LOGINتراقص ضوء الشمس الذهبي على أرضية الغرفة، يتسلّل من بين ستائر الكتان الثقيلة التي لم تغلق بالكامل.وامتزج دفء الأشعة الخفيفة برائحة عطر اللافندر التي عبقت في الأرجاء، رائحة كانت لسنوات طويلة رمزًا لبيانكا… المرأة التي كبرت عشر سنوات في عمر، لكنها كبرت عمرًا كاملاً في قلب إنزو.كانت واقفة أمام المرآة الطويلة، تمسك بأطراف فستانها الكريمي الناعم، شعرها الطويل مربوط بإتقان للخلف، أما عيناها العسليتان، فامتزج فيهما إرهاق الأيام… مع شيء من السكينة."عشر سنوات، يا بيانكا…"تمتمت لنفسها، وهي تضبط زرًا ناعمًا عند كتفها.ثم أدارت رأسها ببطء نحو الطاولة الجانبية، حيث وُضعت صورتان:الأولى، لحظة حملها ليا ولورا للمرة الأولى، والثانية، ملوّنة… يوم ولدت ابنها الصغير، إليو.طرقات خفيفة على الباب قاطعت سكون اللحظة."ماما؟ هل أنتي جاهزة؟"جاء صوت لورا من الخارج، رقيقًا، لكنه يحمل صرامة لم تكن تخفى على بيانكا.أجابت بابتسامة، وهي تتجه نحو الباب:"دقيقة واحدة فقط، يا قلبي."فتحت الباب… وكانت ليا تقف هناك، فستانها الوردي يلمع تحت الضوء، شعرها الطويل الكستنائي مربوط بشريط ناعم، ووجهها… وجهها كان مرآة لبيانك
كانت الغرفة مضاءة بأنوار خافتة، وأنجيلا تتنقل بخفة بين الأمتعة الطبية والحقيبة التي أُعدّت مسبقًا، تحقق من كل شيء للمرة الرابعة أو الخامسة، بينما بيانكا مستلقية على الأريكة، رأسها يستند على وسادة مائلة، وبطنها المتكور يتحرك بخفة تحت قماش فستان النوم القطني.إنزو كان يجلس على الطاولة خلفها، ينقر بأصابعه على الهاتف المحمول، يبدو منشغلًا، لكنه في الواقع يراقب كل حركة تتنفس بها.قطعت بيانكا الصمت بصوت ناعم:"هل… هل اخترت لهما اسمين؟"توقفت أنجيلا عن الحركة، ورفعت عينيها إليه، مبتسمة خفية، بينما ظل إنزو على حاله لحظة، ثم نهض واقترب منها.جلس إلى جانبها، على الأريكة، يضع رأسه أمام بطنها."كنت أريدكِ أن تقولي أولًا... ما الذي تحبينه أنتِ، بيكولا ميا." قالت ببطء، وعيناها تغيم بهدوء:"أريد اسمًا ناعمًا… أنثويًا… لكنه قوي."ثم نظرت إليه، وهمست:"قوي مثلك…"ابتسم."كنت أفكر في ليا…""ليا؟" ردت، وجربت الاسم على لسانها."قصير… لكنه لطيف.""ومعناه النور… أو المضيئة."أومأت، وكأن اسمًا استقر في قلبها فجأة."وللأخرى؟""أريد اسمًا يحمل صلابة، شيء يشبهك حين تغضبين منّي."ضحكت بخفة، ثم سألته، تحدق في
بعد ساعات من بكاءٍ متقطع ورفض للطعام والماء والحديث، خلَت الشقة من صوتها، لكن لم يكن أحد يجرؤ على الهدوء… في غرفة النوم، كانت بيانكا ممدّدة على جانبها، وجهها مضغوطٌ على الوسادة، تحتضن بطانية صغيرة خفيفة، بينما الوسادة الأخرى ملقاة أرضاً.عيونها متورمة، ورغم تعبها، لم تستطع النوم. الجنين في رحمها كان نشطًا هذا اليوم، ركلات خفيفة هنا وهناك تشعرها بالحنان والخوف والضعف… وكل شيء في آنٍ واحد.طرقة خفيفة على الباب، ثم دلفت أنجيلا بهدوء، حاملةً صينية خشبية فوقها كوبان:واحد من مشروب الزنجبيل بالعسل، والآخر كوب ماء وقطعة بسكويت بالتمر.اقتربت منها بهدوء وجلست على الطرف البعيد من السرير."السيدة فالنتينا نائمة في الغرفة المجاورة… والسيد إنزو نزل للمكتب تحت، قال إنه سيصعد بعد قليل."بيانكا لم تجب، لكنها فتحت عينيها قليلاً."أعددت لكِ المشروب الذي تحبينه، من النوع الذي شربت الأسبوع الماضي وقلتِ إن رائحته تُشبه حضن أمك."هزّت بيانكا رأسها بخفة، ثم قالت بصوت مبحوح:"أنا لستُ مجنونة… أليس كذلك؟"أنجيلا ابتسمت ابتسامة حزينة:"أنتِ فقط… حامل بتوأم، في شهرٍ عصيب. والجميع من حولكِ يحبكِ، حتى إن بدا أنه
في قصر آل موريارتي، كانت الزيارة الأسبوعية تبدأ باعتياد… المعتاد هذا، يعني سيارات حراسة، عيون تراقب، وجولييت الصغيرة التي تُنقّب الأخبار، وإليسا التي تصنع الشاي بخمس نكهات مختلفة، لأنك لا تعرف أبدًا أي نكهة قد تقتل أو تُرضي بيانكا اليوم.لكن في هذا اليوم… جاءت السيارة متأخرة خمس دقائق، وفي داخلها، كان إنزو يجلس متجمّد الملامح، وبيانكا توبّخه بصوتٍ متصاعد:"خمس دقائق تأخير؟ خمس! هل تعرف ماذا يعني هذا لجسدي؟ كنت سأتبول على المقعد يا إنزو!"ردّ بهدوء:"كنا نحتاج للتوقف بسبب نقطة تفتيش، لا يمكنني اختراق حاجز شرطة فقط لأنكِ..."قطعت كلماته بحدّة:"لا تكمّل الجملة... لأنني حامل؟! لا، أكملها، تجرّأ!"في الخلف، كانت أنجيلا تحاول فتح نافذة صغيرة… للهرب… أو للانتحار.دلفوا إلى الداخل، وفي الصالة الكبرى، وقفت إليسا بابتسامة عريضة، جولييت خلفها، بينما لورينزو ولوكا وفينشنزو يجلسون كأنهم في جنازة.وما إن اقتربت بيانكا، حتى تقدمت إليسا بخطوة وقالت:"أعددت لكِ كيك الشوكولا كما تحبين، به مسحوق لوز خفيف—"رفعت بيانكا حاجبها:"اللوز؟ ألم أقل المرة الماضية أنه يجعلني أشعر أنني أختنق؟"جولييت تمتمت في ال
كان صمت السيارة ثقيلًا… كأن المقاعد نفسها تتنفس ببطء.جلست بيانكا بجانب إنزو، يده على فخذها، وعينيه ثابتتين إلى الأمام. لم يكن يتحدث، لكن أصابعه كانت تتحرك ببطء فوق قماش فستانها كأنها تطمئنها أو تُذكرها أنه موجود، أنه معها، أنه لن يسمح لأحد أن يلمسها… حتى بعينيه.من أمامهم، خمس سيارات مصفحة تتقدم الطريق نحو قصر آل فيرّيني، ومن خلفهم ثلاث أخرى. نوافذ معتمة، وأجهزة اتصال تردد أسماء المواقع، وأوامر مُشفرة لا يُفهم منها شيء… سوى أنها تعني شيئًا واحدًا: لا أحد يقترب من سيارة الزعيم وزوجته.أما بيانكا، فقد جلست شاردة إلى النافذة، تنظر إلى أضواء المدينة التي تمر كأطياف سريعة.كانت ترتدي فستانًا خُصص لها، خيطته خياطة إيطالية مشهورة أتت خصيصًا إلى البنتهاوس قبل أيام.قماشه من الشيفون الفرنسي الفاخر بلون الأزرق الملكي، بلا أكمام، فتحة رقبة ناعمة على شكل قلب، وخط خصر عالٍ يُبرز الجزء العلوي من جسدها برقة.أُرفق الفستان من الأسفل بطبقات ناعمة شفّافة تتحرك مع خطواتها كأمواجٍ رقيقة، لم يكن واسعًا يخفي بطنها، كما أرادت… ولم يكن ضيقًا يصرخ بالحقيقة كما أراده إنزو.بل كان بين ذلك وذاك.وبينما هي ساكنة
انغلقت باب الشقة بهدوء خلف أنجيلا، وارتد صدى خطواتها في الردهة المؤدية للمصعد قبل أن يتلاشى تمامًا.في الداخل، خيم الصمت للحظات.وقفت بيانكا أمام الطاولة، تمسك بكوب الماء بين يديها، تشعر بدفء الكوب لا من حرارته… بل من أناملها المرتجفة قليلًا. لم تكن تعرف هل من التعب؟ من التغيّرات؟ أم من كونه لا يزال هناك، يرمقها بصمتٍ يجلدها ويعريها دون كلمة؟إنزو جلس على الأريكة، مائلًا بجسده للأمام، مرفقيه مستقرّين على ركبتيه، ويداه متشابكتان أمامه، وعيناه مثبتتان عليها.قالت أخيرًا، بصوت منخفض:"أتعلم… لم أتخيل أن أرى نفسي في هذا المكان يومًا."رفع حاجبه دون أن يرد، فتابعت:"مكان مرتفع جدًا… فخم جدًا… لكنه يخيفني قليلاً."صمت.فأكملت وهي تبتعد عن المائدة، تتجه ببطء نحوه، كل حركة منها حذرة، كما لو أنها تخطو فوق زجاجٍ مهشّم:"ليس لأنني لا أريده… بل لأنني أخاف من الارتباط بشيء… ثم أفقده."نظرت إلى الأريكة بجانبه، فتردد لحظة، ثم أشار برأسه إليها، وكأنه يقول تعالي… لا تتحدثي من بعيد.جلست بصمت، قربه، ليس تمامًا ملتصقة، لكنها أقرب مما اعتادت أن تكون حين تكون غاضبة منه.ثم همست:"إنزو… أحيانًا لا أفهم نفس







