، أم تحتاجون لمزيد من الوقت؟"​بمجرد أن وقعت عينا النادل على "غزل"، عدلت من جلستها، استندت بظهرها إلى الكرسي، وبنظرة حادة لا تعرف التردد، أردفت: "أريد طبق الدجاج بصلصة الكاري المركزة، وأضف إليه المزيد من الفلفل الحار.. لا تتردد في تتبيله بأقصى ما لديكم من توابل."​التفت النادل إلى هيثم الذي كان يقلب القائمة بهدوء، فأجاب بصوت رزين: "طبق سمك مشوي مع الخضار المسلوقة، لا أريد الكثير من البهارات."​أخيراً، وجه النادل سؤاله لفؤاد، الذي كان يمسح المكان بنظرات فاحصة وكأنه يدرس مسرح جريمة. ابتسم فؤاد ابتسامة باهتة وقال: "أنا أتبع حمية غذائية قاسية، لذا سأكتفي بطبق سلطة خضراء مع قليل من زيت الزيتون، شكراً."​دون النادل الطلبات وانصرف، تاركاً خلفه ثقلاً لا يُحتمل. نظرت غزل مباشرة من النافذة الزجاجية الكبيرة للمطعم، كانت تراقب المارة في الشارع الخارجي، لكن عينيها كانتا غائبتين، وكأنها تتأمل عالماً آخر لا يراه سواها، عالمٍ يسكنه صراعٌ خفي.​كسر فؤاد الصمت، صوته كان هادئاً بشكل مست

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status