เข้าสู่ระบบأسدل الليل ستائره على المدينة، وعمّ السكون أرجاء الفيلا بعد يوم طويل ومزدحم بالأحداث. في الجناح الرئيسي، كانت ديما تجلس أمام مرآتها، تسرح شعرها بهدوء، مرتدية قميص نوم حريري بلون أحمر داكن يبرز بياض بشرتها. فُتح باب الجناح، ودخل أمجد. خلع سترته ورماها بإهمال على الكرسي القريب، ثم فك ربطة عنقه وبدا وكأنه يحمل خبراً يود قوله بشدة. راقبته ديما عبر انعكاس المرآة، ولاحظت تلك اللمعة الهادئة والحماسة في عينيه. "يبدو أن يومك كان جيداً في الشركة،" قالت ديما بابتسامة خفيفة وهي تضع فرشاة الشعر جانباً. اقترب أمجد منها، واستند بخصره على حافة التسريحة، ونظر إليها مباشرة. "لم يكن يوماً عادياً يا ديما. لقد زارني فارس في مكتبي اليوم." توقفت يد ديما، واستدارت بكامل جسدها نحوه، وقد انتبهت تماماً: "فارس؟ في الشركة؟ هل حدث شيء لجاد؟" "لا، الأمر لا علاقة له بجاد،" أجاب أمجد، وابتسامة واسعة شقت طريقها على وجهه. "فارس جاء ليطلب يد مرح." شهقت ديما بفرحة لم تستطع كتمانها، ووضعت يدها على صدرها. أشرق وجهها بسعادة غامرة، وقالت بلهفة: "كنت أعرف! كنت متأكدة من ذلك يا أمجد. قبل يومين في العشاء، النظ
في صباح اليوم التالي، توقفت سيارة فارس أمام البرج الزجاجي الشاهق الذي يضم المقر الرئيسي لشركات الحسيني. لم تكن هذه زيارته الأولى للمبنى، فقد اعتاد المجيء لزيارة جاد، لكنه اليوم لم يضغط على زر المصعد المؤدي إلى طابق صديقه، بل توجه مباشرة نحو طابق الإدارة العليا، حيث يقع مكتب أمجد الحسيني. كان قد تواصل مع السكرتيرة الخاصة في الصباح الباكر وحجز موعداً رسمياً لمقابلة أمجد. خطوة سمر كانت عبقرية بكل المقاييس؛ فالدخول من الباب الكبير ومخاطبة الأب مباشرة يقطع الطريق على أي غضب مفاجئ أو رد فعل غير محسوب من جاد، ويضع الأمور في نصابها الرجولي والصحيح. بمجرد وصوله، أذنت له السكرتيرة بالدخول. فتح باب المكتب الواسع، ليجد أمجد جالساً خلف مكتبه الخشبي الضخم، يراجع بعض الأوراق. بمجرد أن رأى فارس، ترك القلم من يده وابتسم بترحيب حقيقي، وأشار له بالجلوس في المقعد المقابل. "أهلاً بك يا فارس،" قال أمجد بصوته الرزين والهادئ، وهو ينظر إلى الشاب الذي طالما اعتبره بمثابة ابن له. "زيارتك للشركة في هذا الوقت وفي مكتبي تحديداً مفاجأة سعيدة. أتمنى أن يكون كل شيء بخير." جلس فارس بظهر مستقيم، محافظاً على ثبا
اختار فارس مطعماً هادئاً وراقياً يطل مباشرة على البحر، بعيداً عن صخب المدينة وزحامها. حجز طاولة منعزلة في زاوية الشرفة الخارجية، حيث صوت الأمواج يطغى على أي ضجيج آخر، ليضمن لها مساحة من الخصوصية والراحة. جلس يراقب مدخل المطعم، وعقله يرتب الكلمات. لم يكن خائفاً من المواجهة، لكنه كان يدرك حساسية الموقف. هو اليوم لا يقف أمام خصم في ساحة معركة، بل يقف أمام امرأة ترممت روحها للتو، وأي كلمة خاطئة قد تعيدها إلى قوقعتها. لم يطل انتظاره. ظهرت مرح عند المدخل، ترتدي فستاناً صيفياً بسيطاً بلون أزرق هادئ، وتضع لمسات خفيفة من الزينة أبرزت جمالها الطبيعي. بمجرد أن رأته، ابتسمت بارتباك واضح، واقتربت من الطاولة. نهض فارس فوراً، وسحب لها الكرسي باحترام. "شكراً لتلبيتك دعوتي رغم ضيق الوقت وتجهيزات زفاف جاد،" قال فارس بصوت هادئ ومريح وهو يجلس مقابلها. "لا بأس، كنت بحاجة للخروج وتغيير الأجواء على أي حال،" أجابت مرح، وهي تشبك أصابعها فوق الطاولة وتفصلها بتوتر ملحوظ. كانت تتساءل في سرها عن سبب هذه الدعوة المفاجئة، رغم أن قلبها كان يدق بإيقاع مجنون متأملاً أن يكون السبب هو ما تتمناه. بعد أن
في مقهى هادئ وراقٍ يقع في أحد الشوارع الجانبية الهادئة للعاصمة، كانت سمر تجلس بمفردها، تقلب ملعقة صغيرة في فنجان قهوتها. اختارت هذا المكان بعناية؛ بعيداً عن شركة الحسيني، وبعيداً عن عيون جاد التي لا تفوت شاردة ولا واردة. لم تنتظر طويلاً حتى رأت فارس يدخل من الباب الزجاجي. لمحها، فتقدم نحو طاولتها بخطواته الثابتة والرزينة. "سمر،" قالها وهو يسحب الكرسي المقابل ويجلس، وعلى وجهه ملامح الفضول. "أتمنى أن يكون كل شيء بخير. اتصالك المفاجئ وطلبك للقاء بعيداً عن جاد أثار قلقي." ابتسمت سمر بهدوء، ووضعت الملعقة جانباً. "كل شيء بخير يا فارس، بل وممتاز أيضاً. لكنني أردت التحدث معك في موضوع لا يحتمل التأجيل، ولا يحتمل وجود جاد في نفس المكان." عقد فارس حاجبيه بتركيز، واستند بساعديه على الطاولة: "أنا أسمعكِ." تراجعت سمر بظهرها إلى الوراء، ونظرت مباشرة في عينيه البنيتين. "دعنا نختصر المسافات يا فارس. النظرات التي تبادلتها مع مرح بالأمس في الفيلا، كانت تصرخ بكل ما تحاول إخفاءه. أنت تريدها.. وهي لا تستطيع إخفاء توهجها في حضورك." تصلبت ملامح فارس للحظة. لم يتوقع هذا الهجوم المباشر والصري
في صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس الدافئة تتسلل عبر النوافذ الزجاجية لغرفة الجلوس العلوية في الفيلا. جلست سمر ومرح متقابلتين، تحتسيان القهوة في هدوء تام بعيداً عن ضجيج الترتيبات وحركة العاملين في الطابق السفلي. كانت سمر تراقب صديقتها بصمت. كانت تعلم أن الوقت يمر بسرعة، وأن جاد لن يبقى مخدوعاً بكذبتها البيضاء لفترة طويلة. إذا أرادت إنقاذ هذه العلاقة التي تولد في الخفاء، عليها أن تبدأ فك العقدة من طرف مرح أولاً. وضعت سمر فنجانها على الطاولة الزجاجية، وابتسمت بمكر أنثوي هادئ وهي تقول: "لقد كانت سهرة البارحة مميزة.. أليس كذلك؟ خصوصاً بوجود ضيف لم يستطع إبعاد عينيه عنكِ ولو للحظة واحدة." ارتبكت مرح فوراً. كادت القهوة تنسكب من يدها وهي تضع الفنجان بسرعة، وتوردت وجنتاها بشدة. حاولت التهرب قائلة بصوت متوتر: "عن ماذا تتحدثين يا سمر؟ فارس صديق جاد، وكان يطمئن علينا جميعاً. لم يكن هناك شيء مميز." "عليّ أنا يا مرح؟" قاطعتها سمر بضحكة خفيفة، ومالت بجذعها للأمام. "أنا رأيت النظرات. رأيت كيف كنتِ تتوهجين وكأنكِ زهرة انتظرت المطر طويلاً، ورأيت كيف كان فارس يتوتر بوضوح كلما ابتسمتِ. لا
في ساعة متأخرة من الليل، وبعد أن غادر فارس وعمّ السكون أرجاء الفيلا، كانت سمر تقف في الحديقة الخلفية الواسعة، تستنشق هواء الليل النقي. كان ضوء القمر يتسلل عبر أغصان الأشجار الكثيفة، ليرسم ظلالاً هادئة على الممرات المرصوفة. ورغم برودة النسيم العليل، إلا أنها شعرت بدفء مفاجئ يغمرها عندما أحاطت بها ذراعان قويتان من الخلف، وسحبتها بلطف لتستند بظهرها على صدر جاد العريض. دفن جاد وجهه في منحنى عنقها، يستنشق عطرها بعمق، وكأنه يغسل رئتيه من إرهاق الأيام الماضية. استرخت سمر بين يديه، وأغمضت عينيها تستمتع بهذه اللحظة المسروقة في ظلام الحديقة، بعيداً عن أعين العائلة المتواجدة داخل الفيلا. لكن هذا الهدوء الرومانسي لم يدم طويلاً. رفع جاد رأسه ببطء، وأدارها برفق لتواجهه. كانت ملامحه في الظلام تبدو أكثر حدة، ونظرته تحمل تساؤلات لا تقبل التهرب؛ النظرة ذاتها التي تجعل أعتى الرجال يرتعدون أمامه. "سمر.." نطق اسمها بنبرة عميقة وجادة للغاية. "هل تعتقدين أن هناك شيئاً يدور في الخفاء بين فارس ومرح؟" تسارعت نبضات قلب سمر، وكادت أنفاسها تتعثر. لقد لاحظ! بالطبع سيلاحظ؛ جاد لا يفوته شيء يمر تحت أنظار
بعد أيام في صباح يوم دراسي غير اعتيادي،كان المدرج الرئيسي للجامعة يضج بالهمسات والترقب. الجميع يعلم أن المعيد الجديد ليس مجرد أكاديمي متفوق، بل هو "أمجد"، خريج الجامعة الاستثنائي، والابن الوحيد للملياردير الذي يمتلك نصف أسهم هذه الجامعة.في الصف الأول، جلست "نوال" تضع ساقاً فوق أخرى، مرتدية تنور
في الليالي الثلاث التالية، كانت ديما تستلقي في فراشها ويداها معقودتان فوق بطنها بقلق. كانت تخشى أن يأتي "أنور" مجدداً، وأن تضطر لخوض تلك المعركة الطاحنة مع فضولها، خاصة بعد اكتشافها لذلك الثقب الشيطاني خلف اللوحة.لكن... أنور لم يأتِ.مرت الليلة تلو الأخرى، وغرفة ندى هادئة تماماً. في البداية، تنفست
جلست ندى على حافة سرير ديما، تربع ساقيها وتنظر إليها بعينين متسعتين وكأنها ترى كائناً فضائياً."هل تمزحين معي يا ديما؟ تسعة عشر عاماً ولم تلمسي حتى يد شاب؟ لم تعيشي قصة حب ولو مراهقة عابرة؟"تراجعت ديما للخلف، تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحمي نفسها من كلمات ندى الجريئة. احمرت وجنتاها بشدة وقالت ب
كان صوت عجلات القطار وهي تضرب القضبان الحديدية أشبه بنبضات قلب "ديما" المتسارعة.جلست بجوار النافذة، تسند رأسها على الزجاج البارد، وتراقب قريتها الوادعة وهي تتلاشى في الأفق، ليحل محلها غابة من الأسمنت والزجاج. المدينة!لأول مرة في حياتها ذات التسعة عشر عاماً، تغادر ديما قريتها. ورغم فستانها القطني







