Masukتوقفت السيارة الفاخرة السوداء أمام البوابات الحديدية الضخمة لقصر "نادر الحسيني". فُتح الباب الخلفي، وترجل منه "جاد". كان يرتدي بدلته السوداء الإيطالية المفصلة بعناية فائقة، وقميصاً داكناً فُتح زراه العلويان بحرية، متجاهلاً الضمادات الطبية التي لا تزال تلف صدره ورأسه تحت الملابس. فرغم الإرهاق الجسدي الذي يعقب جراحة دقيقة في الدماغ، كانت هيبته الطاغية وكبرياؤه الشيطاني يغطيان على أي أثر للضعف. اصطف حراس القصر في صفين طويلين، وانحنوا باحترام مطلق وخوف حقيقي وهم يرون زعيمهم الشاب يعود من الموت، يخطو بخطوات ثابتة، ثقيلة، وموزونة نحو المدخل الرئيسي. في بهو القصر، كان الجد "نادر" واقفاً يستند على عصاه الفضية. التقت عينا الأسد العجوز بعيني حفيده الشاب. لم تكن هناك حاجة للكلمات؛ نظرة واحدة كانت كفيلة بنقل حجم الفخر الذي يعتمل في صدر الجد برؤية وريثه يقف على قدميه مجدداً. اقترب جاد، وانحنى قليلاً ليطبع قبلة احترام على يد جده القاسية. "لقد عدت يا جدي." قال جاد بصوت هادئ ومنخفض. ابتسم نادر ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه، وربت على كتف حفيده قائلاً: "العرش لا يليق إلا بك يا ولدي.
مرت أربعة أيام منذ أن فتح "جاد الحسيني" عينيه في غرفة العناية المركزة. من الناحية الطبية، كان تعافيه الجسدي بمثابة معجزة أذهلت الأطباء؛ فقد استعاد وعيه الكامل، وبدأت وظائفه الحيوية تنتظم بسرعة تفوق التوقعات. لكن، خلف جدران تلك الغرفة المعقمة، كانت هناك حرب طاحنة تمزق روحه بصمت. لقد استعاد ذاكرته، نعم. لكنه لم يستعدها كشريط سينمائي متسلسل ومرتب، بل كقطع أحجية (Puzzle) متناثرة ومختلطة، فُرض عليه أن يعيد ترتيبها قطعة قطعة داخل عقله المنهك. كانت عملية التجميع بحد ذاتها عذاباً نفسياً يمزق كبرياءه؛ فكلما حاول تجميع قطع "جاد الحسيني" القوي ذي الهيبة ليُكمل صورته القديمة، برزت له قطع ملعونة من حياة "حامد" لتُقحم نفسها في اللوحة بالقوة. قطع لعامل ذليل، يركع في طين المزرعة، يمسح حذاء "قاسم"، ويشعر بالامتنان الشديد لقطعة خبز جافة ألقيت له ككلب ضال. في إحدى الليالي، بينما كان المستشفى يغط في سكون تام، استيقظ جاد من كابوس جديد. كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وجسده يتصبب عرقاً. في منامه، حاولت قطع الأحجية أن تكتمل، لكن الصورة النهائية أثارت اشمئزازه من نفسه. كبرياؤه الشيطاني، وغروره الذي لم يُق
في أعماق الغيبوبة المظلمة، حيث لا يوجد زمن ولا مكان، كان عقل "جاد" يخوض أشرس معركة وجودية يمكن لدماغ بشري أن يختبرها. كان الأمر أشبه بقطارين سريعين اصطدما وجهاً لوجه داخل جمجمته. قطار يحمل حياة "حامد"؛ العامل اليتيم، المكسور، الذي يعيش على فتات الخبز، ويزرع الفراولة، وينظف حذاء أخيه الأكبر بامتنان أعمى. وقطار آخر يحمل إمبراطورية "جاد الحسيني"؛ القوة المطلقة، البدلات الفاخرة، الدماء، السيطرة، والكبرياء الذي لا ينحني لأحد. بدأت السدود التي بناها التخثر الدموي تنهار واحداً تلو الآخر بفعل مشرط الجراح. ومع كل سد ينهار، كان فيضان الذكريات يجتاح وعيه بقسوة لا تُحتمل. تذكر طفولته، تذكر هيبة جده نادر، تذكر حنان والدته ديما، وهيمنة والده أمجد. ثم جاءت الذكريات الأحدث.. عطرها، نظراتها، ارتجاف شفتيها وهي تصفه بالوحش، ثم.. المصنع المهجور. بقعة الضوء. الكرسي الخشبي. تخليه عن سلاحه. انحناءه لفك قيودها.. ثم الضربة الغادرة التي هشمت عالمه. (أنا جاد الحسيني... لقد جعلني ذلك الحثالة خادماً له!) صرخ عقله الباطن في الظلام، واشتعلت شرارة غضب بربرية أذابت جليد الغيبوبة، وأجبرت الروح على العودة إلى
"ماذا تعني بأننا قد نفقده للأبد؟!" قال "أمجد" بصوت رجّ جدران الممر المعقم، واندفع نحو كبير الأطباء ليقبض على ياقته البيضاء. توسل الطبيب بعينيه، وهو يحاول الحفاظ على ثباته أمام غضب إمبراطور المافيا: "أرجوك يا سيدي، اهدأ لأستطيع الشرح. الوقت يمر، وكل ثانية لها ثمن!" أفلت أمجد ياقته بصعوبة، وتراجع خطوة للخلف وهو يلهث، بينما تمسكت ديما بذراعه وعيناها تفيضان برعب لا يُوصف. اقتربت سمر بخطوات مرتعشة، تستمع لكل حرف وكأنه حكم إعدام. رفع الطبيب جهازاً لوحياً يعرض صوراً ملونة ثلاثية الأبعاد لدماغ جاد، وأشار بقلمه إلى بقعة داكنة وضخمة تتمركز في المنطقة الخلفية. "الضربتان اللتان تلقاهما السيد جاد بالماسورة الحديدية لم تكسرا الجمجمة، لكنهما تسببتا في نزيف داخلي بطيء. مع مرور الأشهر الستة، تجلط هذا الدم وتحول إلى كتلة صلبة (Hematoma). هذه الكتلة تضغط الآن بشدة على الفص الصدغي ومنطقة الحُصين (Hippocampus).. وهي المركز الرئيسي للذاكرة والهوية في الدماغ البشري." ابتلع الطبيب ريقه، وأكمل بصوت خفيض: "هذا يفسر فقدانه الكامل للذاكرة، ويفسر نوبات الصداع القاتلة التي كان يعاني منها مؤخراً. الم
في عمق الليل، انقسم أسطول المافيا الأسود إلى قسمين بمجرد دخوله حدود العاصمة. القسم الأول، والذي يضم سيارة الإسعاف، اتجه بسرعة جنونية نحو مستشفى خاص تملكه عائلة الحسيني، مجهز بأحدث التقنيات الطبية ولا يخضع لأي سلطة حكومية. أما القسم الثاني، والذي يضم سيارة دفع رباعي ثقيلة، فقد انحرف نحو التلال المرتفعة، متجهاً مباشرة إلى قصر الجد "نادر". داخل سيارة الإسعاف، كان "أمجد" يجلس بجوار النقالة الطبية التي يتمدد عليها ابنه الفاقد للوعي بفعل المخدر. لم ترفع عينا أمجد عن وجه جاد لثانية واحدة. تأمل لحيته الكثيفة غير المهذبة، والشحوب الذي يغلف بشرته. أمسك أمجد بيد ابنه المرتخية، ومرر إبهامه فوق الخشونة القاسية والجروح المفتوحة التي شوهت كفّه. هذه اليد التي كانت توقع صفقات بملايين الدولارات، والتي كانت تحمل الكريستال الفاخر، تحولت إلى يد عامل مياوم تُدميها فؤوس الحطب وصناديق الفراولة. اعتصر أمجد يد ابنه، وأقسم في سره أن يجعل من دمر حياته يتمنى الموت في كل ثانية يتنفس فيها. بمجرد وصول سيارة الإسعاف إلى المستشفى، كان هناك فريق كامل من كبار جراحي المخ والأعصاب ينتظرون في حالة تأهب قصوى. نُ
انفجر الباب الخشبي المتهالك كقطعة من الكرتون تحت وطأة الركلة الساحقة لـ "أمجد". دوى صوت تحطم الخشب في سكون الليل كقنبلة، وفي أجزاء من الثانية، غُمر الكوخ المظلم بأشعة المصابيح الساطعة والمُعْمية، ونقاط الليزر الحمراء التي مسحت كل زاوية فيه. اندفع رجال أمجد للداخل كطوفان أسود صامت ومميت. على السرير، انتفض "خليل" برعب هستيري. لم يكد يرمش أو يستوعب ما يحدث، حتى انقض عليه اثنان من أضخم حراس أمجد. أحدهما أمسك بشعره وضربه بقوة في الجدار الخشبي ليصيبه بالدوار، بينما لوى الآخر ذراعيه خلف ظهره وثبته على الأرضية القذرة ووجهه يُسحق في التراب، واضعاً فوهة البندقية الآلية في مؤخرة رأسه. "حركة واحدة، وسأنثر دماغك هنا." زمجر الحارس بصوت آلي. لكن في الزاوية المظلمة من الكوخ، حيث كان "حامد" يستعد للنوم، لم يكن رد الفعل استسلاماً. صوت تحطم الباب، والأضواء المسببة للعمى، ورؤيته لـ "أخيه الأكبر" يُسحق على الأرض بوحشية، أيقظت في دمه غريزة حماية عمياء لا تعرف الخوف. لم يرَ حامد رجال مافيا أو أسلحة متطورة، بل رأى قطاع طرق يهاجمون عائلته الوحيدة. زأر حامد زئيراً متوحشاً زلزل أركان الكوخ الصغير، و
جلست ندى على حافة سرير ديما، تربع ساقيها وتنظر إليها بعينين متسعتين وكأنها ترى كائناً فضائياً."هل تمزحين معي يا ديما؟ تسعة عشر عاماً ولم تلمسي حتى يد شاب؟ لم تعيشي قصة حب ولو مراهقة عابرة؟"تراجعت ديما للخلف، تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحمي نفسها من كلمات ندى الجريئة. احمرت وجنتاها بشدة وقالت ب
كان صوت عجلات القطار وهي تضرب القضبان الحديدية أشبه بنبضات قلب "ديما" المتسارعة.جلست بجوار النافذة، تسند رأسها على الزجاج البارد، وتراقب قريتها الوادعة وهي تتلاشى في الأفق، ليحل محلها غابة من الأسمنت والزجاج. المدينة!لأول مرة في حياتها ذات التسعة عشر عاماً، تغادر ديما قريتها. ورغم فستانها القطني
كانت ديما تجوب غرفتها الضيقة جيئة وذهاباً كأنها نمرة حبيسة تحرث الأرض بقدميها. هذه المرة، لم يكن الصراع مجرد أفكار عابرة، بل كانت معركة طاحنة تمزقها من الداخل؛ بين تربيتها الريفية الصارمة وأخلاقها المحافظة من جهة، وبين ذلك الفضول الأسود والشهوة الغامضة التي استيقظت بداخلها من جهة أخرى. كانت تتش
بعد أيام في صباح يوم دراسي غير اعتيادي،كان المدرج الرئيسي للجامعة يضج بالهمسات والترقب. الجميع يعلم أن المعيد الجديد ليس مجرد أكاديمي متفوق، بل هو "أمجد"، خريج الجامعة الاستثنائي، والابن الوحيد للملياردير الذي يمتلك نصف أسهم هذه الجامعة.في الصف الأول، جلست "نوال" تضع ساقاً فوق أخرى، مرتدية تنور







