登入مرّ يومان على وجود ليان في قصر آشبورن، كانت تعمل فيهما كترس لا يتوقف في المطابخ السفلية، حتى جاء صباح اليوم الثالث بحدث غير متوقع.
أُصيبت الخادمة المسؤولة عن تنظيف المكتبة الكبرى بوعكة صحية شديدة، و لم تجد أمينة، رئيسة الخدم، خياراً سوى استدعاء ليان و تكليفها بالمهمة ، مع تحذير صارم: "هذه مكتبة السيد فارس الخاصة، إياكِ و العبث بأي ورقة، نظفي بصمت و اخرجي". قالت ليان بهدوء : حسنا سافعل ذلك عندما دخلت ليان المكتبة، شعرت و كأنها خطت إلى عالم سحري خارج حدود الزمن. كانت الجدران الشاهقة مغطاة بالكامل برفوف خشبية داكنة تمتد حتى السقف، تصطف عليها آلاف الكتب ذات الأغلفة الجلدية الفاخرة المطعمة بالذهب و النحاس. كانت رائحة الورق القديم و الحبر تملأ المكان بهيبة لا تُقاوم. لم تستطع منع نفسها من التحديق حولها بإعجاب. من يملك كل هذه الكتب؟ و من يستطيع قراءة كل هذا؟ تنهدت بخفة. بدأت ليان تنفض الغبار بجهد، لكن عينيها لم تتوقفا عن تأمل الأغلفة. شعرت بانبهار شديد لم تخبر به أحداً قط. طالما كانت الحروف بالنسبة لها لغزاً غامضاً تتمنى فكه. تملكتها الرغبة، فمدت يدها المرتجفة عندما وقع بصرها على كتاب قديم ذي غلاف أزرق داكن. ترددت لحظة. ثم سحبته بحذر. مررت أصابعها فوق الزخارف الذهبية المنقوشة على الغلاف. كان جميلًا. جميلًا بطريقة جعلتها ترغب بمعرفة ما يختبئ داخله. فتحت الكتاب ببطء. راحت عيناها تتجولان فوق السطور. رموز سوداء متراصة. أسرار لا تستطيع فهمها. لكنها تمنت لو استطاعت. لطالما تمنت ذلك. منذ كانت طفلة. منذ كانت ترى أبناء التجار يذهبون إلى المدرسة بينما تعود هي إلى المنزل حاملة الماء والحطب. قلبت إحدى الصفحات برفق. مرر أناملها الناعمة على السطور المحفورة بالحبر الأسود بذهول، و كأنها تلمس كنزاً دُفن في غياهب النسيان.لم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين كانت تراقب تمايل أصابعها و شغف نظراتها من وراء الباب الموارب منذ ثوانٍ. انفتح الباب ببطء، ليتردد صدى خطوات حازمة على الأرضية الخشبية. فزعت ليان، و انتفض جسدها برعب عندما التقت عيناها بنظرات فارس الكيلاني الباردة و الغاضبة. من فرط المفاجأة، أفلت الكتاب من بين يديها ليسقط على الأرض محدثاً صوتاً مكتوماً.ساد الصمت، و تقدم فارس بخطوات بطيئة وئيدة . انحنى بهدوء مذهل، و التقط الكتاب بيده القوية، ثم نفض عنه الغبار ببطء شديد قبل أن يرفع عيناه القاتمتين نحوها. و قال بنبرة عميقة، هادئة، و تحمل مسحة خفيفة من التهكم: "يبدو أنني كلما رأيتكِ في أروقة هذا القصر، تقومين بإسقاط شيء ما أرضاً". احمرّ وجه ليان خجلاً و ارتباكاً، و انحنت برأسها فوراً قائلة بصوت مرتجف: "أعتذر بشدة يا سيدي.. لم أكن أقصد.. سأعود إلى عملي فوراً". همت بالمغادرة بسرعة هرباً من نظراته المحاصرة، عندما استوقفها صوته الأجش الصارم الذي جعل قدميها تتجمدان في مكانهما: "انتظري". التفتت إليه بحذر، لتجده يتأمل الكتاب بين يديه، ثم رفع نظره إليها وسألها بغموض: "هل أعجبكِ؟" استغربت ليان بشدة، و تلفتت حولها بعدم استيعاب، متسائلة إن كان يتحدث عن نظافة الغرفة أم عن شيء آخر. لاحظ فارس حيرتها، فأشار بسبابتها نحو الكتاب المخملي الذي يحمله و قال: "أقصد هذا.. هل أعجبكِ ما في داخله؟ خفضت ليان عينيها نحو الأرض، و تجمعت ملامح الخجل و الأسى على وجهها، و أجابت بصوت خفيض ونبرة صادقة: "أنا.. لا أجيد القراءة حقاً يا سيدي". لكنها لمحت شيئًا يشبه المفاجأة في عينيه لم يكن تعليم أبناء الطبقه الفقيره سائد في مدينه اوزبروك لكنها بدلت له مختلفه و لو للحظة واحدة. خفضت نظرها إلى الأرض. — كنت فقط أنظر إليه. قالت ذلك بخجل. ثم أضافت بصوت أخفض: — لطالما أردت أن أتعلم. تأملها فارس بصمت. ثم قال: — مع ذلك كنتِ تتعاملين مع الكتاب بحذر شديد. رفعت رأسها إليه. — ماذا؟كيف؟ — كأنكِ تخشين إتلافه. لم تعرف كيف تجيب. الحقيقة أنها كانت تنظر إلى الكتب كما ينظر بعض الناس إلى الكنوز. أشياء بعيدة المنال. أشياء تخص عالمًا آخر. قالت أخيرًا بصدق : — لأن الأشياء الثمينة تستحق الاحترام. ثبت فارس نظره عليها للحظات و ضاقت عينيه قليلا تاملها جيدا عينها الواسعه التي تشبه عيون المها شعرها الطويل الاسود فمها المستدير. وشفتيها بلون الكريز بشرتها ناصعه البياض جميله جدا لم يري احد بجمالها من قبل . شعرت ليان بعدم الارتياح . وكأنه يحاول اكتشاف شيء ما. ثم أغلق الكتاب بسرعه وأعاده إلى مكانه فوق الرف. — غريب. — ماذا؟ — لا شيء. صمت فارس، ثم وضع الكتاب على الطاولة القريبة منها وتابع بنبرة حادة عادت إليها قسوتها المعتادة: "أنهي تنظيف المكان، ولا تلمسي الكتب مجدداً دون إذن. آشبورن ليس مكاناً للأحلام، بل للعمل الشاق". استدار فجأة و غادر المكتبة تاركاً خلفه صدى كلماته الغامضة، بينما وقفت ليان تتنفس الصعداء، و عيناها معلقتان بالكتاب. لم يكن فارس لطيفاً كشقيقه يزيد، لكن كلماته لمست شيئاً عميقاً داخلها، و لكن لا بأس طالما انها بعيده عن ابيها وعن محاولته بيعها باستمرار .انقشعت ساعات الليل الطويلة الحافلة بالرغبة المشتركة.و حلّ السكون العتيق ليفترش أركان الغرفة الفاخرة المضاءة بخيوط خافتة.تراجع رذاذ المطر في الخارج، تاركاً ضباب الفجر يشق طريقه عبر النوافذ الزجاجية.كان الدفء لا يزال يملأ الفراش الوثير بعد عاصفة عاطفية غيرت مجرى الأقدار بينهما.اعتدل فارس الكيلاني و أخيراً فوق الفراش ببطء شديد.استند بظهره العريض إلى مسند السرير الخشبي المحفور بنبل.كان عاري الصدر، انسدلت بعض من خصلات شعره الداكن فوق جبينه بفوضويه و أنفاسه المنتظمة تهدأ تدريجياً وسط هدوء الغرفة المعتمة.أدار رأسه ببطء، لتستقر نظراته الصقرية القاتمة على ملاءات السرير البيضاء الناصعة.هناك.. في منتصف الفراش، تلمحت عيناه بقعة ذات معنى ملموس و عميق.بقعةٌ حية ناصعة حفرت الحقيقة تصلب فك فارس، و تجمدت حركته لثوانٍ طويلة بدت كأنها دهر.كان يتأمل تلك البقعة التي حملت طهر الفتاة و نقاءها الذي لم يمسه أحد قبله.دار إعصار صامت و مزلزل في عقل فارس .تراجع في ذهنه كل الشَّك القاتل الذي عذبه لليالٍ طوال خلف أسوار آشبورن.و تلاشى صوت فهد اللعين، و ضحكات عوض الجشعة في نادي النبلاء.لكن الصوت الأ
استقرت عربة آل الكيلاني الفاخرة في عتمة الزقاق المقابل لمنزل زينة.كانت الفوانيس الزيتية بالشارع تكاد تنطفئ.و الضباب يلتف حول العجلات الحديدية كأنه كفن رمادي.في داخل العربه كان فارس الكيلاني يجلس في عمق المقعد المخملي الداكن.كان متخفياً وراء الزجاج الأسود.و عيناه الصقريتان تراقبان البوابة الخشبية بثبات مرعب لا يلين.كان الغضب في صدره يغلي كالحمم البركانية.غضبٌ غدته الغيرة العمياء التي لم يعهدها في نفسه قط.و الشَّك المرير الذي بات يأكل عقله و روحه طوال الساعات الماضية.تذكر كلمات عوض في نادي النبلاء.تذكر ضحكات فهد الشامتة اللعينة.كل حرف نطقوا به كان يغرس خنجراً من النار في كبريائه.انفتحت البوابة الخشبية و أخيراً.و خطت ليان إلى الخارج بحذر شديد.تتلمس الطريق و تلتفت برأسها الصغير خوفاً من أشباح الأزقة و من جابر .لم تكد تخطو خطوتين في الهواء البارد حتى اعترض طريقها كرم.ظهر المعاون من بين الظلال كأنه قدر محتوم لعنه نفسها للمره الالف في هذا اليوم ما هذا الحظ و بنبرة جافة، حازمة، و آمرة أشار نحو باب العربة المفتوح:— اصعدي فوراً يا ليان.. السيد فارس بانتظاركِ في الداخل.انقب
في قاعة نادي النبلاء الفاخرة.كانت الأجواء تفوح برائحة السيجار الفاخر و الوقار الأرستقراطي الجافكان نادي النبلاء يعج بأصوات الموسيقى الخافتة و أحاديث التجارة و السياسة.جلس فارس الكيلاني في ركنه المعتاد مع رائد خلف طاوله خشبيه داكنه امامهم ملفات و عقود و اوراق كان النقاش جاداً و مركزاً.فجأة.. انقطع حبل الحديث التجاري الهادئ.تقدم فهد نحو الطاولة بخطوات لزجة، و بجانبه كان الشاب عوض كان فهد يحمل ابتسامة خبيثة و ساخرة تعلو وجهه الماكر.تبادل فارس و رائد نظرة سريعة.منذ حادثة الريف لم تعد الأمور كما كانت.لم يطردا فهد صراحة من دائرتهم.لكن وجوده بينهم أصبح بارداً و ثقيلاً.اقترب فهد مبتسماً ابتسامة مستفزة.ثم ربت على كتف عوض قائلاً:— أخبرهما بما أخبرتني به قبل قليل.نظر عوض إليهم بحماس واضح.دون أن ينتبه للتوتر الذي خيم على الطاولة.و قال بحماس :—رائد... فارس... لقد رأيت خادمتك الجميلة اليوم.تجمدت ملامح فارس فوراً.اختفى أي أثر للاسترخاء من وجهه.و انعقد فكه بقوة.رفع عينيه ببطء نحو عوض.و قال بصوت منخفض:— ماذا قلت؟ابتسم عوض معتقداً أن الأمر يثير فضولهم فقط و قال بحماس شديد — خادم
و فجأة.تردد صدى وقع أقدام ثقيلة قادمة من السلم الخشبي للطابق العلوي.تراجعت ليان بآلية و استعدت للمواجهة.نزل رجلان يرتديان ثياباً أرستقراطية مبعثرة قليلاً.تجمدت الأنفاس في صدر ليان فوراً.لقد عرفت أحدهما بلمحة عين؛ إنه عوض.أحد رفاق فارس الخمسة الذين شهدوا واقعة الريف، و هو ذاته الرجل الذي كان يرافق هذه المرأة هناك.أما الرجل الثاني.. فلم تعرفه قط.توقف عوض عند نهاية السلم، و تسمرت عيناه على وجه ليان بشدة و انبهار واضح.انتقلت نظراته المندهشة نحو المرأة، و انطلق صوته بتهكم ولزوجة:— ما هذا يا زينة؟ يبدو أنكِ تجيدين صيد اللآلئ الثمينة من قصر آل الكيلاني!ضحك الرجل الثاني بوقاحة أثارت القشعريرة في جسد ليان.لم ترتح ليان لنظراتهما الجائعة، و لا لطريقة كلامهما المهينة التي تلمح لوضاعتها.اجتاحها رعب حقيقي حصّر حواسها؛ والدها السكير يتربص بها في الشارع بالخارج، و هؤلاء النبلاء الملوثون يحيطون بها في الداخل.لمحت زينة التوتر النفسي الشديد الذي يكاد يسحق ليان.شعرت برجفتها و خوفها الكامن.و لسبب غامض لم تفهمه ليان في تلك اللحظة، تغيرت ملامح زينة و تحركت بصرامة مباغتة.أمسكت بذراعي الرجلين
دخلت ليان إلى محل المثلجات بخطوات خفيفة.غمرتها الروائح العذبة و الذكية المنبعثة من أركان المكان الفاخر.شعرت فجأة بحماس طفولي نقي لم تذق مثله منذ سنوات طويلة.اشترت مثلجاتها بمرتبها الخاص، و خرجت إلى الرصيف تتناول ما اشترته بسعادة عارمة.ارتسمت على وجهها الصافي نصف ابتسامة حقيقية تذوقت فيها طعم الحرية.و فجأة.دوى صوت شلّ الحركة في أوصالها تماماً.صوتٌ مألوف، أجش، و دب الرعب و الموت الكامن في قلبها من الطرف الآخر للشارع— ليان! أيتها اللعينة اللقيتة! سأقتلكِ حقاً هذه المرة!ذعرت ليان بصدمة مروعة زلزلت كيانها.سقطت المثلجات من يدها المرتجفة فوراً لتتلوث بوحل الطريق و عتمته.لم تلتفت خلفها لترى وجهه البشع.أطلقت ساقيها للريح و أخذت في الركض الهستيري الهارب وسط زحام المارة.و صوت جابر مراد يلاحق ظهرها كالكابوس و لا ينقطع:— يا عديمة الخير! أنتِ ابنة عاقة خائنة! لن تفلتي من يدي الليلة!ظلت تجري و تنعطف عبر الشوارع الضيقة و الممرات الملتوية للمدينة.كانت أنفاسها لاهثة، متقطعة، و صدرها يعلو ويهبط بعنف و خوف.ركضت بكل ما تملك من غريزة بقاء، حتى اختفى صراخه تماماً و تبدد أثره وراءها.توقف
مرّ ما تبقى من حفل العشاء بسلام لم تتوقعه ليان .لم يحدث ما يعكر صفو الاجواء ازدحمت القاعات بالضحكات الأرستقراطية و الموسيقى الهادئة و رنين الكؤوس الكريستالية.تحركت بين الضيوف بصمت، تؤدي عملها كأي خادمة أخرى.و رغم محاولاتها تجاهل الوجوه من حولها...تجمدت للحظة عندما وقع بصرها على رائد.عادت إليها ذكرى تلك الليلة في الريف فورًا.ليلة فهد الراوي.ليلة الخوف و العار و الدموع.ارتبكت للحظة و هي تضع أحد الأطباق أمامه.لكن رائد رفع رأسه نحوها.و أومأ لها بهدوء بلطف و وقار و لم تحمل نظراته اي معني احتقار إيماءة بسيطة.محترمة.خالية تمامًا من الشفقة أو الاحتقار أو الفضول.كأنه يقول لها دون كلمات:"ما حدث انتهى."تنفست ليان الصعداء و شعرت براحة خفيفة تتسلل إلى صدرها.ربما لم يكن جميع رجال هذه الطبقة متشابهين.أما فارس...فلم تراه سوى مرات قليلة طوال الأمسية.كان منشغلًا بالضيوف.يتنقل بين النبلاء.يتحدث في التجارة و السياسة و الأراضي.---حل الصباح التالي.استيقظت ليان مبكرًا على غير عادتها شعرت فورا بالتوتر كان قلبها يخفق بصوره غريبه.اليوم عطلتها و اليوم ستلتقي به خارج القصر لا تع







