Share

خلف الاسوار

last update publish date: 2026-06-02 03:41:51

لأول مرة في حياتها، جلست ليان داخل عربة حقيقية.

ليس عربة نقل مهترئة كتلك التي كانت تمر أحيانًا في حي المداخن، بل عربة فاخرة مبطنة بالمخمل الداكن، تتمايل بهدوء فوق الطريق الحجري المؤدي إلى التلال الشمالية.

كانت تشعر بالتوتر من مجرد لمس المقاعد.

المطر ما زال يهطل بالخارج، بينما ساد داخل العربة دفء لطيف جعل أصابعها المتجمدة تستعيد الإحساس تدريجيًا.

لاحظ يزيد ارتجافها.

فخلع رداءه الصوفي ووضعه فوق كتفيها.

اتسعت عيناها بدهشة.

— سيدي... لا داعي لذلك.

ابتسم.

— ستتجمدين قبل أن نصل.

ترددت للحظة.

ثم قبلته.

كان الرداء أغلى من كل ما تملكه في حياتها.

و أدفأ.

راقبته من تحت أهدابها بصمت.

وسيم.

مهذب.

لطيف.

و يبدو أنه يصدق كل كلمة تقولها.

شعرت بشيء يشبه الراحة.

ربما للمرة الأولى منذ سنوات.

هذا الرجل قد يكون فرصتها.

فرصتها الوحيدة.

قال يزيد بعد لحظات:

— ما اسمك؟

— ليان.

— اسم جميل.

خفضت عينيها وكأنها تشعر بالخجل.

في الحقيقة كانت تراقب ردود أفعاله بعناية.

كل ابتسامة.

كل كلمة.

كل نقطة ضعف.

— و أنت يا سيدي؟

ضحك بخفة.

— يزيد الكيلاني.

تظاهرت بالدهشة.

— الكيلاني؟

— نعم.

— سمعت عن عائلتكم.

— أتمنى أن تكوني سمعتِ شيئًا جيدًا.

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— يقولون إنكم أكثر عائلات أوزبروك نفوذًا.

رفع حاجبه.

— الناس يحبون المبالغة.

كادت تضحك.

القصر الذي يلوح فوق التلة وحده كافٍ لإثبات العكس.

ترددت قبل أن تقول:

— عندما نصل... ماذا سيحدث لي؟

نظر إليها لحظة.

— ستبقين في القصر حتى تستقري.

— لا أريد أن أكون عبئًا.

— لن تكوني.

سكتت قليلًا.

ثم قالت بصوت متردد:

— إذا كانت والدتك بحاجة إلى خادمة أو وصيفة... يمكنني العمل.

أشرق وجه يزيد.

— هذا ما كنت أفكر فيه.

رفعت رأسها نحوه.

— حقًا؟

— بالطبع. سأناقش الأمر مع أمي.

ثم أضاف مبتسمًا:

— بعد كل شيء، أنتِ أنقذتِني من مأزق كبير الليلة.

شعرت ليان بالارتياح.

إذن الخطة تسير كما ينبغي.

عمل.

غرفة.

طعام.

سقف يحميها من المطر.

كل ما تحتاجه للبقاء.

بعد نصف ساعة، بدأت العربة تصعد التلة الأخيرة.

و تجمدت ليان في مكانها.

رأت الأسوار أولًا.

حديد أسود شاهق يمتد لمسافات طويلة.

ثم البوابات الضخمة.

ثم القصر.

يا إلهي...

لم يكن منزلًا.

كان عالمًا كاملًا.

ارتفعت نوافذه المضيئة وسط الضباب كأنها نجوم معلقة فوق الأرض.

وتلألأت الأضواء الذهبية خلف الزجاج.

بينما انتشرت الحدائق الواسعة حوله في كل اتجاه.

شعرت فجأة بصغر حجمها.

وصغر حياتها.

و صغر كل ما عرفته سابقًا.

تجاوزت العربة البوابات.

وأكملت طريقها نحو المدخل الرئيسي.

عندما توقفت أخيرًا، هرع الخدم لفتح الأبواب.

نزل يزيد أولًا.

ثم مد يده إليها.

ترددت ثانية واحدة.

قبل أن تضع يدها في يده.

دخلت القصر.

و شعرت وكأنها دخلت حلمًا.

الثريات الكريستالية الضخمة تتدلى من السقف.

السجاد الأحمر يغطي الأرضيات.

الجدران مزينة بلوحات لا بد أنها تساوي ثروة كاملة.

أما الدفء...

فكان أشبه بمعجزة.

اقتربت امرأة خمسينية بملابس أنيقة.

— سيد يزيد.

— مساء الخير يا مدام أمينة.

أشار نحو ليان.

— أريد غرفة دافئة لها و بعض الطعام.

نظرت المرأة إلى ليان باستغراب.

واجابت بتردد— بالطبع.

قال يزيد قبل أن تسأل:

— الآنسة ليان أعادت لي غرضًا ثمينًا للغاية هذا المساء.

و من واجبنا حمايتها.

أومأت رئيسة الخدم باحترام.

— كما تشاء.

شعرت ليان براحة عميقة.تنفست الصعداء، وشعرت لأول مرة منذ سنوات بالدماء الدافئة تعود إلى أطرافها. التفتت لتبتسم ليزيد بامتنان، لكن بسبب حركتها السريعة، تعثرت قدمها المبتلة بطرف فستانها الطويل الممزق.فقدت توازنها تماماً.انزلقت بقوة على الأرضية الرخامية المصقولة كأنها قطعة ثلج، و بشكل غريزي، مدت يديها في الهواء لتتمسك بأي شيء ينقذها من السقوط القاسي. طارت عباءتها المبتلة خلفها، و في تلك اللحظة بالذات، انفتح الباب الجانبي الكبير للردهة، و خرج منه رجل طويل القامة، عريض المنكبين، يرتدي حُلة سوداء صارمة و نظراته الحادة كالصقر مصلتة على بعض الأوراق في يده.لم يكن سوى فارس الكيلاني.لم تملك ليان الوقت لتتوقف، ولم يملك فارس الوقت ليتفادى الإعصار البشري المبتل القادم نحوه. و بحركة سريعة و مباغتة، اصطدمت ليان بصدره العريض بقوة جعلت الأوراق تتطاير في الهواء كالندف البيضاء. و نظراً لثقل جسدها المندفع، لم يستطع فارس الحفاظ على توازنه تماماً، فترنح خطوتين إلى الخلف، لتسقط ليان فوقه مباشرة، و يهبط الاثنان معاً على الأرض الرخامية الباردة بجلبة صاخبة.ساد الردهة صمت رهيب و مروع، لدرجة أن أنفاس الخدم توقفت.فتحت ليان عينيها لتجد وجهها على بعد سنتيمترات قليلة من وجه رجل غريب تماماً. كانت ملامحه رجولية حادة، و عيناه القاتمتان تتلألأن بشرار غضب عارم لم ترَ مثله قط. كانت يداها الملطختان برطوبة أزقة أوزبروك و بقايا الرماد الأسود مستندتين مباشرة على قميصه الأبيض الناصع، تاركة أثراً واضحاً لكفين متسخين على صدره الأرستقراطي الفاخر.أما خصلات شعرها المبتلة، فقد كانت تقطر قطرات ماء باردة مباشرة على جبهته وأنفه الحاد.رمش فارس ببطء، وتطلع إلى الفتاة التي تعتليه وتنظر بعينيها الواسعتين وكأنها كائن سقط عليه من السماء. تحرك فكه بصرامة، و قال بنبرة صوت عميقة، باردة، و مليئة بالتهكم و اذدراء

- من انتي

ذلك النوع من النظرات الذي يجعل صاحبه يشعر بأنه أصغر مما هو عليه.

حاولت ليان النهوض بسرعة.

لكن يدها انزلقت فوق القماش مرة أخرى.

مخلفة أثرًا جديدًا من الطين.

أغلقت عينيها للحظة.

رائع.

لقد جعلت الأمر أسوأ.

نهض فارس أولًا.

بهدوء مخيف.

ثم نفض معطفه دون أن يعرض عليها المساعدة.

رفع نظره إليها.

وتوقف عند ثوبها الممزق.

وحذائها المهترئ.

وخصلات شعرها المبتلة.

ثم قال أخيرًا:

— من هذه؟

لم يكن السؤال موجها إليها.

بل إلى يزيد.

و كأنها غير موجودة أصلًا.

أسرع يزيد للأمام.

— اسمها ليان.

استدار فارس نحوه.

— سألت من تكون... لا ما اسمها.

ساد الصمت في الردهة.

و شعرت ليان بشيء يشتعل داخلها.

الغضب.

لقد نظر إليها كما لو كانت شيئًا جره المطر إلى داخل القصر.

قال يزيد بسرعة:

— الآنسة ليان أعادت لي محفظتي المسروقة.

انتقلت عينا فارس إليها.

ثم إلى أخيه.

ثم عادت إليها مجددًا.

كانت نظرة فاحصة.

حادّة.

مزعجة.

و كأنه يحاول رؤية ما وراء وجهها.

و قال ببرود:

— إذن نحن ندخل الغرباء إلى القصر الآن؟

— فارس، أرجوك! لقد خاطرت بحياتها من أجلي.قطع يزيد كلمات شقيقه بقلة حيلة، محاولاً تخفيف وطأة التي ملأت الفضاء

.أما ليان، فكانت تقف هناك، جسدها يرتجف بفعل البرد، لكن النيران كانت تتأكل جوفها. تطلعت إلى كفيها المتسختين، ثم إلى فارس الكيلاني الذي كان يقف بجمود عسكري، متجاهلاً وجودها تماماً و كأنها جيفة رماها الممر بين يديه.نظرت إلى ملامحه الحادة، و عينيه الصقريتين اللتين لم تحمل الرأفة للحظة. عرفت في تلك الثانية أن هذا الرجل لن يكون كشقيقه؛ لن تخدعه بدمعة، و لن تملي عليه غريزة الشفقة قراراً.تحرك فارس خطوة واحدة للأمام، ممرراً نظراته على رئيسة الخدم التي كانت تقف مرتعشة:— مارتا، خذيها إلى الجناح الخلفي للخدم. طهّريها من هذا الطين، وضعيها في المطبخ تحت المراقبة. لا أريد رؤية آثار أقدام متسخة في أروقة القصر مجدداً.استدار بكبرياء أرستقراطي جاف، ممسكاً بما تبقى من أوراقه المبعثرة دون أن ينظر إلى الخلف، تاركاً خلفه صدى خطواته الصارمة التي كانت تعلن بوضوح: اللعبة في هذا القصر لن تكون سهلة يا ليان.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (3)
goodnovel comment avatar
رغد الشيباني
شكرا لك على كلماتك التشجيعيه ارجو ان تنال باقي الفصول على اعجابك
goodnovel comment avatar
hynata08
اسلوب روائي رائع
goodnovel comment avatar
Zamzam Elbeshbeshy
..................
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • خلف اسوار اوزبروك    الفصل ٣١٤

    مرت الشهور، وانقشعت عواصف الماضي عن سماء قصر آل الكيلاني، ليحل محلها دفء لم تعهده جدرانه من قبل. في تلك الليلة الهادئة، كان القمر بدراً يرسل خيوطه الفضية عبر الشرفة الكبرى المطلة على حدائق المقاطعة الواسعة ، حيث تفوح رائحة الياسمين مع نسمات الليل العليلة. وقفت ليان عند حافة الشرفة، مرتدية ثوباً بسيطاً من الحرير الأبيض ينساب حول جسدها بنعومة ، وكانت ملامحها تشع بالسلام والسكينة التي افتقدتها لسنوات كانت تري في الحديقه السيده صفاء و هي تلعب بسعاده مع نوح الذي اصبح يخطو بضع خطوات صغيره . لم تشعر ليان باقتراب فارس إلا حينما أحاط خصرها بذراعيه القويتين من الخلف، ودفن وجهه في خصلات شعرها، مستنشقاً عطرها الذي كان دائماً بمثابة مرساه المضمون بعد كل عاصفة. ابتسمت ليان ووضعت يديها فوق يديه المحيطتين بها، وسألته بنبرة هامسة: — «بمَ تفكر يا فارس؟» أدارها فارس نحو برفق، وثبّت عينيه السوداوين في عينيها بنظرة فائضة بالحب والامتنان، ثم رفع يده ليزيح خصلة تمردت على وجهها وقال بصوت رجولي دافئ: — «أفكر في أن هذا القصر لم يكن يوماً وطناً لي، حتى جئتِ أنتِ ومنحتِهِ الروح. أفكر ف

  • خلف اسوار اوزبروك    الفصل ٣١٣

    تراجع المدعوون وانفضّ الجمع سريعاً من قاعة القصر الكبرى بعد أن ألجمتهم الصدمة، ليتحول حفل الزفاف الأسطوري في لحظات إلى مسرح لفضيحة مدوية تناقلتها ألسنة أهل "أوزبروك". غادر الجميع تاركين خلفهم بقايا الزينة والشموع الذائبة ، لتُغلق الأبواب الخشبية الضخمة بصرير ثقيل، ويخيم على المكان صمت خانق وموحش أعلن بداية الحساب الحقيقي. وقفت "ديما" في منتصف البهو وجسدها يرتجف بعنف، ممسكة بأطراف فستان زفافها الفاخر الذي تحول الليلة إلى كفن لطموحاتها وأحلامها . كانت دموع القهر والذل تنهمر على وجنتيها لتُفسد زينتها العطرية، فنظرت إلى "فارس" بحقد أعمى وصرخت بنبرة متشنجة بالبكاء: — «كيف تجرؤ على فعل هذا بي أمام نبلاء البلدة بأكملها يا فارس؟! كيف تسحقني وتجلب هذه الخادمة الوضيعة لترتدي ثوب زفاف وتأخذ مكاني؟! لقد أهنتَ عائلتي، وجعلتني أضحوكة المقاطعة لسنوات!» تقدم فارس نحوها بخطوات بطيئة ومدوية ، وثبّت نظراته الحادة في عينيها ببرود جليدي جمد أنفاسها، ثم قال بصوت قاطع: — «كفي عن العويل وتصنّع دور الضحية يا ديما.. فالأقنعة الزائفة قد سقطت بالكامل! ثم إياكِ

  • خلف اسوار اوزبروك    الفصل ٣١٢

    عاد فارس إلى القصر بخطوات هادئة ورزينة ، لكنها كانت تخفي خلفها عاصفة عاتية من الوعيد والنوايا الصارمة. فاستقبلته السيدة صفاء فور دخوله البهو الفسيح، وتقدمت نحوه ملامحها تحمل القلق فقالت : فارس... الزفاف بعد غد وأنت غائب طوال الوقت خارج المنزل، أين ذهبت وكل هذه الترتيبات تنتظرك؟ نظر إليها فارس بملامح جامدة كالصخر لا تفصح عما يدور في عقله، وقال برصانة وثبات: لقد انتهيت من بعض الأعمال الهامة والعاجلة في المدينة حتى أتفرغ للزفاف تماماً ولا يشغلني عنه أي شيء آخر. تنفست صفاء الصعداء وشعرت براحة كبيرة وسعادة غامرة ظهرت على وجهها، فقالت بنبرة تملأها الثقة: جيد يا بني.. ستكون سعيداً جداً مع ديما ، فهي الزوجة المناسبة لك ولمكانتنا. صمت فارس لثوانٍ معدودة وهو يتأمل وجهها ، ثم سألها بغموض : هل حقاً كنت أحب ديما من قبل يا أمي ؟ أجابت صفاء بثقة تامة ومكر شديد وهي تبتسم: نعم بالطبع.. لقد عشقتها لسنوات طويلة قبل وقوع الحادث الأليم، وبمجرد أن تتزوجوا أمام الجميع سيعود الدفء والحب القديم بينكما، أنا أثق في ذلك تماماً. هز فارس رأسه ببطء وقال بنبرة هادئة للغاية : حسن

  • خلف اسوار اوزبروك    الفصل ٣١١

    اشاح فارس بنظراته باحتقار وازْدراء شديدين ، ونظر إلى وجه عاصم الذليل الملطخ بالتراب والدماء وقال بنبرة قاطعة: أنا لا أحتاج لسماع أكاذيبك وحيلك الرخيصة هذه عن ليان بعد الآن يا عاصم . لقد تحققت من كل شيء بنفسي وفهمت اللعبة الكاملة التي حاولت ان توهمني بها ؛ أنت من خدعتها واستدرجتها لتذهب إلى ذلك المنزل المنعزل ، واستغللت الصبي الصغير لتنفيذ خطتك ، فقط لتوهمني بوجود علاقة بينكما وتلعب بغيرتي عليها لتدمير الحب الذي يجمعنا. انفجر عاصم بضحكة ساخرة ومريرة تنضح بالغل والتشفّي متحاهلا الدماء التي تسيل على وجهه، وبصق على الأرض ثم قال بصوت متهدج ومتقطع : ولكني الليلة لا أتحدث عن ليان يا سيد فارس أنا أتحدث عن شخص آخر تماماً ، شخص يعيش براحة تامة داخل أسوار قصرك الفخم ! فكر في الأمر قليلاً وشغل عقلك. ألا تلاحظ كيف تحولت فجأة من مجرد رجل عادي بسيط ، إلى رجل ثري يملك دكاناً فخماً ونفوذاً طائلاً في أسواق المقاطعة ؟ من أين لي بكل هذه الأموال والذهب الا يثير الامر فضولك و لو قليلا ؟ ضغط فارس على أسنانه بغيظ شديد ، وبرزت عروق عنقه من شدة الاحتقان والتوتر،؛

  • خلف اسوار اوزبروك    الفصل ٣١٠

    ترجل فارس من العربة بعد أن اطمأن على استقرار ليان داخل منزلهم القديم ، وأحاط المكان بحراسة مشددة لا تغفل عنها عين. التفت نحو كرم الواقف بجانبه بثبات ، وسأله بنبرة حازمة وعينين تشتعلان بنيران الانتقام : «هل كل شيء جاهز يا كرم ؟ هل سارت التدابير كما خططنا لها ؟» انحنى كرم باحترام وأجابه بلهفة وثقة: «نعم يا سيد فارس .. كل شيء جاهز ومعدّ تماماً كما أمرت، ورجالنا الأشداء يطوقون المكان و هم معه الان ، ولن يجرؤ على الحركة أو الإفلات من قبضة العدالة ». تصلبت ملامح فارس الجليدية ، ونفض غبار الطريق عن سترته المخملية وقال بكلمات قاطعة: «لِنذهب إذن وننهي هذا الحساب العتيق ». انطلق فارس وكرم بخطوات ثابتة ومدوية متوجهين مباشرة إلى نفس البقعة ؛ نفس المكان المشؤوم الذي قام فيه عاصم بضربه بغدر وسلب حياته وذاكرته قبل أشهر. وفور وصولهما، وجدا عاصم مقيداً بالحبال الغليظة والمتينة حول جذع إحدى الأشجار العتيقة ، ووجهه ملطخ بالتراب والدماء، بينما يحيطه حراس ورجال فارس الأشداء مدججين بالسلاح لمنعه من أي محاولة للهرب. رفع عاصم رأسه بتعب ، ونظر إلى هامة فارس المهيبة الت

  • خلف اسوار اوزبروك    الفصل ٣٠٩

    توقفت العربة لوهلة بين ظلال الأشجار العتيقة ، والتفت فارس نحو ليان وعيناه تحملان مزيجاً من الحزن العميق والراحة، ثم قال بنبرة خفيضة: «لقد طلب مني سالم طلباً أخيراً وحاسماً وهو يصارع أنفاسه الأخيرة بين ذراعي والدماء تدفق من صدره.. طلب وصية كتمتها في صدري طوال الأيام الماضية، ولم أقو على بوحها حتى أستعيد نفسي تماماً». سألته ليان بلهفة والدموع تلمع في عينيها : «وما هو هذا الطلب والوصية يا فارس ؟ تكلّم أرجوك، ». أجابها فارس وهو يبتلع غصة مريرة ارتفعت في حلقه وكادت تخنقه: «لقد طلب مني بأغلى رجاء، وبكل انكسار وندم، أن أبحث عنكِ بنفسي وأطلب منكِ مسامحته والصفح عن خطيئته القديمة. قال لي والدموع في عينيه إن قبولكِ لمغفرته هو العزاء الوحيد الذي سيريح روحه المعذبة في قبره، وأنه لن يرقد بسلام إن ظللتِ ساخطة عليه». انهمرت الدموع الساخنة بغزارة على وجنتي ليان ، وضمت كفيها إلى صدرها بقلب مفطور وقالت بعفوية: «بالطبع... بالطبع أسامحه وأغفر له من كل قلبي يا فارس! كيف لا أفعل وقد فداك بروحِهِ وجسده؟ لقد أنقذ حبيبي ووالد طفلي وأعادك إلينا حياً يتنفس.. إن صنيعه ا

  • خلف اسوار اوزبروك    مقايضه في عتمه الغبار

    لم تكن الأزقة الضيقة لمدينة "أوزبروك" ترحم أحداً في الشتاء، لكنها في القرن الثامن عشر كانت أشد قسوة على النساء اللواتي وُلدن بلا ألقاب عائلية تحميهن، أو ذهبٍ يشتري لهن الأمان . بالنسبة لـ "ليان"، لم يكن البرد القارس الذي يتسلل عبر شقوق الجدران الخشبية هو ما يرتعد له جسدها. كانت تضغط بكفيها الصغيرت

  • خلف اسوار اوزبروك    هيبه الحروف

    مرّ يومان على وجود ليان في قصر آشبورن، كانت تعمل فيهما كترس لا يتوقف في المطابخ السفلية، حتى جاء صباح اليوم الثالث بحدث غير متوقع. أُصيبت الخادمة المسؤولة عن تنظيف المكتبة الكبرى بوعكة صحية شديدة، و لم تجد أمينة، رئيسة الخدم، خياراً سوى استدعاء ليان و تكليفها بالمهمة، مع تحذير صارم: "هذه مكتبة ال

  • خلف اسوار اوزبروك    بداية جديدة

    اغلقت ليان باب الغرفة الصغيرة المخصصة لها في جناح الخدم، و استندت بظهرها إليه و هي تطلق زفيراً طويلاً لطالما حبسته في صدرها. الغرفة كانت بسيطة جداً؛ سرير خشبي صغير، و خزانة متواضعة، لكنها بالنسبة لليان كانت تبدو كالملجأ الأعظم كانت نظيفه و رائحتها جميله. الرائحة المنعشه التي تفوح من جميع اركان القص

  • خلف اسوار اوزبروك    صفقه قذره

    في الجانب المظلم من مدينة "أوزبروك"، حيث تلتقي الأزقة الضيقة برائحة الخمر الرخيصة و العفن، انفتح باب السقيفة المتهالك بعنف للمرة الثانية في تلك الليلة. لكن هذه المرة، لم يكن جابر مراد هو المستيقظ، بل كان غارقاً في نومه الثقيل مدفوعاً بآخر قطرات الخمر التي تجرعها.اندفع "سالم" إلى الداخل كالإعصار، و

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status