Masukانغلق الباب الخشبي الثقيل لغرفة الطعام، ومعه انقطع آخر خيط يربط ديما بالعالم الخارجي. ساد القاعة سكون مرعب، سكون لم يقطعه سوى الطنين العنيف والمستمر لتلك الأداة اللعينة التي كانت لا تزال تتغلغل في أعماق أنوثتها، وتضرب عصب رغبتها بنبضات عشوائية حارقة كادت تفقدها وعيها. كان جسد ديما مشلولاً تماماً فوق الكرسي، ويداها تقبضان على حواف الطاولة حتى ابيضت مفاصلها، بينما كانت عبراتها تنساب بصمت على وجنتيها المتوردتين بشدة من فرط الإثارة والخجل الذي عاشته للتو أمام زملائها. على رأس الطاولة، نهض أمجد ببطء. لم يكن في وجهه ذرة غضب؛ بل كان يرتدي قناعاً من البرود الجليدي الصارخ. تقدم نحوها بخطوات هادئة، مدروسة، وصدى حذائه الإيطالي الفاخر على الأرض الرخامية كان يقع في قلبها كدقات ساعة الموت. وقف أمامها مباشرة. وبصوت منخفض لا يقبل النقاش أمرها: "قفي، وأديري ظهركِ لي." حاولت ديما إطاعة أمره، لكن ركبتيها خانتاها بفعل الذبذبات العنيفة التي تمزق أسفلها. ترنحت مستندة على الطاولة، واستدارت بصعوبة بالغة. توقعت أن يضربها، أو يوبخها، لكنه بدلاً من ذلك، انحنى ببطء شديد نحو قدمه، وبحركة هادئة لا تخلو من
كانت غرفة الطعام في بيت أمجد تحفة من الفخامة الكلاسيكية الطاغية؛ ثريا كريستالية ضخمة تتدلى من السقف، وطاولة طويلة من خشب الماهوجني اللامع تعكس الضوء الخافت، وقد أُعدت لتتسع لأكثر من خمسة عشر شخصاً. تتابع دخول الضيوف؛ كانوا نخبة طلاب الدفعة وأوائل قسم الاقتصاد. دخلوا يتلفتون حولهم بانبهار وحسد، تتقدمهم "نوال" التي كانت تتبختر بملابسها الأنيقة برفقة صديقتيها. التمعت عينا نوال بالجشع وهي تنظر إلى أمجد الجالس على رأس الطاولة بكبرياء الملك، ولم تتردد لثانية واحدة؛ توجهت مباشرة نحو الكرسي الفخم الواقع على يمينه، الكرسي الذي يمثل مكانة الشرف، وأمسكت بمسنده لتسحبه وتجلس. لكن صوت أمجد الجليدي داهمها كشفرة حادة قطعت حركتها في الهواء: "الكرسي محجوز يا نوال... ابحثي عن كرسي آخر." تجمدت نوال في مكانها، وشعرت بصفعة قوية على وجهها أمام صديقاتها وبقية الزملاء الذين كتموا ضحكاتهم. احمرت وجنتاها خجلاً وإحراجاً، واضطرت لسحب حقدها والجلوس في مقعد متأخر، وهي تأكل أصابعها من الغيظ. توزع بقية الطلاب على الكراسي؛ جلس "عمر" بوجه شاحب وعينين مكسورتين، وبجانبه "أنور" الذي كان يراقب أمجد بحذر، بينما
كانت أنفاس أنور تتسارع وصدره يعلو ويهبط بغضب لم يستطع كبحه. كان ينظر إلى عمر الذي يجلس أمامه يبكي حظه ويشكك في شرف ديما، فشعر باشمئزاز لا يوصف؛ ليس من عمر فحسب، بل من نفسه أولاً. لم يعد أنور يحتمل هذا الضعف، وفي خضم انفعاله، صرخ بوجه عمر دون تفكير: "أنت أحمق! ديما لم تتغير لأنها وجدت حبيباً أو لأنها فتاة لعوب... ديما باعت نفسها للعبودية لتنقذ حياة والدها! بينما أنت تجلس هنا تبكي كالنساء وتندب حظك، كانت هي تواجه الموت وتضحي بكل شيء. صدقني يا عمر، إنها أكثر رجولة وشهامة منك بمليون مرة!" تجمد عمر في مكانه. سقطت الكلمات على رأسه كصخرة ضخمة هشمت جمجمته. شحب وجهه تماماً، واتسعت عيناه بصدمة قاتلة، وهمس بصوت يرتجف كمن يلفظ أنفاسه الأخيرة: "ماذا تقول؟... باعت... باعت نفسها؟!" انحنى أنور نحوه، وضرب الطاولة بسبابته مؤكداً بقسوة سحقت ما تبقى من كبرياء عمر: "نعم! باعت نفسها لأمجد اللعين! وقعت له عقد خضوع كامل مقابل مئة ألف دولار لإجراء عملية زراعة قلب لوالدها. لقد اشترت حياة أبيها بروحها وجسدها!" نهض أنور فجأة، ودفع كرسيه بعنف للخلف، ونظر لعمر بنظرة أخيرة مليئة بالاحتقار: "أنت لا تستحقها
ساد صمت مميت. تجمد أمجد في مكانه. وتجمدت ديما من هول ما فعلت! لقد انتبهت لنفسها للتو... هذه الصرخة كان يجب أن تكون "داخلية"، في عقلها فقط، لكنها خرجت مدوية رغماً عنها! شعرت بخوف قاتل وإحراج لا يمكن وصفه؛ فهذه الصرخة الصريحة يمكن تفسيرها بمليون طريقة مهينة، أيسرها أنها تغار بجنون، وأسوأها أنها تتوسله ليترك العاهرة ويأخذها هي! لكن المفاجأة... أن أمجد توقف بالفعل. ابتعد عن الفتاة فوراً، وبصوت بارد أمرها: "ارتدي ملابسكِ واغربي." أطاعت العاهرة مسرعة وخرجت. التقط أمجد روبه وارتداه، ثم تقدم نحو ديما. وبدون أن ينظر إلى عينيها الممتلئتين بالدموع، فك قيود يديها وقدميها بصمت مطبق. التقط روبها من الأرض، وألقاه في حجرها. أدار ظهره لها تماماً، وبصوت عميق، مظلم، يحمل ألف معنى، قال كلمة واحدة: "غادري." لفت ديما الروب حول جسدها، وركضت حافية القدمين خارجة من الغرفة كالمجنونة. ارتمت على سريرها في غرفتها، ودفنت وجهها في الوسادة تبكي بحرقة وقهر. تبكي لأنها صرخت، وتبكي لأنها لا تفهم لماذا صرخت! لكن بكاءها لم يدم طويلاً. جسدها كان لا يزال ينبض، والشهوة التي أشعلها بأدواته، ثم ضاعف
من خلف زجاجه المظلم، كان أمجد يقف متصلباً، وعيناه تشتعلان بنار انتصار سادي خفي. لقد سمعها. سمع تلك التأوهات اللاهثة والمكتومة التي تسربت من خلف باب غرفتها عندما اقترب ليعيد الهاتف. أدرك، بعبقريته في تفكيك العقول، أن جدار التمنع الأخير قد تصدع، وأن جزءاً كبيراً ومظلماً في أعماقها بات يشتهيه بجنون، ولم يتبقَّ سوى دفعة صغيرة لتسقط كبريائها تحت قدميه وتخضع طواعية. لذلك، عندما فتحت الباب وناولها الهاتف، لم يبتسم، ولم يعلق، بل مال نحو أذنها، وبصيغة آمرة وحاسمة لا تقبل الرفض، همس بصوته الجليدي المزلزل: "إلحقي بي إلى غرفتي خلال عشر دقائق." ثم استدار وغادر دون أن ينتظر ردها، تاركاً إياها تتخبط في إعصار من التناقضات. صُدمت ديما بشدة، وتسمرت في مكانها والباب مفتوح. هل حانت اللحظة؟ هل سيحدث الأمر الآن؟ نصفها المتمسك ببقايا براءتها كان يصرخ بمليون "لا"، مرعوباً من فقدان نفسه في هذا الجحيم، لكن لم يكن باليد حيلة، فهي لا تجرؤ على خرق العقد الذي يرهن حياة والدها. أما النصف الآخر... النصف المظلم الذي أيقظه، فكان يقفز بحماس شبق، وكأنه كان ينتظر هذا الاستدعاء بفارغ الصبر! أول ما فكرت فيه هو
في الصباح التالي، لم تخرج ديما من مبنى الشقق الفاخرة مستقلة إحدى تلك السيارات الفارهة التابعة لأمجد؛ فالسرية كانت الشرط الأقسى في ذلك العقد المشؤوم، وأي لفتة تثير الشبهات حول إقامتها في شقة الأستاذ الجامعي النافذ قد تعني دمار كل شيء. سارت بخطوات متهالكة نحو محطة الحافلات العامة، وامتزجت وسط الزحام كأي طالبة عادية. رغم أنها كانت ترتدي فستاناً جديداً وراقياً من تلك الخزانة المخملية التي جُهزت لها، فستاناً باللون الزيتي الداكن يلتصق بنعومة بقوامها ويبرز انحناءات جسدها الفاتن، إلا أن ملامحها لم تكن تحمل أي حماس أو سعادة متوقعة بفخامة حياتها الجديدة. كانت شاردة، قلقة، تائهة في وادٍ سحيق من الأفكار؛ فمنذ أن خطت قدماها تلك الشقة قبل أسبوع، لم يحدث أي شيء مما كانت تخشاه وتترقبه. أمجد ما زال يمارس ساديته النفسية ببراعة؛ يتجاهلها تماماً تحت سقف واحد، ولا تكاد تقابله في أرجاء البيت الفسيح إلا صدفة، وعيناه تمران عليها ببرود جليدي دون أن ينبس بحرف واحد. هذا الجمود كان يقتلها ويبقي أعصابها مشدودة كوتر يوشك على الانقطاع. عندما وصلت إلى الجامعة، التقت بندى في أحد الممرات الجانبية. ما إن رأتها ندى







