LOGINكانت جودي قد أصبحت الاسم الذي يتصدر عناوين الصحف، لكن هذه المرة لم يكن اسمها مرتبطًا بمأساة جديدة أو بجريمة ارتكبتها تارا.بل بنجاحها.تولت إدارة المؤسسة التي عملت فيها لسنوات، وصارت صاحبة القرار فيها، امرأة بنت مكانتها بجهدها، حتى غدت الصحفيات الشابات ينظرن إليها بوصفها مثالًا للنجاح الذي لا يحتاج إلى اسم عائلة ثرية كي يفرض نفسه.كانت تملك المال الذي يكفيها لتعيش حياة مرفهة، لكنها اختارت أن تبدأ من الصفر، وأن تصنع اسمًا لا يدين لأحد بشيء.باستثناء شخص واحد، بالطبع.جوليان.كان جالسًا في مكتبه، يقرأ المقال المنشور عنها للمرة الثالثة، وكلما وصل إلى السطر الذي يصفها بأنها عصامية، انفجر ضاحكًا.دخل أحد موظفيه، فوجده يمسح دمعة ضحك عن زاوية عينه.هل هناك ما يثير الضحك، سيدي؟رفع جوليان المقال أمامه.اقرأ هذا. يقولون إنها بنت ثروتها من الصفر!ثم عاد إلى الضحك، مستندًا إلى ظهر مقعده.لو عرفوا كم مرة كانت تشتري الأشياء ببطاقتي البنكية، لغيّروا عنوان المقال إلى فضيحة القرن.هز رأسه، وما زالت ابتسامته تملأ وجهه.تذكّر جودي وهي تتجول في المتاجر بلا أدنى شعور بالذنب، وتطلب منه المال ببراءة مصطنعة
كان أول ما شعرت به ستيلا هو ثقل جفنيها.حاولت فتحهما، لكن الضوء المتسلل إلى الغرفة آلم عينيها، فعبست وأدارت وجهها قليلًا. كان جسدها ثقيلًا، وأطرافها عاجزة عن الاستجابة كما ينبغي، وكأنها قضت عمرًا كاملًا نائمة في مكان لا يصل إليه الزمن.ثم سمعت صوتًا صغيرًا بالقرب منها.بابا... لقد استيقظت!تجمدت ستيلا.كان الصوت لطفل، قريبًا بما يكفي لتشعر بأنفاسه فوق يدها. فتحت عينيها مجددًا، فرأت وجهًا صغيرًا يحدق بها بفضول، وعينين تلمعان بفرحة بريئة.طفل؟رمشت عدة مرات، ثم أدارت رأسها بصعوبة نحو الرجل الواقف بجانب السرير.بونسيز.كان يحدق بها وكأنه يخشى أن يرمش فيفقدها مجددًا. بدا وجهه مختلفًا، أكثر نضجًا، وقد خط الزمن حول عينيه آثارًا لم تتذكرها. وما إن التقت عيناه بعينيها حتى انكسرت ملامحه، وانهمرت دموعه.لقد استيقظتِ... أخيرًا.اندفع نحوها، واحتضنها بحذر، دافنًا وجهه قرب كتفها. ارتجفت ذراعاه حولها، وخرجت من صدره شهقة حاول عبثًا كتمها.أما ستيلا، فبقيت جامدة لثوانٍ، ثم دفعت صدره بكل ما استطاعت جمعه من قوة.ابتعد!تراجع بونسيز، مذهولًا من رد فعلها.حدقت فيه، ثم أشارت إلى الطفل الذي كان يقف قربه.أ
تمدّدت أفي فوق الأرض، عاجزة عن تحريك جسدها، فيما امتدت ألسنة اللهب على الجدران المتشققة، وأسقط الدخان الأسود آخر خيوط الضوء من حولها. حاولت أن تفتح عينيها، لكنها لم ترَ سوى ظلال متراقصة، ولم تسمع سوى طنين ثقيل يملأ رأسها.ثم دوّى صوت تحطم الباب.تلاه صوت أجش، ممزق بالاختناق والخوف.أفي!تجمدت أنفاسها.دانيال؟لم تستطع تحريك رأسها، لكن قلبها انتفض بعنف. أكان صوته حقًا؟ أم أن عقلها، في لحظاته الأخيرة، قرر أن يمنحها وهمًا أخيرًا قبل أن يتركها تموت؟لا... مستحيل.لقد رأته راقدًا بلا حراك، ورأت الأطباء يحيطون به، وعاشت شهرًا كاملًا تتشبث بأمل هش أن يفتح عينيه يومًا. لم يكن من الممكن أن يقف هنا الآن، في قلب الجحيم، ويناديها بذلك الصوت الذي حفظته أكثر مما حفظت صوتها.أفي!جاء النداء أقرب هذه المرة.ثم ظهر دانيال وسط الدخان.كان وجهه شاحبًا، وخطواته متعثرة، وجسده لم يستعد عافيته بعد. بدا كمن انتزع نفسه من الموت قبل لحظات، لكنه لم يتوقف لالتقاط أنفاسه، ولم يسمح للخوف الذي مزق ملامحه بأن يبطئه.رآها.وللحظة، توقف العالم في عينيه.كانت أفي ملقاة بين الحطام، وثيابها محترقة، ونصف جسدها غارقًا في آ
لم تكن أفي تبحث عن تارا لتقبض عليها.كانت تبحث عن نهاية.منذ شهر، لم يعد جسدها كما كان. الجراحة التي منحت دانيال فرصة أخرى للحياة وتركت إحدى كليتيها خلف أبواب غرفة العمليات استنزفت قوتها، وصارت خطواتها الطويلة تقطع أنفاسها، وأبسط المجهودات تترك ألمًا خافتًا يمتد في خاصرتها. ومع ذلك، لم تتراجع.لم يكن عليها أن تكون أقوى من تارا جسديًا.كان يكفي أن تكون أذكى منها.تركت أفي خيطًا واحدًا من المعلومات يصل إلى الأشخاص الذين تعرف أنهم يعملون لحساب تارا. معلومة صغيرة، محسوبة بعناية، توحي بأنها عثرت على دليل يدينها، وأنها ستنقله إلى الشرطة في الليلة نفسها.ثم انتظرت.كانت تعرف أن تارا لن تسمح لذلك الدليل بأن يصل إلى أحد.وعندما وصلتها الرسالة التي طلبت منها الحضور إلى مبنى مهجور عند أطراف المدينة، لم تتردد أفي. ارتدت معطفها، أخفت هاتفها في جيبها، وتوجهت إلى المكان وحدها.كان المبنى أشبه بجثة نسيها العالم. نوافذه محطمة، وجدرانه متآكلة، والغبار يغطي الأرضية المتشققة. تسرب ضوء القمر من فتحات السقف، ورسم خطوطًا شاحبة فوق الركام.دخلت أفي ببطء، تتفحص الزوايا بعينيها.ثم انغلق الباب خلفها.ترددت الض
خرج الطبيب من غرفة الولادة، يحمل بين ذراعيه رضيعًا صغيرًا، لم تتوقف صرخاته منذ لحظة مجيئه إلى العالم.كانت ملامح الطبيب مثقلة بالحزن، وعلى وجهه ابتسامة باهتة لم تستطع إخفاء ما حدث خلف الأبواب المغلقة. توقف أمام الواقفين في الممر، ونظر إلى الطفل طويلًا قبل أن يرفع عينيه إليهم.لم يجد ما يقوله.كل ما استطاع نطقه كان:اعتنوا به... فلم يبقَ له أب ولا أم.انفجرت جودي بالبكاء، بينما وضع جوليان يده على كتفها محاولًا تثبيتها. أما هنري، فأدار وجهه بعيدًا، عاجزًا عن النظر إلى الرضيع الذي جاء إلى الدنيا ليفقد والديه في اللحظة ذاتها تقريبًا.وفي الطرف الآخر من الممر، ظل تيمو يبكي.كان ينادي والده، ثم والدته، دون أن يفهم لماذا لم يعد أحد منهما يجيبه. حاولوا احتضانه وتهدئته، لكنه كان يتشبث بملابس من حوله، ويصرخ بأنه يريد العودة إلى المنزل مع أبيه وأمه.لم تكن هناك كلمات قادرة على تفسير الموت لطفل فقد عائلته في ليلة واحدة.أما جودي، فلم تحتمل رؤية الرضيع بين ذراعي الطبيب. كانت فيونا أقرب إليها من صديقة، كانت أختًا اختارتها بقلبها، والآن لم تعد موجودة.تراجعت خطوتين، ثم غابت الدنيا عن عينيها، وسقطت أ
اندفعت فيونا عبر أبواب المستشفى، تلتقط أنفاسها بصعوبة، وقد غابت عنها كل تفاصيل الطريق في عجلة وصولها. لم تنتبه إلى يدها التي استقرت فوق بطنها، ولا إلى خطواتها المتعثرة وهي تسأل كل من صادفته عن موريس ودانيال.خلفها، وصلت جودي برفقة جوليان وهنري، بعدما تركت طفلتها في رعاية والدي جوليان. لم تستطع البقاء في المنزل بينما أصدقاؤها يصارعون الموت، ولم تكن تتخيل أن الساعات القادمة ستترك فيهم ندوبًا لن تمحوها الأيام.مرت الساعات بطيئة، ثقيلة، حتى خرج الطبيب من غرفة العمليات.نهض الجميع دفعة واحدة.نجحت عملية دانيال، لكنه لم يستعد وعيه. دخل في غيبوبة، وظلت حالته تستدعي المراقبة الدقيقة، أما آفي فكانت بخير، وقد تجاوزت العملية بسلام.أغمضت جودي عينيها لحظة، وضغطت كفها على فمها، كأنها تحاول استيعاب الخبر. كان دانيال حيًا، لكن لا أحد يعرف متى سيفتح عينيه.أما فيونا، فلم تنتظر سماع المزيد. اتجهت إلى الغرفة التي نُقل إليها موريس، وكأنها تخشى أن يتبخر وجوده إن تأخرت دقيقة أخرى.كان مستلقيًا على السرير، وقد بدت ملامحه شاحبة تحت ضوء المصباح، بينما أحاطت الضمادات برأسه. اقتربت منه ببطء وجلست إلى جواره، ثم







