Share

رقصه الافاعي

last update publish date: 2026-06-02 02:51:24

كان المطر قد تحول إلى قطرات ثقيلة تغسل أرصفة "أوزبروك" الحجرية، عندما كانت "ليان" تتبع أثر "سالم" بخطوات ناعمة وئيدة كقطة تتربص بفريستها. كانت تعلم تماماً أين يتجه؛ فالسارق لا يذهب بعد غنيمته الكبرى إلا إلى جحره، و جحر سالم كان زاوية معتمة مهجورة في نهاية الزقاق، بعيداً عن أعين الحراس.

توقفت ليان عند زاوية الحائط، و عدّلت غطاء رأسها ليتراجع قليلاً، كاشفة عن خصلات من شعرها المبتل الذي يحيط بوجهها الجميل . مسحت برفق ذلك الغبار والرماد الذي وضعتها قبل ساعات؛ فالآن، جمالها لم يعد لعنة تخفيها، بل صار السلاح الأخطر الذي ستشهره في وجه الصياد لتبادله الأدوار.

تنفسّت بعمق، و رسمت على شفتيها ابتسامة ساحرة و ناعمة لا تشوبها شائبة، ثم خطت نحو الضوء الخافت حيث كان سالم يجلس على صندوق خشبي، يقلب المحفظة الجلدية المطرزة بالذهب بين يديه الخشنتين، وعيناه تلمعان بجشع أعمى.

"أرى أن الحظ قد ابتسم لك الليلة يا سالم.." انطلق صوتها الرقيق كالموسيقى وسط صمت الزقاق المظلم.

انتفض سالم واقفاً بذعر، و خبأ المحفظة خلف ظهره بآلية، لكن ملامحه القاسية ارتخت فوراً وتحولت إلى ذهول عارم عندما أدرك هويتها . تطلع إليها بغير تصديق؛ "ليان؟" هَمَس باسمها و هو يتفرس في تفاصيل وجهها و جسدها الذي طالما حلم به في خيالاته المريضة. "ما الذي يخرج غزالاً مثلكِ في هذه الليلة الماطرة؟"

تقدمت ليان نحوه بخطوات بطيئة و متثاقلة، تتمايل بدلال مدروس أضاع ما تبقى من عقل سالم . وقفت على بعد خطوتين منه، و أسبلت عينيها بنظرة مكسورة و مغرية في آن واحد،

و قالت بصوت خفيض يحمل نبرة رجاء: "و هل تركت لي خيارات يا سالم؟ أبي يريد بيعي لصاحب الحانة، و المنزل أصبح جحيماً لا يُطاق.. و لم أجد في هذه المدينة رجلاً يمكنني اللجوء إليه.. سواك"

.

اتسعت عينا سالم من المفاجأة، و ابتلع ريقه بصعوبة. لم يصدق أن الفتاة المتكبرة التي كانت ترفض النظر إليه باتت تقف أمامه و تطلب حمايته. دنا منها بخطوات متثاقلة، و قد أعمته رغبته عن أي حذر.

"أنا؟ أتقصدين هذا حقاً يا ليان؟"

"بالطبع.." قالتها و هي ترفع يدها الرقيقة لتلمس طرف معطفه البالي برفق، بينما كانت عيناها تلمحان طرف المحفظة الذهبية البارز من جيبه الخلفي. تابعت بدلال تذوب له القلوب: "لكنني مرتجفة.. البرد يقضم أطرافي، و أحتاج إلى ما يدفئ جسدي قبل أن نتحدث في أي شيء. هل يمكنك أن تذهب إلى الحانة المجاورة و تشتري لي شراباً دافئاً؟"

تردد سالم لثوانٍ، وعيناه تتأرجحان بين جسدها و مكان المحفظة، لكن ليان لم تمنحه فرصة للتفكير؛ اقتربت منه أكثر حتى شعرت بأنفاسه الثقيلة، و همست بصوت شبه مسموع: "أرجوك.. سأنتظرك هنا، و لن أتحرك خطوة واحدة بدونك بعد الآن".

هزت هذه الكلمات كبرياء السارق و جعلته يشعر بالانتصار الأكبر. "حسناً، حسناً! لن أتأخر عليكِ يا جميلتي، دقائق و أعود و معي ما يدفئ قلبكِ الصغير"، قالها و هو يستدير مسرعاً بكل غباء نحو الحانة، مدفوعاً بنشوة الوهم.

و ما إن اختفى ظله خلف منعطف الزقاق، حتى تحولت ملامح الدلال على وجه ليان إلى قناع من البرود الحاد والجدية الصارمة. في لمح البصر، مدّت يدها إلى المكان الذي وضع فيه المحفظة قبل استدارته، و سحبتها بخفة متناهية دون أن تحدث أي صوت.

أمسكت المحفظة الثقيلة بيدين ترتجفان، ليس خوفاً، بل من فرط الأدرينالين الذي يتدفق في عروقها. لم تضيع ثانية واحدة؛ التفتت و رفعت فستانها البسيط و ركضت بأقصى سرعتها في الاتجاه المعاكس، مخترقة المطر و الظلام، تاركة سالم يركض خلف وهم لن يناله أبداً.

كانت أنفاسها تتلاحق و صدرها يعلو و يهبط و هي تقطع الأزقة، متجهة نحو المكان الذي شهدت فيه عملية السرقة. كانت تصلي في سرها ألا يكون الشاب الأرستقراطي قد غادر المكان بعد.

وعندما وصلت إلى المنعطف ذاته، تباطأت خطواتها و هي تحاول التقاط أنفاسها و تنظيم ضربات قلبها المضطربة.

وقفت وهي تلهث.

أخرجت المحفظة.

فتحتها بسرعة.

كانت ممتلئة بالنقود.

لكنها لم تهتم بها.

ما لفت انتباهها هو بطاقة صغيرة تحمل اسم صاحبها

ابتسمت ليان .

كان يزيد الكيلاني لا يزال واقفاً تحت المطر المنساب، يستند إلى جدار الحجر، وعلامات اليأس والإحباط بادية على وجهه الوسيم. بدت ملابسه الفاخرة مبللة، وبدا كطائر غريب ضل طريقه وسقط في مستنقع لا يرحم.

أخذت ليان شهيقاً عميقاً، وأخفت المحفظة الذهبية داخل طيات ثوبها بحرص، ثم غيرت تعابير وجهها لتظهر بمظهر الفتاة الخائفة، المذعورة، والمطاردة التي تبحث عن ملجأ يحميها من الموت. مسحت قطرات المطر عن جفنيها، وخطت خطوتها الأولى نحو الأسوار.. نحو يزيد الكيلاني، وبداية اللعبة الكبرى

.

عائلة الكيلاني كانت اكبر واخطر عائله في المدينه

لكنها لم تعد تملك خيارًا آخر لن تستطيع الهرب من جابر طوال العمر

ثم بدأت تسير في لحظة واحدة، اختفت نظرات التحدي من عينيها.

و اختفت المرأة التي سرقت محفظة من لص.

و حلت محلها فتاة خائفة.

مرهقة.

مطاردة.

تكاد تنهار.

مسحت قطرات المطر عن وجنتيها، ثم دفعت نفسها إلى الأمام.

تعمدت أن تكون خطواتها متعثرة.

و أن تبدو وكأنها بالكاد تقف على قدميها.

لم يلاحظها يزيد في البداية.

لكن عندما اقتربت أكثر، رفع رأسه.

التقت عيناهما.

توقفت ليان في مكانها.

و تظاهرت بالتردد.

— سيدي...

خرج صوتها ضعيفًا و مبحوحًا.

اعتدل يزيد فورًا.

كانت المفاجأة واضحة على وجهه.

— هل أنتِ بخير؟

عضت ليان شفتيها و كأنها تقاوم دموعها.

ثم هزت رأسها بالنفي.

— أحتاج إلى مساعدتك.

اقترب منها خطوة.

ورغم المطر، استطاعت رؤية القلق الحقيقي في عينيه.

— ماذا حدث؟

ألقت نظرة سريعة خلفها و كأنها تخشى أن يكون أحدهم يطاردها.

ثم قالت بصوت مرتجف:

— وجدت شيئًا يخصك.

عقد يزيد حاجبيه.

و أخرجت ليان المحفظة ببطء.

اتسعت عيناه فورًا.

— محفظتي!

مد يده إليها بسرعة.

و أخذها منها غير مصدق.

فتحها.

تفحص محتوياتها.

ثم رفع رأسه نحوها مجددًا.

— من أين حصلتِ عليها؟

للحظة، كادت ليان تخبره الحقيقة.

أنها سرقتها من اللص.

أنها تكذب.

أنها تبحث عن النجاة لا أكثر.

لكن الحقيقة لم تطعم أحدًا في أوزبروك.

ولم تنقذ فتاة فقيرة من قبل.

لذلك قالت أول كذبة.

و لم تكن تعلم أنها ستكون بداية سلسلة طويلة من الأكاذيب.

— أخذها والدي.

ساد الصمت بينهما.

خفضت عينيها إلى الأرض.

— عندما اكتشف أنني سأعدها إليك... هدد بقتلي فهربت فورا

ارتسمت الصدمة على وجه يزيد.

— ماذا؟

أجبرت نفسها على الارتجاف.

و لم يكن ذلك صعبًا تحت هذا المطر البارد.

— لا أملك مكانًا أذهب إليه.

بدا يزيد عاجزًا عن إخفاء تعاطفه.

نظر إليها لثوانٍ طويلة.

ثم إلى المحفظة.

ثم إليها مجددًا.

و في تلك اللحظة، أدركت ليان أنها نجحت.

على الأقل... حتى الآن.

قال أخيرًا:

— تعالي معي.

رفعت رأسها ببطء.

— ماذا؟

— لا يمكنكِ البقاء هنا.

و أشار نحو التلة البعيدة حيث ارتفع قصر الكيلاني وسط الضباب و المطر.

— ستأتين إلى القصر.

تسارع نبض قلب ليان.

نظرت إلى القصر.

ثم إلى الرجل الواقف أمامها.

و أخيرًا ابتسم لها يزيد ابتسامة مطمئنة.

ابتسامة جعلتها تشعر لأول مرة منذ سنوات أن بابًا قد فُتح أمامها.

لم تكن تعلم أنها في اللحظة التي خطت فيها نحو قصر الكيلاني...

كانت تخطو مباشرة نحو قدرها.

و نحو الرجل الذي لن يصدق كذبة واحدة من أكاذيبها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (2)
goodnovel comment avatar
رغد الشيباني
شكرا لك اتمنا ان تنال اعجابك للنهايه
goodnovel comment avatar
دعاء السبكى
حلوه جدا الاحداث شيقه استمرى
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • خلف اسوار اوزبروك    الفصل ٢٢٨

    ساد صمت ثقيل، خانق، داخل أرجاء المنزل وكأن الهواء تجمد فجأة في الصدور. ، بدا وكأن الكلمات قد جفت في الحناجر أمام ثقل الموقف. حتى يزيد، الذي وقف طوال الوقت بجسده القوي يدافع ببسالة عن ليان ويواجه والدته، شعر في تلك اللحظة أن المواجهة قد وصلت بالفعل إلى طريق مسدود،. تنفست السيدة صفاء ببطء شديد، تحاول استعادة ثباتها الانفعالي وهدوءها المعهود بعد العاصفة. ثم عادت إلى برودها المعتاد، وتجرد وجهها من أي تعبير صريح . نظرت إلى ليان طويلًا، متأملة انكسارها وشحوبها بنظرات فاحصة وقاسية ، ثم قالت بحزم وثقة لا تهتز: — يبدو أننا لن نتفق... إلا إذا قدم أحدنا تنازلًا. رفعت ليان رأسها ببطء شديد، وكأنها تحمل فوق عنقها جبالًا من الهموم، وعيناها الحمراوان لا تزالان مغرورقتين بالدموع الساخنة التي غسلت وجنتيها. أما صفاء فأكملت حديثها بنبرة عملية جافة: — ستأتين معي... لكن بشروطي أنا. عقد يزيد حاجبيه بقوة، وارتسمت علامات القلق والاعتراض على جبينه، فخطى خطوة للأمام وقال: — أمي... لكن صفاء رفعت يدها في وجهه بحركة حاسمة وصارمة، قاطعة عليه طريق الكلام، وقالت: — دعني أن

  • خلف اسوار اوزبروك    الفصل ٢٢٧

    مرّ شهران كاملان... شهران طويلان وثقيلان لم يحملا في طياتهما أي خبرٍ يطفئ النيران المشتعلة في القلوب. عن فارس الكيلاني توقفت حملات البحث الرسمية تمامًا، وكأن الأرض انشقت وابتلعته في جوفها دون أثر. وخفتت الأحاديث والهمسات الشائعة عنه شيئًا فشيئًا في المجالس، حتى المدينة الصاخبة التي كانت تضج باسمه ليل نهار في كل زاوية ، اعتادت غيابه المفاجئ، وطوى النسيان سيرته في قلوب العابرين. أما الذين أحبوه بصدق ، فقد كانوا يزدادون في كل يوم يمر إيلامًا وتمزقًا، يعتصرهم الشوق والانتظار القاتل أمام مصير مجهول. في ذلك الصباح توقفت عربة السيدة صفاء الفارهة فجأة أمام منزل ليان . ترجلت من العربة بخطوات متغطرسة، وكانت ملامح وجهها غاضبة، جامدة كصخرة صماء لا تلين. صعدت الدرجات الخشبية القديمة بخطوات ثابتة وقوية أحدثت صريرًا حادًا في الأرجاء، ثم فتحت الباب الموصد بعنف دون استئذان. رفعت ليان رأسها بذعر؛ كانت تجلس وحيدة قرب النافذة الزجاجية، يداها المرتجفتان تستقران فوق بطنها المنتفخ بشكل بارز ، وعيناها الحزينتان شاردتان في ذلك الطريق الترابي الطويل الذي غادر منه فارس

  • خلف اسوار اوزبروك    الفصل ٢٢٦

    مرّت سبعة أيام كاملة... سبعة أيام لم يحمل أي واحد منها خبرًا. ولا رسالة ولا دليلًا واحدًا. وكأن فارس الكيلاني خرج من هذا العالم في صباح يوم زفافه، ثم ابتلعته الأرض إلى الأبد. لم تعد فرق البحث تجوب الغابات بالحماس نفسه. ولم تعد خيول الحراس تعود كل ليلة إلا وهي تحمل الخيبة ذاتها. كل الطرق انتهت إلى لا شيء. --- أما داخل منزل ليان ... فكان الزمن متوقفًا. خلعت ليان فستان زفافها في الليلة الأولى، بعدما جفّت دموعها فوق قماشه الأبيض. لكنها لم تستطع أن تبتعد عنه. ظل معلقًا في زاوية الغرفة. كلما رفعت رأسها...رأته. فتتذكر وعده. وتتذكر ابتسامته وهو يغادر صباحًا قائلاً: "سأعود قبل الغروب." لكنه لم يعد. كانت تجلس ساعات طويلة قرب النافذة.. لا تتحرك إلا قليلًا. عينها لا تفارق الطريق المؤدي إلى المنزل. وكأنها ما زالت تنتظر أن يظهر فارس على صهوة حصانه في أي لحظة في البداية، حاولت زينة إقناعها بالطعام. ثم حاول كرم لكنها كانت تهز رأسها في صمت. لقيمات قليلة...ثم تعود إلى شرودها الطويل. حتى بدأ وجهها يفقد لونه شيئًا فشيئًا. وأصبح الإرهاق واضحًا في كل حركة تقوم بها. لولا الطبي

  • خلف اسوار اوزبروك    الفصل ٢٢٥

    ما إن سرى نبأ اختفاء "فارس" في الأرجاء، حتى تبدل وجه الليل، وانخلع قلب السكون . قبل ساعات كانت الباحة الفسيحة أمام المنزل ، تستعد لاستقبال العروسين ؛ أما الآن، فقد استحالت الساحة إلى خلية نحل خيولٌ تُسرج على عجل وتعدو في كل حدب وصوب، مشاعل يلتهم لهبها عتمة الظلام، ورجال مدججون بالسلاح يتلقون الأوامر بأصوات جهورية غليظة. في منتصف ذلك الفناء الصاخب، وقف "يزيد الكيلاني" كالجبل الأشم، غير أن ملامحه كانت متجهمة كغيمة خريفية ممتلئة بالرعد. لم يكن في تلك اللحظة ذلك الشاب المرح ، بل بدا كأنه نسخة مصغرة من شقيقه الأكبر ؛ صلابةً وهيبة. وقف شامخًا يغالب الفوضى العارمة التي انفجرت من حوله، ثم صاح بصوت حازم قطعي لا يرتد: — "قسموا الرجال مجموعات! لتتجه مجموعة إلى شوارع المدينة وأزقتها، وأخرى تقفو أثر الطريق الملتوي المؤدي إليها. أما البقية... فليلجوا الغابة الكثيفة. أريد تفتيش كل شبر، ولا يعودنّ أحد منكم حتى يقف على أثر لفارس!" انطلق الرجال في اللحظة عينها كالسّهام ، وكان "كرم" أول من اعتلى صهوة جواده. كان ينهش صدره شعورٌ عاتٍ بالذنب لم يجد له دافعًا، ف

  • خلف اسوار اوزبروك    الفصل ٢٢٤

    انقضت ساعات النهار بهدوء، بينما امتلأ المنزل الصغير بحركة النساء وضحكاتهن الخافتة. وقفن حول ليان، يعدلن ثوبها الأبيض، ويثبتن طرحة الزفاف ، حتى انتهت كل التفاصيل. تقدمت زينة خطوة إلى الخلف، وتأملتها بابتسامة واسعة. — لو رآكِ فارس الآن... فلن ينتظر حتى ينتهي الزفاف . ضحكت النساء. أما ليان فاحمر وجهها خجلًا، وأخفضت رأسها. كان الفستان بسيطًا، كما أرادته هي. حرير أبيض ناعم، ينسدل برقة فوق جسدها، دون مبالغة أو زينة ثقيلة. أما بطنها الصغيرة التي بدأت تستدير قليلًا ، فلم يحاول الفستان إخفاءها. بل بدت جزءًا من جمالها. ثبتت إحدى النساء إكليلًا صغيرًا من زهور الياسمين البيضاء فوق شعرها، ثم قالت بإعجاب: — أصبحتِ أجمل عروس رأيتها في حياتي. ابتسمت ليان بخجل. لكن عينيها كانتا معلقتين بالنافذة. كانت تنتظر.... أي صوت.... أي حركة. أي إشارة تدل على أن فارس عاد. مع انتهاء التجهيزات، غادرت النساء المنزل، بعد أن أكدن ان الضيوف سيصلون مع حلول المساء. أصبح البيت هادئًا من جديد. جلست ليان قرب النافذة. وضعت يدها فوق بطنها، وهمست بابتسامة: — لم يتبقَّ سوى ساعات قليلة يا صغيري...

  • خلف اسوار اوزبروك    الفصل ٢٢٣

    مرت الايام لم تخبر ليان فارس عن زيارة صفاء كانت تعيش اسعد ايام حياتها و لم ترغب في افساد الامر اتي يوم الزفاف اخيرا تسللت خيوط الفجر الأولى عبر الستائر المخملية لترسم خطوطاً ذهبيه فوق الأرضية الخشبية العتيقة. فتحت ليان عينيها ببطء شديد، ولأول مرة في حياتها، استيقظت وقلبها خفيفٌ كأنما نفض عنه غبار السنين. لم يكن هناك أثرٌ للخوف، ولا بقايا للكوابيس المظلمة، ولا ذلك القلق المرير الذي كان يطوق عنقها مع كل إشراقة شمس. استدارت على جانبها برفق، فأبصرت فارس مستيقظاً يسند راسه على مرفقه و يراقبها في صمت وتلوح على ثغره ابتسامة هادئة ابتسمت ليان تلقائياً، وقالت بصوت ناعس: — متي استيقظت ؟ هز كتفيه ، وأجابها بنبرة رخيمة: — منذ أن بدأت أنفاسك تتسارع، وعلمت أنكِ على وشك مغادرة عالم الأحلام. قطبت حاجبيها برقة، وقالت بعتبٍ لطيف: — لمَ تركتني غارقة في نومي ولم توقظني؟ مد فارس يده وأزاح خصلة شعر تمردت على وجهها ، وتمتم:— لأن رؤية عروسي وهي تنعم بالسكينة ، غنيمة لا تضاهيها أيقونة في هذا العالم. احمرت وجنتاها على الفور، وضربت كتفه بضربة خفيفة تداري بها خجلها: — فا

  • خلف اسوار اوزبروك    مقايضه في عتمه الغبار

    لم تكن الأزقة الضيقة لمدينة "أوزبروك" ترحم أحداً في الشتاء، لكنها في القرن الثامن عشر كانت أشد قسوة على النساء اللواتي وُلدن بلا ألقاب عائلية تحميهن، أو ذهبٍ يشتري لهن الأمان . بالنسبة لـ "ليان"، لم يكن البرد القارس الذي يتسلل عبر شقوق الجدران الخشبية هو ما يرتعد له جسدها. كانت تضغط بكفيها الصغيرت

  • خلف اسوار اوزبروك    رفيق الريف

    كان المساء قد بدأ يفرض ظلاله على قصر الكيلاني عندما دخل كرم إلى مكتب فارس... وقف أمام المكتب باحترام لم ينطق بكلمه حتي يأذن له طوال سنوات عمله الطويله مع السيد فارس الكيلاني كان دائما الخادم الامين كان فارس الكيلاني يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بهيبته المعهوده فالرجل يفرض حضوره في اي مكان و يجعل اي

  • خلف اسوار اوزبروك    هيبه الحروف

    مرّ يومان على وجود ليان في قصر آشبورن، كانت تعمل فيهما كترس لا يتوقف في المطابخ السفلية، حتى جاء صباح اليوم الثالث بحدث غير متوقع. أُصيبت الخادمة المسؤولة عن تنظيف المكتبة الكبرى بوعكة صحية شديدة، و لم تجد أمينة، رئيسة الخدم، خياراً سوى استدعاء ليان و تكليفها بالمهمة، مع تحذير صارم: "هذه مكتبة ال

  • خلف اسوار اوزبروك    بداية جديدة

    اغلقت ليان باب الغرفة الصغيرة المخصصة لها في جناح الخدم، و استندت بظهرها إليه و هي تطلق زفيراً طويلاً لطالما حبسته في صدرها. الغرفة كانت بسيطة جداً؛ سرير خشبي صغير، و خزانة متواضعة، لكنها بالنسبة لليان كانت تبدو كالملجأ الأعظم كانت نظيفه و رائحتها جميله. الرائحة المنعشه التي تفوح من جميع اركان القص

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status