تسجيل الدخولساد صمت ثقيل، خانق، داخل أرجاء المنزل وكأن الهواء تجمد فجأة في الصدور. ، بدا وكأن الكلمات قد جفت في الحناجر أمام ثقل الموقف. حتى يزيد، الذي وقف طوال الوقت بجسده القوي يدافع ببسالة عن ليان ويواجه والدته، شعر في تلك اللحظة أن المواجهة قد وصلت بالفعل إلى طريق مسدود،. تنفست السيدة صفاء ببطء شديد، تحاول استعادة ثباتها الانفعالي وهدوءها المعهود بعد العاصفة. ثم عادت إلى برودها المعتاد، وتجرد وجهها من أي تعبير صريح . نظرت إلى ليان طويلًا، متأملة انكسارها وشحوبها بنظرات فاحصة وقاسية ، ثم قالت بحزم وثقة لا تهتز: — يبدو أننا لن نتفق... إلا إذا قدم أحدنا تنازلًا. رفعت ليان رأسها ببطء شديد، وكأنها تحمل فوق عنقها جبالًا من الهموم، وعيناها الحمراوان لا تزالان مغرورقتين بالدموع الساخنة التي غسلت وجنتيها. أما صفاء فأكملت حديثها بنبرة عملية جافة: — ستأتين معي... لكن بشروطي أنا. عقد يزيد حاجبيه بقوة، وارتسمت علامات القلق والاعتراض على جبينه، فخطى خطوة للأمام وقال: — أمي... لكن صفاء رفعت يدها في وجهه بحركة حاسمة وصارمة، قاطعة عليه طريق الكلام، وقالت: — دعني أن
مرّ شهران كاملان... شهران طويلان وثقيلان لم يحملا في طياتهما أي خبرٍ يطفئ النيران المشتعلة في القلوب. عن فارس الكيلاني توقفت حملات البحث الرسمية تمامًا، وكأن الأرض انشقت وابتلعته في جوفها دون أثر. وخفتت الأحاديث والهمسات الشائعة عنه شيئًا فشيئًا في المجالس، حتى المدينة الصاخبة التي كانت تضج باسمه ليل نهار في كل زاوية ، اعتادت غيابه المفاجئ، وطوى النسيان سيرته في قلوب العابرين. أما الذين أحبوه بصدق ، فقد كانوا يزدادون في كل يوم يمر إيلامًا وتمزقًا، يعتصرهم الشوق والانتظار القاتل أمام مصير مجهول. في ذلك الصباح توقفت عربة السيدة صفاء الفارهة فجأة أمام منزل ليان . ترجلت من العربة بخطوات متغطرسة، وكانت ملامح وجهها غاضبة، جامدة كصخرة صماء لا تلين. صعدت الدرجات الخشبية القديمة بخطوات ثابتة وقوية أحدثت صريرًا حادًا في الأرجاء، ثم فتحت الباب الموصد بعنف دون استئذان. رفعت ليان رأسها بذعر؛ كانت تجلس وحيدة قرب النافذة الزجاجية، يداها المرتجفتان تستقران فوق بطنها المنتفخ بشكل بارز ، وعيناها الحزينتان شاردتان في ذلك الطريق الترابي الطويل الذي غادر منه فارس
مرّت سبعة أيام كاملة... سبعة أيام لم يحمل أي واحد منها خبرًا. ولا رسالة ولا دليلًا واحدًا. وكأن فارس الكيلاني خرج من هذا العالم في صباح يوم زفافه، ثم ابتلعته الأرض إلى الأبد. لم تعد فرق البحث تجوب الغابات بالحماس نفسه. ولم تعد خيول الحراس تعود كل ليلة إلا وهي تحمل الخيبة ذاتها. كل الطرق انتهت إلى لا شيء. --- أما داخل منزل ليان ... فكان الزمن متوقفًا. خلعت ليان فستان زفافها في الليلة الأولى، بعدما جفّت دموعها فوق قماشه الأبيض. لكنها لم تستطع أن تبتعد عنه. ظل معلقًا في زاوية الغرفة. كلما رفعت رأسها...رأته. فتتذكر وعده. وتتذكر ابتسامته وهو يغادر صباحًا قائلاً: "سأعود قبل الغروب." لكنه لم يعد. كانت تجلس ساعات طويلة قرب النافذة.. لا تتحرك إلا قليلًا. عينها لا تفارق الطريق المؤدي إلى المنزل. وكأنها ما زالت تنتظر أن يظهر فارس على صهوة حصانه في أي لحظة في البداية، حاولت زينة إقناعها بالطعام. ثم حاول كرم لكنها كانت تهز رأسها في صمت. لقيمات قليلة...ثم تعود إلى شرودها الطويل. حتى بدأ وجهها يفقد لونه شيئًا فشيئًا. وأصبح الإرهاق واضحًا في كل حركة تقوم بها. لولا الطبي
ما إن سرى نبأ اختفاء "فارس" في الأرجاء، حتى تبدل وجه الليل، وانخلع قلب السكون . قبل ساعات كانت الباحة الفسيحة أمام المنزل ، تستعد لاستقبال العروسين ؛ أما الآن، فقد استحالت الساحة إلى خلية نحل خيولٌ تُسرج على عجل وتعدو في كل حدب وصوب، مشاعل يلتهم لهبها عتمة الظلام، ورجال مدججون بالسلاح يتلقون الأوامر بأصوات جهورية غليظة. في منتصف ذلك الفناء الصاخب، وقف "يزيد الكيلاني" كالجبل الأشم، غير أن ملامحه كانت متجهمة كغيمة خريفية ممتلئة بالرعد. لم يكن في تلك اللحظة ذلك الشاب المرح ، بل بدا كأنه نسخة مصغرة من شقيقه الأكبر ؛ صلابةً وهيبة. وقف شامخًا يغالب الفوضى العارمة التي انفجرت من حوله، ثم صاح بصوت حازم قطعي لا يرتد: — "قسموا الرجال مجموعات! لتتجه مجموعة إلى شوارع المدينة وأزقتها، وأخرى تقفو أثر الطريق الملتوي المؤدي إليها. أما البقية... فليلجوا الغابة الكثيفة. أريد تفتيش كل شبر، ولا يعودنّ أحد منكم حتى يقف على أثر لفارس!" انطلق الرجال في اللحظة عينها كالسّهام ، وكان "كرم" أول من اعتلى صهوة جواده. كان ينهش صدره شعورٌ عاتٍ بالذنب لم يجد له دافعًا، ف
انقضت ساعات النهار بهدوء، بينما امتلأ المنزل الصغير بحركة النساء وضحكاتهن الخافتة. وقفن حول ليان، يعدلن ثوبها الأبيض، ويثبتن طرحة الزفاف ، حتى انتهت كل التفاصيل. تقدمت زينة خطوة إلى الخلف، وتأملتها بابتسامة واسعة. — لو رآكِ فارس الآن... فلن ينتظر حتى ينتهي الزفاف . ضحكت النساء. أما ليان فاحمر وجهها خجلًا، وأخفضت رأسها. كان الفستان بسيطًا، كما أرادته هي. حرير أبيض ناعم، ينسدل برقة فوق جسدها، دون مبالغة أو زينة ثقيلة. أما بطنها الصغيرة التي بدأت تستدير قليلًا ، فلم يحاول الفستان إخفاءها. بل بدت جزءًا من جمالها. ثبتت إحدى النساء إكليلًا صغيرًا من زهور الياسمين البيضاء فوق شعرها، ثم قالت بإعجاب: — أصبحتِ أجمل عروس رأيتها في حياتي. ابتسمت ليان بخجل. لكن عينيها كانتا معلقتين بالنافذة. كانت تنتظر.... أي صوت.... أي حركة. أي إشارة تدل على أن فارس عاد. مع انتهاء التجهيزات، غادرت النساء المنزل، بعد أن أكدن ان الضيوف سيصلون مع حلول المساء. أصبح البيت هادئًا من جديد. جلست ليان قرب النافذة. وضعت يدها فوق بطنها، وهمست بابتسامة: — لم يتبقَّ سوى ساعات قليلة يا صغيري...
مرت الايام لم تخبر ليان فارس عن زيارة صفاء كانت تعيش اسعد ايام حياتها و لم ترغب في افساد الامر اتي يوم الزفاف اخيرا تسللت خيوط الفجر الأولى عبر الستائر المخملية لترسم خطوطاً ذهبيه فوق الأرضية الخشبية العتيقة. فتحت ليان عينيها ببطء شديد، ولأول مرة في حياتها، استيقظت وقلبها خفيفٌ كأنما نفض عنه غبار السنين. لم يكن هناك أثرٌ للخوف، ولا بقايا للكوابيس المظلمة، ولا ذلك القلق المرير الذي كان يطوق عنقها مع كل إشراقة شمس. استدارت على جانبها برفق، فأبصرت فارس مستيقظاً يسند راسه على مرفقه و يراقبها في صمت وتلوح على ثغره ابتسامة هادئة ابتسمت ليان تلقائياً، وقالت بصوت ناعس: — متي استيقظت ؟ هز كتفيه ، وأجابها بنبرة رخيمة: — منذ أن بدأت أنفاسك تتسارع، وعلمت أنكِ على وشك مغادرة عالم الأحلام. قطبت حاجبيها برقة، وقالت بعتبٍ لطيف: — لمَ تركتني غارقة في نومي ولم توقظني؟ مد فارس يده وأزاح خصلة شعر تمردت على وجهها ، وتمتم:— لأن رؤية عروسي وهي تنعم بالسكينة ، غنيمة لا تضاهيها أيقونة في هذا العالم. احمرت وجنتاها على الفور، وضربت كتفه بضربة خفيفة تداري بها خجلها: — فا
كان المطر قد تحول إلى قطرات ثقيلة تغسل أرصفة "أوزبروك" الحجرية، عندما كانت "ليان" تتبع أثر "سالم" بخطوات ناعمة وئيدة كقطة تتربص بفريستها. كانت تعلم تماماً أين يتجه؛ فالسارق لا يذهب بعد غنيمته الكبرى إلا إلى جحره، و جحر سالم كان زاوية معتمة مهجورة في نهاية الزقاق، بعيداً عن أعين الحراس. توقفت ليان
لم تكن الأزقة الضيقة لمدينة "أوزبروك" ترحم أحداً في الشتاء، لكنها في القرن الثامن عشر كانت أشد قسوة على النساء اللواتي وُلدن بلا ألقاب عائلية تحميهن، أو ذهبٍ يشتري لهن الأمان . بالنسبة لـ "ليان"، لم يكن البرد القارس الذي يتسلل عبر شقوق الجدران الخشبية هو ما يرتعد له جسدها. كانت تضغط بكفيها الصغيرت
كان المساء قد بدأ يفرض ظلاله على قصر الكيلاني عندما دخل كرم إلى مكتب فارس... وقف أمام المكتب باحترام لم ينطق بكلمه حتي يأذن له طوال سنوات عمله الطويله مع السيد فارس الكيلاني كان دائما الخادم الامين كان فارس الكيلاني يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بهيبته المعهوده فالرجل يفرض حضوره في اي مكان و يجعل اي
مرّ يومان على وجود ليان في قصر آشبورن، كانت تعمل فيهما كترس لا يتوقف في المطابخ السفلية، حتى جاء صباح اليوم الثالث بحدث غير متوقع. أُصيبت الخادمة المسؤولة عن تنظيف المكتبة الكبرى بوعكة صحية شديدة، و لم تجد أمينة، رئيسة الخدم، خياراً سوى استدعاء ليان و تكليفها بالمهمة، مع تحذير صارم: "هذه مكتبة ال







