LOGINرمى ماتياس الملف المغلق بعنف على سطح المكتب الفريد. التقت عيناه بعيني آدم اللتين تحولتا في ثانية واحدة إلى ما يشبه شفرات الخنجر الحادة.
آدم بصوت منخفض حاد: تكلم يا ماتياس، لا أحب الألغاز في هذا الوقت من اليوم. ماتياس: الحسابات الوهمية في سويسرا، الشحنة الأخيرة التي تم احتجازها في ميناء فالنسيا.. كل الخيوط والأرقام السرية التي لا يعرفها سوى الدائرة المغلقة خرجت من جهاز واحد.. جهاز خوليو. وقع الاسم كالصاعقة في أرجاء المكتب المظلم، لكن ملامح آدم لم تهتز، بل ازدادت جموداً وقسوة. نهض ببطء، وجسده الرياضي الضخم يفرض هيبته الطاغية في الغرفة. في تلك اللحظة بالذات، دلف خوليو إلى المكتب حاملاً بعض المخططات الهندسية، ولم يكن يعلم أن حبل المشنقة قد لُف حول عنقه. قبل أن ينطق بكلمة، تقدم آدم نحوه بخطوات الفهد، وقبض على ياقة قميصه بقوة مرعبة، ليرفعه عن الأرض تقريباً. كانت أنفاس آدم الغاضبة والساخنة تحرق وجه الرجل الخمسيني الذي تملك منه الرعب. آدم بامتزاج من الغدر والبرود: أربعة عشر عاماً وأنت ظلي يا خوليو.. تاكل من خيري وتعرف أسراري. هل بعتني؟ هل تجرأت على اللعب مع الأفاعي خلف ظهري؟ خوليو بنبرة متقطعة وعيون تملأها دموع الخوف: سيدي.. أقسم لك بحياة ابنتي.. أنا لم أفعل.. هناك فخ.. هناك من اخترق حسابي.. لم يستمع آدم لأعذاره، فالخيانة بالنسبة له خط أحمر يعيد فتح جروح الماضي التي لم تندمل. أشار برأسه إلى ماتياس الذي كان يراقب الوضع ببرود. آدم: خذه إلى القبو السفلي في المزرعة القديمة. أريد الحقيقة كاملة قبل أن ينتهي اليوم، وإذا ثبتت إدانته.. أنت تعرف حكم المنظمة، الدفن حياً. في المخبز الصغير، كانت عقارب الساعة تشير إلى التاسعة مساءً. القلق بدأ يأكل قلب إيزابيل. والدها لم يعتد التأخر دون الاتصال بها أو بوالدتها، وهاتفه مغلق تماماً منذ ساعات. بينما كانت تمسح الطاولة الخشبية بيدين ترتجفان، توقفت سيارة سوداء ضخمة ذات زجاج داكن أمام المخبز. ترجل منها رجلان ببذلات سوداء ونظرات صارمة لا تبشر بالخير. دلفا إلى الداخل، ووقعت عيونهما على إيزابيل. رغماً عن ملابسها البسيطة ومئزرها الملطخ بالدقيق، إلا أن جسدها الأنثوي الممتلئ بجاذبية وطاقتها الأنثوية الصارخة في أواخر عشرينياتها كانت تلفت الأنظار وتثير الرغبة. أحد الرجال بنبرة جافة: الآنسة إيزابيل؟ إيزابيل وهي تتراجع خطوة للخلف وتمسك بقطعة القماش بقوة: نعم.. من أنتم؟ وأين أبي؟ الرجل: السيد آدم ألاركون يريد رؤيتك الآن في مكتبه الخاص. والدكِ هناك، ومن الأفضل أن تأتي معنا بهدوء إن كنتِ تحبين حياته وتريدين رؤيته مجدداً. تجمدت الدماء في عروقها. ترسخ في ذهنها فجأة سر خطير كانت قد اكتشفته بالصدفة قبل أشهر، عندما عثرت في معطف والدها القديم على أوراق تخص عمله، وكان من بينها تقرير سري للغاية يتحدث عن خيانة امرأة تدعى تالا للسيد آدم، وكيف قام بتصفيتها وتدمير عائلتها بدم بارد. عرفت إيزابيل حينها أن آدم ليس مجرد رجل أعمال، بل هو سفاح مغطى بالمال والنفوذ. نزعت مئزرها بسرعة، وشعور الخطر يثير في جسدها رعباً لذيذاً ومخيفاً في آن واحد، وخرجت معهما والنبضات تصم آذانها. وصلت السيارة إلى البرج العملاق. صعدت إيزابيل إلى الطابق الستين تحت حراسة مشددة. كان الممر المؤدي لمكتب آدم مظلماً إلا من إضاءة خافتة تضفي رعباً وهيبة على المكان. فتح الحارس الباب الخشبي الضخم ودفعها بلطف قسري إلى الداخل ثم أغلقه. كانت الغرفة غارقة في صمت ثقيل، تفوح منها رائحة السيجار الكوبي الفاخر الممتزجة برائحة رجولية حادة، مثيرة ومربكة للحواس. خلف المكتب العملاق المصنوع من الأبنوس الأسود، كان يجلس هو. لم يكن يرتدي سترته، بل كان بقميصه الأسود الذي فتح أزراره الأولى بحرية، مبرزاً عضلات صدره الصلبة والوشم الغامض الذي يمتد من كتفه حتى رقبته الحادة. كانت عيناه الحادتان والمليئتان بالرغبة والسيطرة تفحصانها ببطء شديد، لم يترك إنشاً في جسدها إلا ومر عليه؛ من خصلات شعرها البني المتمردة، مروراً بشفتيها المكتنزتين اللتين ترتجفان بقهر، وصولاً إلى صدرها الساحر الذي يعلو ويهبط بسرعة تزامناً مع أنفاسها المضطربة. نظراته كانت جريئة، تلتهم أنوثتها بوقاحة وتجردها من ملابسها في مخيلته، يدرس هذا الجسد النقي الذي بدا ناصعاً ومثيراً تحت الإضاءة الخافتة للمكتب. تملكته رغبة مفاجئة وعنيفة في ترويض هذه القطة الشرسة التي تجرأت على دخول عرينه. تراجع آدم بكرسيه الجلدي إلى الخلف، وأطلق زفيراً محملاً بدخان سيجاره، ونظر إليها بابتسامة مستفزة باردة، لتبدأ من هنا المواجهة العنيفة والمقايضة الشرسة التي ستجعل من جسدها ثمناً لحرية والدها.«بعد مرور عام ونصف....» تبدلت ملامح مدريد، وتغيرت خريطة القوة في العالم السفلي بالكامل. لم يعد "الغراب" مجرد زعيم منبوذ يعيش في الأقبية، بل أصبح "ملك الظلال". تمددت نفوذه لتبتلع شبكات التهريب، صفقات السلاح، وحتى غسيل الأموال في أرقى بنوك أوروبا. لكن العقل المدبر وراء هذا التوسع المرعب لم يكن "الغراب" وحده.. بل كانت "ذراعه الأيمن". في صالة تدريب حديثة وواسعة، ذات واجهات زجاجية تطل على المدينة، كانت "إيزابيل" تقف وسط الحلبة. لم يتبق من فتاة المخبز النحيلة والباكية أي أثر. بنيتها الجسدية أصبحت تحفة من القوة والمرونة؛ عضلات ممشوقة ومفصلة تحت ملابسها الرياضية السوداء، حركاتها خفيفة كالفهد، وردود أفعالها أسرع من الصوت. شعرها الأسود القصير أصبح أطول قليلاً، ينسدل على جانبي وجهها الذي نُحتت ملامحه ببرود قاتل، لا تعرف الابتسامة طريقاً إليه. كان أربعة رجال ضخام البنية يهاجمونها في آن واحد. بمرونة خرافية، تفادت لكمة الأول، لتكسر ذراعه بحركة التوائية سريعة، ثم استخدمت جسده كنقطة ارتكاز لتقفز في الهواء وتوجه ركلة قاضية لفك الثاني. في أقل من دقيقتين، كان الأربعة يئنون على الأرض. صفق "الغرا
كانت أصوات اللكمات العنيفة تتردد في جنبات القبو الرطب، صدىً يمزق صمت الفجر البارد. مر شهران على تلك الليلة التي تحولت فيها حياة "إيزابيل" إلى رماد، شهران لم تعرف فيهما طعم النوم إلا كإغفاءات متقطعة مشبعة بالكوابيس. كانت تضرب كيس الملاكمة الجلدي بقبضتيها العاريتين الملفوفتين بضمادات بيضاء تشبعت بدمائها الجافة. كل لكمة كانت تحمل اسماً: آدم.. فولكوف.. الموت. كان "الغراب" يقف في الظل، يراقبها بصمت وهو ينفث دخان سيجاره. طوال الستين يوماً الماضية، رأى فيها ما لم يره في أعتى رجاله. رأى غضباً لا ينطفئ، وروحاً ترفض الاستسلام رغم تحطمها. دون أن يدرك، تسلل إلى قلبه القاسي شعور غريب؛ شعور الأبوة الذي حُرم منه منذ زمن بعيد. أصبحت هذه الفتاة المكسورة بمثابة ابنة له، ابنة ولدت من رحم الألم الذي يتفهمه جيداً. فجأة، توقفت "إيزابيل". سكنت قبضتها في الهواء، واتسعت عيناها بصدمة. شعرت بتمزق حاد في أسفل بطنها، وكأن خنجراً من نار غُرس في أحشائها دون سابق إنذار. سقطت على ركبتيها، لاهثة، ويداها تعتصران أحشائها. ألقى "الغراب" سيجاره واندفع نحوها بخطوات لم يعهدها رجاله من قبل. ـ "إيزابيل! ما بكِ؟" ع
رفع "آدم" مسدسه، وأفرغ رصاصة في رأس الرجل، لينهي حياته في ثانية. تقدم "ماتياس" من الظلام، يراقب المشهد بوجه متجهم. ماتياس: ـ "لقد قتلنا كل من في الميناء يا آدم. فولكوف هرب من المدينة. ألا يكفي سفك الدماء الليلة؟" التفت "آدم" إلى صديقه، وعيناه خاويتان بشكل مخيف، رغم كل الدماء التي سفكها. آدم: ـ "لا يكفي يا ماتياس. طالما أن فولكوف يتنفس، فهذا يعني أن هناك من يعتقد أن إمبراطورية ألاركون يمكن المساس بها." ماتياس (بنبرة هادئة ومستفزة): ـ "هل تكذب عليّ أم تكذب على نفسك؟ أنت لم تقتل هؤلاء الرجال من أجل كبريائك أو إمبراطوريتك. أنت تفرغ غضبك لأن القصر أصبح فارغاً. لأنك عندما تعود الليلة، لن تجد عطرها، ولن تجد عينيها اللتين تتحديانك. لقد خسرتها يا آدم، وهذا الدم لن يعيدها." تصلب فك "آدم"، واقترب من "ماتياس" حتى تلامست أنفاسهما الغاضبة. آدم (من بين أسنانه، بصوت يحمل كبرياءً مجروحاً): ـ "أنا لا أخسر أحداً يا ماتياس! هي اختارت طريقها، وأنا اخترت طريقي. قلت لها إنني سأنتظرها، وسأفعل. سأتركها تغرق في حقدها، وتتدرب، وتظن أنها قادرة على سحقي.. وعندما تعود، سأريها أن الوحش الذي صنعته لا يزال
كانت شوارع مدريد السفلية تختلف تماماً عن ناطحات السحاب المضيئة التي يمتلكها "آدم ألاركون". هنا، لا يوجد ضوء سوى ومضات مصابيح الشوارع المكسورة، ولا توجد رائحة سوى العفن والتبغ الرخيص والدماء الجافة. كانت "إيزابيل" تسير بخطوات ثابتة، حافية القدمين تقريباً بعد أن تمزق حذاؤها، وشعرها المقصوص بعشوائية يلتصق بوجنتيها الشاحبتين. لم تلفت انتباهها نظرات المتشردين أو همسات السكارى في الأزقة. كانت عيناها موجهتين نحو هدف واحد؛ حانة "الجحيم السفلي"، الوكر الذي سمعت "ماتياس" يذكره ذات ليلة وهو يتحدث عن المرتزقة الذين لا يخضعون لقوانين "آدم". وقفت أمام الباب الحديدي الصدئ. اعترض طريقها حارس ضخم الجثة، تفوح منه رائحة الكحول، نظر إليها بسخرية من أعلى لأسفل. ـ "ابتعدي من هنا أيتها المتشردة.. هذا المكان ليس للفتيات الباكيات." رفعت "إيزابيل" عينيها إليه. لم يكن فيها أي وميض للخوف، بل كانت كبئر مظلم لا قاع له. تحدثت بصوت مبحوح، خشن، وثابت: ـ "أخبر 'إل كويرفو' (الغراب) أن شبح 'آدم ألاركون' يقف على بابه، وهو يحمل له مفاتيح مملكته." ضاق يتا الحارس، ومد يده ليمسك بعنقها: ـ "ماذا تهذين أيتها الـ..." ق
ـ "هل انتهيت من طمر التراب؟"خرجت كلماتها خافتة، جافة، خالية من أي نبض للحياة. وقفت "إيزابيل" تحت المطر الغزير الذي يجلد وجهها الشاحب، ترتدي معطفاً أسود يبتلع جسدها الهزيل، وتحدق في الشاهدين الحجريين البسيطين اللذين غُرسا للتو في الأرض الطينية الرطبة.رفع حفار القبور العجوز رأسه، ومسح قطرات المطر عن جبينه المجعد، ثم نظر إليها بشفقة لم تطلبها:ـ "نعم يا آنسة.. لقد واريناهما الثرى....ولكن المطر يشتد، والمقبرة ستغلق أبوابها بعد قليل. عليكِ الرحيل."نظرت إليه بعينين فارغتين، عينين لا تعكسان سوى هاوية من الظلام:ـ "الرحيل؟ إلى أين أرحل؟ كل من كان ينتظر عودتي أصبح تحت هذا الطين. اذهب أنت.. دعني معهما."ـ "ولكن يا ابنتي، البقاء هنا لن يعيدهما. الموتى لا يسمعون، والأحياء يجب أن يكملوا الطريق."ـ "الطريق؟" أطلقت ضحكة قصيرة، مبحوحة، أقرب إلى الحشرجة. "طريقي انتهى البارحة...اذهب ولا تلتفت."تنهد العجوز وجمع أدواته، مبتعداً عن تلك الفتاة التي بدا وكأن الموت قد سلبها روحها وترك جسدها واقفا.بمجرد أن أصبحت وحيدة، جثت "إيزابيل" على ركبتيها في الطين البارد، لم تكترث للمطر الذي يغرقها. مدت يديها المرت
كانت ألسنة اللهب تلتهم جدران المخبز القديم والمنزل الملاصق له، تتصاعد أعمدة الدخان الأسود لتمتزج بسواد ليل مدريد، كأنها تحجب السماء عن رؤية أبشع مجزرة شهدها ذلك الحي البسيط. انهار السقف الخشبي بصوت مرعب، ليتطاير الشرر في كل مكان، معلناً تفحم كل ذكرى جميلة عاشتها "إيزابيل" في هذا المكان.اخترقت "إيزابيل" صفوف النيران بجسد يرتجف، ممسكة بسلاحها والدموع تحرق عينيها رعباً. لم تعد ترى الرصاص المتطاير حولها، ولم تعد تسمع صراخ رجال المافيا الذين يتساقطون بجانبها برصاص "آدم" ورجاله كان كل مايشغلها هو ذلك الباب المحترق.ـ "أبيييييي! أميييييي!"خرجت الصرخة من جوفها مشحونة بقهر يفتت الصخر، صياح مزق سكون الموت المحيط بالحي. اندفعت داخل الحطام المشتعل لترى مشهداً جمد الدماء في عروقها؛ كان "خوليو" و"كلارا" ممددين على الأرض، تحاصرهما النيران، وجسداهما مضرجان بالدماء أثر طلقات غادرة أصابتهما قبل اشتعال الحريق.ارتمت "إيزابيل" فوق جسديهما، محتضنة إياهما بين ذراعيها، والدموع الساخنة تنهمر كالشلال لتغسل الدماء والغبار عن وجه والدتها الطيب."إيزابيل" (بشهقات متلاحقة ونبرة يملأها الرفض):ـ "لا.. لا أرجوكم!







