LOGINأريانا
استقللتُ سيارة الأجرة وما إن أغلقت الباب خلفي حتى انتفضت ذاكرتي كأنها صفعتني بقوة فقد نسيت الاتصال بقسم المحاسبة وما إن وصلني صوت الموظف من الطرف الآخر حتى بادرت إليه بصوت متوتر تخنقه الأنفاس قائلة "أنا أريانا ميخائيل ابنة السيد ميخائيل أريد أن أعرف إن كان قد تم سداد تكاليف العملية" ساد صمت قصير بدا لي أطول من العمر كله ثم عاد الموظف يتصفح البيانات قبل أن يقول بنبرة واثقة "نعم آنسة أريانا لقد سُدد المبلغ كاملًا من قبل شخص يُدعى ديڤيد" في تلك اللحظة انفرجت شفتاي عن ابتسامة مرتجفة واندفعت زفرة ثقيلة من أعماق صدري وكأن صخرة هائلة كانت تستقر فوق قلبي ثم تهاوت أخيرًا فقد تلاشى ذلك الكابوس الذي ظل يطاردني منذ الصباح ولم يعد هناك ما يمنع والدي من الخضوع للعملية العاجلة التي قد تنقذ حياته من المرض العضال الذي التهم جسده خلال الأشهر الأخيرة ولم يكن يربطني بهذا العالم سواه ولم أملك من إرثه سوى عقد لؤلؤ نادر يتوسطه نقش لإسمي وقد أوصاني ألا يفارق عنقي مهما حدث توقفت سيارة الأجرة أمام المستشفى فنزلت منها بخطوات متعثرة وكان الإرهاق يثقل أطرافي حتى شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي لكنني تجاهلت كل ما كان ينهش جسدي ولم أعد أشعر بالجوع أو العطش أو حتى التعب فقد كان همي الوحيد أن أطمئن على الرجل الذي كان عالمي بأكمله اندفعت عبر الممرات البيضاء بعينين حمراوين من السهر والقلق حتى انفتح باب غرفة العمليات وخرج أحد الممرضين فأسرعت نحوه وكأن حياتي معلقة بإجابته ثم أوقفت طريقه وأنا ألهث وقلت بصوت مكسور امتزج فيه الرجاء بالخوف "من فضلك أخبرني كم سيستغرق والدي حتى يخرج من العملية" تأملني الممرض لثوانٍ وقد بدا التأثر واضحًا في عينيه بعدما رأى وجهي الشاحب وملابسي البسيطة التي أخفت رغم أناقتها الرقيقة حجم الانهيار الذي أعيشه ثم قال بهدوء مطمئن "لا تقلقي آنسة العملية ستستغرق قرابة أربع ساعات وبعد انتهائها سينقل إلى غرفة العناية المركزة ومن المتوقع أن يحتاج يومين تقريبًا ليستعيد وعيه" أغمضت عيني بقوة وشعرت بأن الدموع تحاول الهروب من بين أهدابي لكنني ابتلعتها بصعوبة ثم رفعت رأسي ببطء وقد عاد بعض اللون إلى وجهي الجميل وقلت بصوت أكثر ثباتًا "شكرًا لك لقد منحتني أملًا كنت على وشك أن أفقده" ابتسم الممرض ابتسامة دافئة ثم همَّ بالرحيل لكنني استوقفته مرة أخرى وقلت بتردد "هل يمكنني أن آخذ رقم هاتفك إذا سمحت أريد أن أطمئن على حالة والدي ، ربما سأتأخر في زيارته" هز رأسه بإيجاب ومد إليها بطاقة صغيرة وهو يقول بلطف صادق "بالطبع آنسة سأكون موجودًا في أي وقت تحتاجين فيه إلى الاطمئنان عليه" تناولت البطاقة بين أصابعي وهمست بكلمات الشكر ثم غادرت المستشفى بخطوات بطيئة وقد بدأ التعب ينهش جسدي بلا رحمة وكانت قدماي ترتجفان مع كل خطوة ورأسي يوشك أن يسقط من فرط الإرهاق .. خرجت من المستشفى ولم أعد أملك أدنى رغبة في الذهاب إلى الجامعة، فقد كان الإنهاك يتسلل إلى عظامي حتى شعرت بأنني سأهوي في أي لحظة.. ما إن تجاوزت البوابة الرئيسية حتى وقعت عيناي على سيارة الأجرة نفسها، وكان السائق لا يزال ينتظر في المكان فتقدمت نحوه بخطوات بطيئة وفتحت الباب ثم جلست في المقعد الخلفي وقلت بابتسامة باهتة "عمي جون... شكرًا لك، لقد جعلتك تنتظر وقتًا طويلًا." التفت إليّ الرجل المسن بابتسامته الهادئة ثم قال بصوت أبوي دافئ "لا بأس يا ابنتي، لا تشغلي بالك، أنا في خدمتك دائمًا." ابتسمت له شاكرة ثم انطلقت السيارة تشق الطريق وسط ازدحام المدينة بينما كنت أحدق بصمت من النافذة وأفكاري كلها معلقة خلف أبواب غرفة العمليات حيث يرقد والدي بين الحياة والموت. وبعد دقائق توقفت السيارة أمام منزلي، فأخرجت أجرته وشكرته مرة أخرى قبل أن أترجل منها، ثم دخلت المنزل ولم أكد أغلق الباب خلفي حتى دوّى جرس المنزل فجأة بصوت حاد انعقد حاجباي بدهشة، فلم أكن أنتظر أحدًا، وتسللت إلى قلبي غصة لا أعرف مصدرها، فتقدمت بخطوات حذرة نحو الباب، ثم فتحته بسرعة. وفي اللحظة التي انفتح فيها الباب تجمدت أنفاسي داخل صدري واتسعت عيناي بصدمة، فقد ارتسم أمامي ظل رجل طويل القامة أعرفه جيدًاانفتح باب غرفة الاستحمام ببطء. خرجت لاورا بخطوات هادئه تمشي بدلال ولم تغطي جسدها، كانت عاريه و متعمدة أن تظهر أمام ديڤيد بهذه الهيئة، وكأنها لم تفكر في الأمر سوى للحظة. رفع ديڤيد عينيه. توقفت نظرته على جسدها الفاتن للحظة أطول مما أراد. ثم أشاح بوجهه سريعًا. شد فكه، وأخذ نفسًا عميقًا: لاورا... ابتسمت: ماذا؟ مد يده إلى كوب الماء الموضوع بجانبه، لكنه توقف قبل أن يلمسه. حرارة غريبة تصعد في جسده، و انتصابه اكثر من المعتاد اقتربت منه خطوة...توقفت أمامه. رفع عينيه إليها، وكانت نظرته أكثر اضطرابًا: ابتعدي. ضحكت بهدوء: لماذا؟ لأنني لا أريدك قريبة مني الآن. اقتربت أكثر ثم جلست إلى جواره على حافة السرير: أنت لا تبدو بخير. رفع ديڤيد يده إلى جبينه: أنا بخير. إذًا انظر إليّ. رفع عينيه، التقت عيناه بعينيها. للحظة، لم يسمع سوى صوت أنفاسه. مدت لاورا يدها ولمست كتفه. أمسك معصمها فورًا: لا تفعلي. تظاهرت بالدهشة: أنا فقط أحاول مساعدتك. أفلت يدها. نهض محاولًا الابتعاد، لكن اختل توازنه للحظة، فعادت لاورا وأمسكت بذراعه.: ديڤيد! استند إلى حافة السرير. أغمض عينيه: ما
في الخارج، وصل ديڤيد إلى سيارته. فتح جورج الباب الخلفي له صعد إلى المقعد الخلفي وأغلق الباب. انطلقت السيارة فورًا مبتعدة عن المستشفى. أسند ديڤيد رأسه إلى المقعد، وأغمض عينيه. مرت ثوانٍ ثم قال : خذني إلى الفندق. ثم فتح عينيه وأضاف: واتصل بالطبيب. أريده أن يأتي فورًا. حاضر، سيدي. تحركت السيارة بين شوارع روما. وضع ديڤيد يده خلف ظهره. ضغط بأصابعه على موضع الإصابة التي تلقاها عندما سحب أريانا بعيدًا عن السيارة. تقلص وجهه من الألم. أخذ نفسًا بطيئًا، ثم أراح رأسه على المقعد. رفع يده عن ظهره ونظر إلى أصابعه. ابتسم ابتسامة صغيرة... حزينة. تسللت صورة أريانا إلى ذهنه؛ عيناها عندما تراجع عنها، وذراعاها اللتان أنزلتهما ببطء بعد أن رفض احتضانها. أغمض عينيه ثم تمتم بصوت بالكاد سُمع: انتهى كل شيء يا أريانا. ---- وصلت لاورا إلى الفندق، وما إن خرجت من المصعد حتى لمحت طبيبًا يقف أمام جناح ديڤيد. توقفت أمامه، ثم قالت بنبرة حاولت أن تجعلها عفوية: أنا لاورا، خطيبة ديڤيد. أخبرني، لماذا أنت هنا؟ هل حدث له شيء؟ نظر إليها الطبيب بهدوء: لا أعلم،أنا بانتظاره. لم تجد
طرقت عينا أريانا نحو الباب فور انفتاحه. توقفت أنفاسها. " ديڤيد " دخل بخطوات هادئة وأغلق الباب خلفه، ثم وقعت عيناه عليها. للحظة قصيرة، لم يتحدث أيٌّ منهما. بقيت أريانا جالسة إلى جوار سرير والدها، تحدق فيه بتوتر واضح، بينما تحرك ديڤيد نحوها بضع خطوات. قال بصوت منخفض: علمت بما حدث لوالدك من الطبيب كال. تعلقت عينا أريانا بوجهه، فتابع: جئت لأطمئن عليه خرجت الجملة هادئة، محسوبة. لكن الحقيقة التي لم يقلها بقيت في داخله. لم يأتِ فقط ليطمئن على ميخائيل. جاء ليراها. منذ غادر الشركة، لم يستطع إخراج صورتها من رأسه، وعندما أخبره الطبيب بما حدث، لم يمنحه القلق فرصة للتفكير. ترك كل شيء وجاء. أما الآن... فها هي أمامه. اقتربت أريانا منه: شكرًا لك يا ديڤيد. توقفت أمامه مباشرة. رفعت عينيها إليه، ثم قالت بصوت أكثر دفئًا: شكرًا لاهتمامك لم يجب، تعلقت عيناه بعينيها. اقتربت منه خطوة أخرى، ورفعت ذراعيها قليلًا. أرادت احتضانه. لكن ديڤيد تراجع خطوة. توقفت أريانا في مكانها. انخفضت ذراعاها ببطء. ظهر الارتباك على وجهها. لم تفهم... قبل لحظات، جاء إليها
وفجأة... ظهرت أريانا في ذهنه. ظل صامتًا لثوانٍ، ثم وضع الكأس على الطاولة والتقط هاتفه من جيب سترته. بحث عن رقم الطبيب المسؤول عن حالة ميخائيل واتصل به فورًا. لم تمر سوى لحظات حتى جاءه صوت الطبيب عبر الهاتف: " مرحبًا، سيد ديڤيد." قال ديڤيد بصوت حاد: " الطبيب كال... ألم تعدني بأن تتابع حالة السيد ميخائيل بنفسك؟' أجاب الطبيب بسرعة: " بالطبع، سيد ديڤيد. وكما تعلم، فإن والد أريانا يعاني من مرض عضال، وقد فعلنا كل ما بوسعنا لإبقائه على قيد الحياة. ولن نتقاعس عن ذلك لحظة واحدة." صمت الطبيب قليلًا، ثم تغير صوته. " لكن ما مر به السيد ميخائيل حتى الآن... أمر غريب جدًا." انعقد حاجبا ديڤيد. "ماذا تقصد بحتى الان؟" تنهد الطبيب قبل أن يقول: " يبدو أنك لم تعلم بما حدث اليوم." تغيرت ملامح ديڤيد. " ماذا حدث؟" قال الطبيب: " الأمر يشبه ما حدث في المرة السابقة. أتذكر عندما حاول أحدهم قطع الأكسجين عن السيد ميخائيل؟" تجمدت نظرات ديڤيد. " نعم." " اليوم... تعرض السيد ميخائيل لمحاولة قتل." اتسعت عينا ديڤيد فجأة. " ماذا قلت؟" أجاب الطبيب: " دخل شخص إلى غرفته، و
ظهرت لمعة صغيرة في عيني لاورا. لقد فهمت شيئًا مهمًا. ماسيمو يملك نفوذًا حقيقيًا على ديڤيد. لكنها أخفت فرحتها خلف ملامح مترددة، وقالت بصوت ناعم: "جدي... أنا لا أريد أن أكون سببًا في أي مشكلة بينك وبين ديڤيد." خفضت عينيها. " وإذا كان ديڤيد لا يريدني حقًا... فسأنسحب من حياته." نظر إليها ماسيمو بجدية، ثم قال: " لا يا ابنتي، لا تقلقي." وأراح ظهره إلى مقعده. " لن تكون هناك أي مشكلة." ثم تابع: " أنا أريدك زوجةً لديڤيد." سكت قليلاً، ثم قال: " أنتِ جميلة، ومثقفة، وقنوعة. وأعرف أنك ستعتنين بهذا القصر، وستحافظين على علاقتك بديڤيد." ابتسمت لاورا بخجل مصطنع. " أعدك يا جدي." لكن داخلها... كان شيء آخر تمامًا. كان انتصارًا هائلًا. لم تتوقع أن يقف ماسيمو إلى جانبها بهذه القوة، ولم تتوقع أيضًا أن يعاملها بهذه الحفاوة. ورغم بروده وهيبته، بدا لها في هذه اللحظة رجلًا حنونًا تجاه من يعتبرهم أفرادًا من عائلته. ثم أشار ماسيمو إلى رجل يقف بالقرب من الباب. " لاورا، هذا مساعدي... فيرناندو." انحنى الرجل باحترام. تابع ماسيمو: " طلبت منه أن يرافقك خلال الأيام الق
تقدمت لاورا حتى وقفت أمام ديڤيد، ثم وضعت يدها على ذراعه وقالت بصوت ناعم متوسل: " ديڤيد... أنت تعرف أنني أحبك. لقد لجأت إلى جدي لأنني لم أُرد أن أخسرك." ثم أحاطته بذراعيها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة بدت حنونة من الخارج... بينما كانت عيناها تخفيان شيئًا آخر تمامًا. لكن ديڤيد لم يبادلها العناق. بقي ساكنًا، وذراعاه إلى جانبيه، فاحتضانها لم يكن يعني له شيئًا. وبعد لحظات أبعدها عنه برفق، ثم نظر إليها بحدة، وفي عينيه ومضة غضب واضحة. " اعلمي شيئًا واحدًا، لاورا... حتى لو استمرت هذه العلاقة، وحتى لو تزوجنا، فلن يكون هذا الزواج مبنيًا على الحب." صمت لحظة، ثم تابع ببرود: " أنا لا أحبك... ولن أحبك." تجمدت ابتسامتها على وجهها أضاف: " تذكري أننا اتفقنا منذ البداية. علاقتنا كانت تبادل مصالح، وهذا ما كانت عليه منذ اليوم الأول." كانت لاورا تعرف ذلك جيدًا. لكنها خفضت عينيها، وتركت الدموع تتجمع فيهما، ثم قالت بصوت مكسور: " أعرف... لكن ماذا أفعل بقلبي إن كان قد أحبك؟" رفعت عينيها إليه. "أنا أحبك يا ديڤيد." أدخل ديڤيد يديه في جيبي بنطاله، وظل ينظر إليها دون أن تتغي







