Masukفي صالون القصر الفسيح، جلس فارس إلى جوار يزيد، وانشغلا في الحديث عن بعض شؤون العائلة وأعمالها. كان النقاش جاداً ، بينما ظل فارس يستمع إلى شقيقه بتركيز واضح ، محاولاً استعادة تفاصيل الحياة التي ابتعد عنها طوال الأشهر الماضية. كانت السيدة صفاء تراقبهما من الطرف الآخر للصالون ، حتى قررت أخيراً أن تقطع حديثهما. قالت بنبرة حاولت أن تجعلها مليئة بالحماس : — فارس، أعتقد أن الأسبوع القادم سيكون مناسباً جداً لإقامة حفل زفافك على ديما. رفع فارس عينيه إليها ببطء. ثم قال ببرود:— و لكني لا اعتقد ذلك يا أمي. ثم أعاد نظره إلى يزيد، وكأن الحديث انتهى بالنسبة إليه. لكن صفاء لم تستسلم. — ولكن ديما انتظرتك طوال هذه الأشهر. كانت مخلصة لك رغم غيابك، وأنت تعرف جيداً أن استمرار هذه الخطبة دون حسم يسيء إلى سمعتها وسمعة عائلتها. توقف فارس عن الحديث. ثم التفت إليها بنظرة ثابتة. — إذا كانت قد اختارت انتظاري، فهذا قرارها يا أمي. لا أرى سبباً يجعلني مديناً لها بسبب اختيار اتخذته بنفسها. تغير وجه صفاء. — لكنك كنت تحبها قبل الحادث. كنتما على وشك الزواج، والجمي
سمعت ليان طرقات خفيفة ومتتالية على باب منزلها ، فأسرعت نحوه وقلبها يخفق بالأمل. ما إن فتحته حتى وجدت خديجة تقف أمامها وهي تحمل نوح بين ذراعيها ، بينما كان كرم يقف خلفها حاملاً عدداً كبيراً من أكياس المؤن. لم تنتظر ليان لحظة واحدة. مدت ذراعيها وأخذت طفلها إلى صدرها ، وما إن رأى نوح وجهها حتى تغيرت ملامحه الصغيرة، وانطلقت منه ضحكة سعيدة و هو يحرك يديه في فرح. امتلأت عينا ليان بالدموع. أخذت تقبله على جبينه و وجنتيه ويديه الصغيرتين ، ثم ضمته إليها بقوة وكأنها تخشى أن ينتزع منها مجدداً. — اشتاقت امك إليك كثيراً يا صغيري. ابتسمت خديجة وهي تراقبهما ، بينما أغلقت الباب خلفها. التفتت ليان إليهما ، ثم قالت بابتسامة خفيفة : — مرحبا بكما. لكن أخبراني أولاً... هل ينوي الفارس إطعام جيش كامل ؟ ماذا سأفعل بكل هذه المؤن ؟ ضحك كرم وقال: — لا تلوميني أنا. السيد فارس من يصر على إرسال كل هذا. أومأ كرم و قال بعفوية — يتظاهر بأنه لا يهتم، لكنه في الحقيقة لا يتوقف عن السؤال بطريقة غير مباشرة. احمر وجه ليان قليلاً ، وحاولت إخفاء ابتسامتها وهي تنظر إلى نوح. — كيف حاله هل... ه
قالت السيدة صفاء بحزمٍ وهي تنظر إلى كرم بضيق: "— لماذا تترك أعمالك وتقف هنا يا كرم ؟" تردد كرم للحظة، وحاول تثبيت نبرة صوته قبل أن يجيب: "— كنتُ سآخذ الصغير نوح في جولته اليومية لرؤية ليان." غضبت صفاء بشدة، واشتعل وجهها وعقدت حاجبيها قائلة بغضب: "— هل جننت تماماً يا رجل ؟! لن يحدث هذا الأمر أبداً ! لقد انتهت هذه المرأة تماماً من حياته ومن هذا القصر، ولن تراه بعد اليوم!" قال كرم : "— ولكن يا سيدتي... هذه هي تعليمات السيد فارس الصارمة لي شخصياً قبل رحيلها ." قاطعتها صفاء بحدة : "— اترك فارس لي ، واذهب أنت الآن لمباشرة عملك فوراً!" في تلك اللحظات كان فارس يمر بجانب الغرفة في الممر، فسمع الضوضاء وأصوات الجدال المرتفعة، فدخل توجهت نظراته الحادة فوراً وبتلقائية إلى حيث كان نوح؛ كانت ديما تحمله بتململ واضح، وتحاول جاهدة إبعاده عن فستانها الفاخر . ما إن لاحظت نظرات فارس المثبتة عليها ، حتى تراجعت بسرعة ورسمت على شفتيها ابتسامة مصطنعة وقالت: "— لقد تجشأ الصغير لتوّه على ملابسي .. سامحني يا فارس، فأنا لستُ معتادة بعد ." ض تقدم فارس بخطوا
في غرفة نوح الهادئة، كانت خديجة منشغلة بإعداد حقيبة الصغير بعناية فائقة. تحركت أصابعها وهي تطوي ملابسه القطنية الصغيرة، وتضعها واحدة تلو الأخرى بنظام شديد داخل الحقيبة، محاولةً استغلال كل دقيقة . وفي زاوية الغرفة، كان كرم يحمل الصغير بين ذراعيه الحانيتين، يتحرك به ببطء جيئة وذهاباً، متمتماً بكلمات خافتة محاولاً تهدئته وهدهدته ليمنعه من البكاء. نظر كرم إليها بنفاد صبر وضيق واضح ، ثم تنهد وقال بنبرة قلقة: — أسرعي يا خديجة، أرجوكِ. الوقت يداهمنا ، ولدّي الكثير من الأمور والالتزامات التي يجب أن أنهيها ولا أريد أن نتأخر أكثر من ذلك وتلفت تحركاتنا الأنظار. ابتسمت خديجة ابتسامة دافئة وهي تواصل ترتيب بقية الملابس وتعديل وضعيتها داخل الحقيبة بدقة. — أوشكت على الانتهاء يا كرم، لم يبقَ الكثير. انظر إليه فقط وتأمله... ألا ترى كيف يتحرك بنشاط وكأنه يشعر بكل ما يحدث حوله ؟ أظنه بحدسه البريء يعرف ويعي تماماً أننا سنأخذه اليوم لرؤية أمه . ابتسم كرم ، ونظر بحنو إلى الصغير الذي كان يناغي ويتحرك بخفة بين ذراعيه. — ربما يشعر بالفعل في أعماقه أنها تنتظره بلهفة
انتهت ليان من ترتيب المنزل البسيط، ووضعت المهد الصغير الذي اشترته لـنوح في زاوية الغرفة ؛ فقد كانت تدخر المال طوال الفترة الماضية منذ ولادة طفلها الصغير. أحصت ما تبقى معها من أموال في كفها المرتعشة، وقررت بعد تفكير عميق أنها ستشتري بعض الأقمشة الجيدة ، وتقوم بتفصيل الملابس وتطريزها لجيران الحي لتكسب قوت يومها؛ فقد كانت تقوم بتفصيل ثيابها بنفسها منذ صغرها وتبرع في ذلك. قالت بحماس وتصميم وهي تنظر إلى المهد الفارغ: "— سانجح في ذلك حتماً.. سأفعلها من أجلك يا نوح." تابعت حديثها لنفسها وهي تعدل وشاحها: "— ولكن.. عليّ أولاً زيارة زينة، لم أتواصل معها ولم أرَ وجهها منذ أن رحلتُ مجبرة مع السيدة صفاء إلى البيت الريفي قبل ولادة نوح." ذهبت ليان إلى منزل زينة القديم ، وطرقت الباب الخشبي الثقيل بقلب يتراقص قلقاً. انفتح الباب ، لتطل منه إحدى الفتيات اللواتي لم تشاهدهنّ ليان من قبل؛ نظرت الفتاة إليها باحتقار وازدارء ، وقالت بجفاء: "— لا نريد فتيات جديدات للعمل هنا ، وقبل أن تجيبها ليان، أتى صوت حاد وصارم من خلف الفتاة يصيح بها: "— هل أنتِ من يقرر ذلك يا فادي
تدخلت صفاء بسرعة فائقة عندما رأت شرود فارس، محاولة تدارك الموقف المتأزم وإنقاذه من أفكاره المتلاطمة: — دعنا لا نتحدث عن هذه الأمور الآن يا فارس. لكنه ظل ينظر إلى ديما بنظرات ثاقبة ومبهمة ، وكأنه يحاول قراءة ما بين سطور ملامحها. كان هناك شيء خفي في كلامها لم يعجبه أبداً، نبرة غريبة تركت في نفسه أثراً مزعجاً ، ولم يعرف السبب الحقيقي وراء هذا الشعور المريب الذي تغلغل في صدره فجأة. قالت صفاء بصوت مرتفع قليلاً محاولة جاهدة تغيير مجرى الحديث وكسر الصمت الثقيل: — ما رأيكما أن نتمشى قليلاً ؟ الجو اليوم لطيف ومنعش للغاية. وافق فارس بإيماءة خفيفة من رأسه هرباً من توتره، فنهضوا جميعاً وساروا ببطء بين أشجار الحديقة وظلالها الممتدة. تأبطت ديما ذراعه بثقة مفرطة ، وأخذت تمشي بجانبه بخطوات متزنة ، وهي ترفع رأسها بكل فخر وغرور ، وتلقي التحية بتكبر وتعالٍ واضحين على كل من يقابلها من أبناء وبنات النبلاء المتواجدين في أرجاء الحديقة. بدأت تتحدث دون توقف عن آخر أخبار العائلات النبيلة وعن تفاصيل الحفلات الفاخرة القادمة، لكن فارس كان غارقاً في شرود ذهني عميق،
كان المساء قد بدأ يفرض ظلاله على قصر الكيلاني عندما دخل كرم إلى مكتب فارس... وقف أمام المكتب باحترام لم ينطق بكلمه حتي يأذن له طوال سنوات عمله الطويله مع السيد فارس الكيلاني كان دائما الخادم الامين كان فارس الكيلاني يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بهيبته المعهوده فالرجل يفرض حضوره في اي مكان و يجعل اي
لأول مرة في حياتها، جلست ليان داخل عربة حقيقية.ليس عربة نقل مهترئة كتلك التي كانت تمر أحيانًا في حي المداخن، بل عربة فاخرة مبطنة بالمخمل الداكن، تتمايل بهدوء فوق الطريق الحجري المؤدي إلى التلال الشمالية.كانت تشعر بالتوتر من مجرد لمس المقاعد.المطر ما زال يهطل بالخارج، بينما ساد داخل العربة دفء لط
كان المطر قد تحول إلى قطرات ثقيلة تغسل أرصفة "أوزبروك" الحجرية، عندما كانت "ليان" تتبع أثر "سالم" بخطوات ناعمة وئيدة كقطة تتربص بفريستها. كانت تعلم تماماً أين يتجه؛ فالسارق لا يذهب بعد غنيمته الكبرى إلا إلى جحره، و جحر سالم كان زاوية معتمة مهجورة في نهاية الزقاق، بعيداً عن أعين الحراس. توقفت ليان
لم تكن الأزقة الضيقة لمدينة "أوزبروك" ترحم أحداً في الشتاء، لكنها في القرن الثامن عشر كانت أشد قسوة على النساء اللواتي وُلدن بلا ألقاب عائلية تحميهن، أو ذهبٍ يشتري لهن الأمان . بالنسبة لـ "ليان"، لم يكن البرد القارس الذي يتسلل عبر شقوق الجدران الخشبية هو ما يرتعد له جسدها. كانت تضغط بكفيها الصغيرت







