Share

الفصل الرابع

Author: Nagham
last update publish date: 2026-06-24 18:26:26

أطلقت زفرة طويلة أفرغت بها شيئًا من التوتر الذي كان يخنق صدري، فقد كان الطارق إدوارد، زميلي في كلية الطب، الشاب الوسيم الذي عُرف بين الجميع بذكائه اللافت وحضوره الهادئ

وكان ينتمي إلى عائلة ثرية تنعكس مكانتها في أناقته الراقية وما إن وقعت عيناه عليّ حتى انعقد حاجباه باستغراب بعدما لمح شحوب وجهي واضطراب أنفاسي، وقال بنبرة امتزج فيها القلق بالدهشة

"هل كنتِ تنتظرين أحدًا؟"

هززت رأسي سريعًا ثم رفعت يدي مشيرة إليه بالدخول وأنا أبتسم ابتسامة خافتة وقلت

"لا... لم أكن أنتظر أحدًا، لكنك فاجأتني."

أومأ برأسه ودخل بثقة ثم جلس على الأريكة التي اعتاد الجلوس عليها كلما زارني، بينما بقيت واقفة للحظة أستعيد توازني قبل أن أسأله

"ماذا تشرب؟"

رفع بصره إليّ وأجاب بابتسامة هادئة

"إسبريسو... كما تصنعينه دائمًا."

اتجهت نحو المطبخ، ولم أكد ألتقط فنجان القهوة حتى سمعت خطواته تقترب خلفي، ثم قال بصوت يملؤه الاهتمام الصادق

"أتيت البارحة ولم أجدك، واستغربت كثيرًا غيابك عن الجامعة، هل حدث شيء؟"

تجمدت يدي للحظة، واندفعت إلى ذهني ذكرى الليلة الماضية بكل تفاصيلها، ليلتي الأولى مع ديڤيد، فارتسمت غصة مؤلمة في أعماق قلبي قبل أن أدفنها بسرعةثم أجبته دون أن ألتفت إليه

"والدي في المستشفى."

اتسعت عيناه على الفور، وانعقد حاجباه بقلق واضح، ثم قال بصوت ارتفع دون أن يشعر

"ماذا؟ ولماذا لم تخبريني؟"

استدرت نحوه ببطء، وكان فنجان الإسبريسو الساخن بين يدي، ثم قدمته إليه وأنا أحاول أن أرسم ابتسامة مطمئنة رغم ارتجاف أصابعي، وقلت

"لم أشأ أن أقلقك."

تناول الفنجان بهدوء، ثم وضعه جانبًا وربت بكفه على ذراعي برفق، وكانت نظراته صادقة إلى درجة أربكتني، وقال

"نحن زميلان يا أريانا، بل أكثر من ذلك، ولن أتركك تواجهين أي شيء وحدك، سأكون إلى جانبك مهما حدث."

شعرت بدفء كلماته يتسلل إلى قلبي، وارتسمت على شفتي ابتسامة امتنان حقيقية، ثم قلت بصوت منخفض

"شكرًا لك يا إدوارد... هذا يعني لي الكثير."

وقبل أن يجيب، شق صمت المنزل رنين هاتفي فجأة، فالتقطته بعفوية، لكن ملامحي تبدلت في اللحظة التي ظهر فيها اسم الممرض على شاشة الهاتف، وانقبض قلبي بعنف حتى شعرت بأن أنفاسي توقفت

تجمدت أصابعي فوق الجهاز بينما غمر وجهي شحوب مفاجئ، ولم يفت ذلك إدوارد الذي نهض من مكانه فورًا وقد ارتسم القلق على ملامحه، ثم ثبت نظره عليّ وهو يقول بلهجة متوترة

"أريانا... ماذا حدث؟ ولماذا تبدين خائفة إلى هذا الحد؟"

رفعت بصري إلى إدوارد للحظة، فرأيت القلق يملأ عينيه، ثم عدت أحدق في شاشة الهاتف قبل أن أجيب بسرعة وقد بدأ قلبي يخفق بعنف

"نعم... تفضل."

جاءني صوت الممرض متوترًا ومتلاحقًا وقال

"آنسة أريانا... السيد ميخائيل يحتاج إلى نقل دم بشكل عاجل، لكن مخزون المستشفى من هذه الفصيلة قد نفد بالكامل، ونحن نريد..."

ولم أترك له فرصة لإكمال حديثه وقلت بصوت حاسم امتزج بالخوف

"أنا قادمة حالًا."

أغلقت الهاتف بيد مرتجفة، وشعرت بأن الدم انسحب من وجهي في لحظة واحدة، ثم رفعت عيني إلى إدوارد وأنا أحاول التقاط أنفاسي

"إدوارد... يجب أن أذهب إلى المستشفى فورًا، والدي يحتاج إلى الدم."

لم يتردد ولو لثانية، بل التقط مفاتيح سيارته ونهض بسرعة وقال

"سآتي معك."

لم يكن لدي وقت للاعتراض، فاكتفيت بإيماءة سريعة، ثم خرجنا من المنزل بخطوات متعجلة، وكان إدوارد يسبقني وهو يفتح باب سيارته الرياضية السوداء الفاخرة، فانطلقت السيارة تشق شوارع المدينة بسرعة جنونية

ضغط إدوارد بقوة على دواسة الوقود، ولم يكن يرى أمامه سوى طريق واحد يقوده إلى المستشفى، أما أنا فكنت أحدق عبر الزجاج الأمامي وقلبي يطرق أضلعي بعنف

وما إن وصلنا إلى الشارع الرئيسي حتى تبدل كل شيء في جزء من الثانية، فقد كان إدوارد يقود بأقصى سرعة ولم ينتبه إلى إشارة المرور التي تحولت إلى اللون الأحمر، وفجأة دوّى صوت ارتطام هائل بسيارة تقف امامنا...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لا تحبني فقط .. بل امتلكني    101

    انفتح باب غرفة الاستحمام ببطء. خرجت لاورا بخطوات هادئه تمشي بدلال ولم تغطي جسدها، كانت عاريه و متعمدة أن تظهر أمام ديڤيد بهذه الهيئة، وكأنها لم تفكر في الأمر سوى للحظة. رفع ديڤيد عينيه. توقفت نظرته على جسدها الفاتن للحظة أطول مما أراد. ثم أشاح بوجهه سريعًا. شد فكه، وأخذ نفسًا عميقًا: لاورا... ابتسمت: ماذا؟ مد يده إلى كوب الماء الموضوع بجانبه، لكنه توقف قبل أن يلمسه. حرارة غريبة تصعد في جسده، و انتصابه اكثر من المعتاد اقتربت منه خطوة...توقفت أمامه. رفع عينيه إليها، وكانت نظرته أكثر اضطرابًا: ابتعدي. ضحكت بهدوء: لماذا؟ لأنني لا أريدك قريبة مني الآن. اقتربت أكثر ثم جلست إلى جواره على حافة السرير: أنت لا تبدو بخير. رفع ديڤيد يده إلى جبينه: أنا بخير. إذًا انظر إليّ. رفع عينيه، التقت عيناه بعينيها. للحظة، لم يسمع سوى صوت أنفاسه. مدت لاورا يدها ولمست كتفه. أمسك معصمها فورًا: لا تفعلي. تظاهرت بالدهشة: أنا فقط أحاول مساعدتك. أفلت يدها. نهض محاولًا الابتعاد، لكن اختل توازنه للحظة، فعادت لاورا وأمسكت بذراعه.: ديڤيد! استند إلى حافة السرير. أغمض عينيه: ما

  • لا تحبني فقط .. بل امتلكني    100

    في الخارج، وصل ديڤيد إلى سيارته. فتح جورج الباب الخلفي له صعد إلى المقعد الخلفي وأغلق الباب. انطلقت السيارة فورًا مبتعدة عن المستشفى. أسند ديڤيد رأسه إلى المقعد، وأغمض عينيه. مرت ثوانٍ ثم قال : خذني إلى الفندق. ثم فتح عينيه وأضاف: واتصل بالطبيب. أريده أن يأتي فورًا. حاضر، سيدي. تحركت السيارة بين شوارع روما. وضع ديڤيد يده خلف ظهره. ضغط بأصابعه على موضع الإصابة التي تلقاها عندما سحب أريانا بعيدًا عن السيارة. تقلص وجهه من الألم. أخذ نفسًا بطيئًا، ثم أراح رأسه على المقعد. رفع يده عن ظهره ونظر إلى أصابعه. ابتسم ابتسامة صغيرة... حزينة. تسللت صورة أريانا إلى ذهنه؛ عيناها عندما تراجع عنها، وذراعاها اللتان أنزلتهما ببطء بعد أن رفض احتضانها. أغمض عينيه ثم تمتم بصوت بالكاد سُمع: انتهى كل شيء يا أريانا. ---- وصلت لاورا إلى الفندق، وما إن خرجت من المصعد حتى لمحت طبيبًا يقف أمام جناح ديڤيد. توقفت أمامه، ثم قالت بنبرة حاولت أن تجعلها عفوية: أنا لاورا، خطيبة ديڤيد. أخبرني، لماذا أنت هنا؟ هل حدث له شيء؟ نظر إليها الطبيب بهدوء: لا أعلم،أنا بانتظاره. لم تجد

  • لا تحبني فقط .. بل امتلكني    99

    طرقت عينا أريانا نحو الباب فور انفتاحه. توقفت أنفاسها. " ديڤيد " دخل بخطوات هادئة وأغلق الباب خلفه، ثم وقعت عيناه عليها. للحظة قصيرة، لم يتحدث أيٌّ منهما. بقيت أريانا جالسة إلى جوار سرير والدها، تحدق فيه بتوتر واضح، بينما تحرك ديڤيد نحوها بضع خطوات. قال بصوت منخفض: علمت بما حدث لوالدك من الطبيب كال. تعلقت عينا أريانا بوجهه، فتابع: جئت لأطمئن عليه خرجت الجملة هادئة، محسوبة. لكن الحقيقة التي لم يقلها بقيت في داخله. لم يأتِ فقط ليطمئن على ميخائيل. جاء ليراها. منذ غادر الشركة، لم يستطع إخراج صورتها من رأسه، وعندما أخبره الطبيب بما حدث، لم يمنحه القلق فرصة للتفكير. ترك كل شيء وجاء. أما الآن... فها هي أمامه. اقتربت أريانا منه: شكرًا لك يا ديڤيد. توقفت أمامه مباشرة. رفعت عينيها إليه، ثم قالت بصوت أكثر دفئًا: شكرًا لاهتمامك لم يجب، تعلقت عيناه بعينيها. اقتربت منه خطوة أخرى، ورفعت ذراعيها قليلًا. أرادت احتضانه. لكن ديڤيد تراجع خطوة. توقفت أريانا في مكانها. انخفضت ذراعاها ببطء. ظهر الارتباك على وجهها. لم تفهم... قبل لحظات، جاء إليها

  • لا تحبني فقط .. بل امتلكني    98

    وفجأة... ظهرت أريانا في ذهنه. ظل صامتًا لثوانٍ، ثم وضع الكأس على الطاولة والتقط هاتفه من جيب سترته. بحث عن رقم الطبيب المسؤول عن حالة ميخائيل واتصل به فورًا. لم تمر سوى لحظات حتى جاءه صوت الطبيب عبر الهاتف: " مرحبًا، سيد ديڤيد." قال ديڤيد بصوت حاد: " الطبيب كال... ألم تعدني بأن تتابع حالة السيد ميخائيل بنفسك؟' أجاب الطبيب بسرعة: " بالطبع، سيد ديڤيد. وكما تعلم، فإن والد أريانا يعاني من مرض عضال، وقد فعلنا كل ما بوسعنا لإبقائه على قيد الحياة. ولن نتقاعس عن ذلك لحظة واحدة." صمت الطبيب قليلًا، ثم تغير صوته. " لكن ما مر به السيد ميخائيل حتى الآن... أمر غريب جدًا." انعقد حاجبا ديڤيد. "ماذا تقصد بحتى الان؟" تنهد الطبيب قبل أن يقول: " يبدو أنك لم تعلم بما حدث اليوم." تغيرت ملامح ديڤيد. " ماذا حدث؟" قال الطبيب: " الأمر يشبه ما حدث في المرة السابقة. أتذكر عندما حاول أحدهم قطع الأكسجين عن السيد ميخائيل؟" تجمدت نظرات ديڤيد. " نعم." " اليوم... تعرض السيد ميخائيل لمحاولة قتل." اتسعت عينا ديڤيد فجأة. " ماذا قلت؟" أجاب الطبيب: " دخل شخص إلى غرفته، و

  • لا تحبني فقط .. بل امتلكني    97

    ظهرت لمعة صغيرة في عيني لاورا. لقد فهمت شيئًا مهمًا. ماسيمو يملك نفوذًا حقيقيًا على ديڤيد. لكنها أخفت فرحتها خلف ملامح مترددة، وقالت بصوت ناعم: "جدي... أنا لا أريد أن أكون سببًا في أي مشكلة بينك وبين ديڤيد." خفضت عينيها. " وإذا كان ديڤيد لا يريدني حقًا... فسأنسحب من حياته." نظر إليها ماسيمو بجدية، ثم قال: " لا يا ابنتي، لا تقلقي." وأراح ظهره إلى مقعده. " لن تكون هناك أي مشكلة." ثم تابع: " أنا أريدك زوجةً لديڤيد." سكت قليلاً، ثم قال: " أنتِ جميلة، ومثقفة، وقنوعة. وأعرف أنك ستعتنين بهذا القصر، وستحافظين على علاقتك بديڤيد." ابتسمت لاورا بخجل مصطنع. " أعدك يا جدي." لكن داخلها... كان شيء آخر تمامًا. كان انتصارًا هائلًا. لم تتوقع أن يقف ماسيمو إلى جانبها بهذه القوة، ولم تتوقع أيضًا أن يعاملها بهذه الحفاوة. ورغم بروده وهيبته، بدا لها في هذه اللحظة رجلًا حنونًا تجاه من يعتبرهم أفرادًا من عائلته. ثم أشار ماسيمو إلى رجل يقف بالقرب من الباب. " لاورا، هذا مساعدي... فيرناندو." انحنى الرجل باحترام. تابع ماسيمو: " طلبت منه أن يرافقك خلال الأيام الق

  • لا تحبني فقط .. بل امتلكني    96

    تقدمت لاورا حتى وقفت أمام ديڤيد، ثم وضعت يدها على ذراعه وقالت بصوت ناعم متوسل: " ديڤيد... أنت تعرف أنني أحبك. لقد لجأت إلى جدي لأنني لم أُرد أن أخسرك." ثم أحاطته بذراعيها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة بدت حنونة من الخارج... بينما كانت عيناها تخفيان شيئًا آخر تمامًا. لكن ديڤيد لم يبادلها العناق. بقي ساكنًا، وذراعاه إلى جانبيه، فاحتضانها لم يكن يعني له شيئًا. وبعد لحظات أبعدها عنه برفق، ثم نظر إليها بحدة، وفي عينيه ومضة غضب واضحة. " اعلمي شيئًا واحدًا، لاورا... حتى لو استمرت هذه العلاقة، وحتى لو تزوجنا، فلن يكون هذا الزواج مبنيًا على الحب." صمت لحظة، ثم تابع ببرود: " أنا لا أحبك... ولن أحبك." تجمدت ابتسامتها على وجهها أضاف: " تذكري أننا اتفقنا منذ البداية. علاقتنا كانت تبادل مصالح، وهذا ما كانت عليه منذ اليوم الأول." كانت لاورا تعرف ذلك جيدًا. لكنها خفضت عينيها، وتركت الدموع تتجمع فيهما، ثم قالت بصوت مكسور: " أعرف... لكن ماذا أفعل بقلبي إن كان قد أحبك؟" رفعت عينيها إليه. "أنا أحبك يا ديڤيد." أدخل ديڤيد يديه في جيبي بنطاله، وظل ينظر إليها دون أن تتغي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status