로그인في الجانب المظلم من مدينة "أوزبروك"، حيث تلتقي الأزقة الضيقة برائحة الخمر الرخيصة و العفن، انفتح باب السقيفة المتهالك بعنف للمرة الثانية في تلك الليلة. لكن هذه المرة، لم يكن جابر مراد هو المستيقظ، بل كان غارقاً في نومه الثقيل مدفوعاً بآخر قطرات الخمر التي تجرعها.اندفع "سالم" إلى الداخل كالإعصار، و عيناه تشتعلان بغضب أعمى و جنون. اندفع نحو السرير المهترئ
، و قبض على قميص جابر الممزق يرفعه بحدة و هو يصرخ في وجهه: "استيقظ أيها العجوز اللعين! استيقظ قبل أن أدفنك حياً هنا!"جفل جابر و اعتدل برعب، و عيناه الحمراوان تحاولان التركيز على ملامح سالم الشرسة. "ماذا.. ماذا هناك؟ سالم؟ ما الذي تفعله في بيتي لماذا تصرخ سالم :""أين ابنتك؟" زأر سالم و هو يدفع جابر للوراء بقوة جعلت السرير الخشبي يئن. "أين ليان؟ اين اختفت ؟ جابر : ماذا ليان.... سالم بغيظ :لا تتظاهر بالغباء! لقد خططتما لهذا معاً، أليس كذلك؟ أرسلتَها إليّ لتتظاهر بالدلال، و بينما كنتُ أحضر لها شراباً ليحمي جسدها من البرد ، سرقت محفظتي الراقية! المحفظة التي كانت ستغير حياتي!" عقد جابر حاجبيه مذهولاً، و التفت بغريزة نحو المخبأ أسفل السلم ثم نحو الغرفة العلوية و هو يصيح: "ليان! ليان!" لكن الصمت كان الجواب الوحيد. الغرفة كانت فارغة تماماً من أنفاسها.وقف جابر على قدميه المترنحتين، و بدأت ملامح الصدمة تتحول إلى غضب عارم أكل ما تبقى من عقله المخمور. "هربت؟ اللعينة هربت؟ و معها محفظة مليئة بالمال؟" تذكر فوراً و عيد صاحب الحانة و الديون التي كانت ستسقط عن كاهله لو أنه باعها في الصباح. لقد أفلتت الدجاجة التي تبيض له ذهباً، و أخذت معها غنيمة أخرى."أقسم لك يا سالم، لا علم لي بشيء!" قال جابر و هو يضرب بقبضته على الطاولة المهتزة، و عروق عنقه بارزة من شدة الغيظ. "تلك الأفعى الصغيرة خدعتنا جميعاً! لقد تظاهرت بالخوف طوال الأشهر الماضية لتفعل هذا؟"تراجع سالم خطوة إلى الوراء، يتنفس بصعوبة، و عقله يزن الكلمات. أدرك أن جابر صادق، و أن ليان كانت أذكى منهما معاً؛ لقد خططت و نفذت و هربت بمفردها وسط عاصفة المطر."إذن.. أين يمكن أن تذهب فتاة بمفردها في هذه الليلة؟" سأل سالم بنبرة حاقدة كان جابر مراد في مزاج سيئ. بل في مزاج أسوأ مما اعتاده أهل حي المداخن. جلس على كرسيه الخشبي المتهالك داخل المنزل الصغير، يحدق في زجاجة الخمر شبه الفارغة أمامه. اختفت ليان. و اختفى معها المال الذي كان ينتظر الحصول عليه. كلما تذكر وجه صاحب حانة الغراب الأسود و هو يغادر غاضبًا، شعر برغبة في تحطيم شيء ما تراجع سالم خطوة إلى الوراّء، يتنفس بصعوبة و عيناه تشتعلان حشداً. أدرك أن العجوز صادق، و أن ليان خدعتهما معاً و هربت في عتمة الليل.بصق جابر على الأرض بغضب أعمى، و صاح بصوت أجش و هو يلوح بيده: "تلك العاقة اللعينة! لابد أنها تختبئ في أحد البيوت المهجورة عند أطراف الحي، أو ربما لجأت لأحد الخمارات البعيدة! فتاة بمفردها في هذا البرد لن تصمد طويلاً، لابد أنها مرعوبة الآن و تتضور جوعاً في مكان ما!"اقترب جابر من سالم، و تعلقت نظراته الطماعة بوجه السارق الشاب ، و تابع بفحيح مقزز: "اسمعني يا سالم.. بمفردك لن تجدها في جحور هذه المدينة، و بمفردي أنا عجوز لا أملك الطاقة لملاحقتها. لنضع أيدينا معاً. نبدأ من الصباح بقلب كل خمارة، و زقاق، و بيت مهجور في أوزبروك شبرًا بشبر. و عندما نجدها.."صمت جابر لثوانٍ، ليعطي كلماته القادمة وزناً مرعباً، ثم تابع بابتسامة صفراء أظهرت أسنانه المتهالكة: ".. عندما نجدها و نسترد المال، سأعطيها لك.. ستكون ملكك تماماً، تفعل بها ما تشاء لشهر كامل دون أن أتدخل! أليس هذا ما كنت تتمنى الحصول عليه؟ و بعدها سأبيعها لصاحب الحانة ليأخذ ما تبقى منها و تسقط ديوني".أبرقت عينا سالم بجشع شهواني مخيف. صورة ليان بجمالها النادر، ودلالها المصطنع قبل قليل، و منحنيات جسدها و وجهه الجميل وشفتاها المستديره الحمراء كالكريز خطرت في عقله كالجمر. شهر كامل يملك فيه تلك الفتاة المتكبرة؟ لطالما حلم بامتلاكها هذا الثمن جعله ينسى غضبه فوراً.ابتلع سالم ريقه، و لمعت عيناه في الظلام و هو يمد يده الخشنة ليصافح جابر بقوة: "اتفقنا أيها العجوز.. أقسم لك، لو كانت تختبئ تحت أكوام القمامة في هذه المدينة سأسحبها من شعرها. ليان لن تفلت منا". ضحك الاثنان و برقت عيناهم بشراره الطمع جابر اخيرا وجد من يستطيع ترويض ليان سنوات و هو يحاول ان يستفيد منها لكن في كل مره تهرب او تتسبب في فضيحة حلم بالاموال التي سيحصل عليها و بينما كانت أيديهما تتشابك، لم يكن أي منهما يدرك أن ليان أصبحت أبعد مما يتخيلان. في تلك اللحظة كانت خلف أسوار قصر الكيلاني. لكن ذلك لم يمنع الخطر من الاقتراب.كانت قمم جبال بلومفيلد الشاهقة تغرق ببطء في ليل شديد البرودة، في حين اندلعت ألسنة النيران الضخمة في معسكر رجال نزار الرويعي، تلتهم الحطب وتنفث الدفء في الأرجاء. تصاعدت صخب الضحكات الخشنة الممتزجة بنشوة النصر، وقرعت الكؤوس المعدنية ببعضها صانعة لغواً صاخباً، بينما كانت الخيول المحملة بغنائم الغزوة الأخيرة تُقاد إلى الإسطبلات الخشبية. وسط هذا الصخب العارم، كان نزار يقف وحيداً بمعزل عن الاحتفال. عند طرف الساحة ، يراقب رجاله بعينين حادتين ويداه معقودتان خلف ظهره بوقار حذر. دنا منه شهاب بخطى وئيدة بعد أن فرغ من تفقد نقاط الحراسة المحيطة بالمعسكر ، وانحنى أمامه باحترام يليق بمقامه قائلاً: — "طاب مساؤك يا سيدي، لقد أُحكمت الحراسة حول المداخل كلها خشية أي مباغتة." التفت إليه نزار ببطء، ولم يحرك ساكناً وهو يلقي سؤاله بنبرة جافة: — "دعك من بوابات المعسكر الآن، وأخبرني عن حال ضيفنا القابع في الكوخ؛ كيف اصبحت جراحه؟" أخفض شهاب نبرة صوته وأجاب: — "لقد تماثل للشفاء بشكل أدهشنا جميعاً، وغدا قادراً على الوقوف والتردد في جنبات الغرفة بمفرده دون حاجة لعون." رف
انفتح الباب الحديدي الكبير ببطء. وقفت ليان للحظة في مكانها، وكأنها لا تصدق أنها عادت إلى هذا المنزل مرة أخرى. كان الحارس يقف بجانب البوابة، وقال بصوت خافت و سعيد فقد كان يراها كل يوم تبكي و يهتز لكن لم يستطع فعل شيء : — ادخلي... الصغير لا يتوقف عن البكاء. ركضت ليان نحو الداخل، وثوبها البسيط يلتف حول قدميها. ما إن دخلت الصالة حتى وجدت السيدة صفاء تقف في انتظارها. توقفت ليان فورًا. خفضت رأسها باحترام. ثم همست:— شكرًا لك يا سيدتي... وهمّت بأن ترفع يد صفاء لتقبلها. لكن صفاء سحبت يدها بهدوء. وقالت ببرود:— لست هنا برضايا . ثم أشارت نحو الطابق العلوي. — الطفل في غرفته ارضعيه...ثم غادري فورا . لم تقل ليان كلمه تحركت بسرعه صعدت الدرج بلهفه ، وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كانت صرخات نوح تُسمع قبل أن تصل إلى الغرفة. دفعت الباب فرأت المربية تحاول تهدئته دون جدوى. وما إن وقع بصر الطفل عليها... حتى خفت بكاؤه للحظة، وكأنه شعر بوجودها. اقتربت ليان بخطوات مرتجفة. مدت ذراعيها ناولتها المربية الطفل بصمت. وما إن استقر بين ذراعيها... حتى هدأ نحيبه تمامًا اختفت الصرخات. وتحولت إلى
مرّ يومان كاملان منذ غادرت ليان المنزل الريفي. لم تغادر الريف لم تستطيع الابتعاد عن نوح . استأجرت كوخًا خشبيًا صغيرًا يقع على مسافة قصيرة من أملاك آل الكيلاني، وأنفقت معظم المال الذي تركته لها السيدة صفاء مقابل ذلك الكوخ البسيط وبعض الحاجيات الضرورية. لم تكن تخطط لمستقبل جديد. ولم تكن تبحث عن بداية أخرى. كل ما كانت تريده هو أن تبقى قريبة. قريبة بما يكفي لترى الدخان المتصاعد من مدخنة المنزل. وقريبة بما يكفي لتخبر نفسها أن طفلها ما زال هناك . يتنفس معها تحت السماء نفسها. مع إشراقة كل صباح... كانت ليان تتجه بصمت إلى خارج أسوار المنزل الريفي. تقف خلف البوابة الحديدية البعيدة. لا تطرق الباب ولا تطلب رؤيته. كانت تكتفي بالنظر إلى النوافذ لساعات طويلة. ثم تعود مع حلول المساء إلى كوخها الصغير. كانت تعرف أن أحدًا يراقبها. لكنها لم تهتم فوجودها هناك كان الشيء الوحيد الذي يمنحها القدرة على التنفس. أما داخل المنزل... فلم يكن الهدوء الذي توقعته السيدة صفاء موجودًا. منذ الليلة الماضية...لم يتوقف الطفل عن البكاء. كانت صرخاته الصغيرة تملأ أرجاء المنزل ، حتى بدت الجدران نفس
مرّ اليومان ببطء قاتل لم تغادر ليان غرفتها. كانت تستيقظ كل مرة على وهم بكاء طفلها ، ثم تكتشف أن الغرفة غارقة في الصمت. كانت تتوسل للخدمات ان يأتوا لها ب نوح لثوانٍ فقط لكن رفضوا خوفا من صفاء في صباح اليوم الثالث...فُتح الباب. دخلت السيدة صفاء كانت تحمل حقيبة صغير ، وضعتها فوق الطاولة القريبة دون أن تنظر إلي ليان. ثم قالت ببرود:— لقد انتهى ما بيننا يا ليان. رفعت ليان رأسها ببطء. كانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء. أكملت صفاء:— هذا المال لكِ. يكفي لتبدئي حياة جديدة بعيدًا عن أوزبورك. وخذي معكِ كل ما تحتاجينه. أما نوح ...فسيكون وريث الكيلاني نظرت ليان إلى الحقيبة، ثم أعادت بصرها إلي صفاء نهضت بصعوبة من فوق الفراش. وسارت حتى وقفت أمامها. قالت بصوت مبحوح:— لا أريد المال. ظلت صفاء صامتة. تابعت ليان:— لم أوافق على شروطك من أجل الذهب. وافقت لظني أن هذا هو الطريق الوحيد لحماية ابني. ارتخت شفتاها وهي تحاول حبس دموعها. — لكنني لم أتخيل أنني سأغادر... قبل أن أحمله حتى بين ذراعي. خفضت رأسها قليلًا. ثم قالت برجاء هزيل:— أرجوكِ يا سيدتي... لدي طلب واحد فقط. نظرت إل
جاءت ليلة المخاض أخيرًا... وجاء معها الوجع الذي خشيت ليان وصوله منذ أشهر. استيقظ المنزل الريفي كله على وقع صرخاتها. هرعت القابلة، واستُدعي الطبيب على عجل، بينما راحت الخادمات يركضن بين الغرف يحملن الماء الساخن والأغطية النظيفة. أما السيدة صفاء...فكانت تقف عند نافذة الغرفة في صمت تترقب كانت أصابعها كانت تنقبض حول بعضها بقوة حتى ابيضت مفاصلها. . مر الوقت ساعه بعد اخري دون وصول الطفل و صرخات ليان تزداد ضعفًا مع كل موجة ألم. حتى ان الطبيب نفسه بدأ ينظر إليها بقلق. قال وهو يحاول تهدئتها:— تماسكي...لم يبق الكثير. لكن جسد ليان كان قد استنفد كل ما يملك من قوة. كانت تشعر أن الحياة تنسحب منها شيئًا فشيئًا. وكلما أغمضت عينيها...رأت فارس. رأت ابتسامته ووعده الذي لم يتحقق تذكرت اللحظات التي كانت فيها بين ذراعيه كيف كان يحنو عليها . همست بين شهقاتها:— فارس...أرجوك...عد لي احتاج لوجودك وفجأة...اخترق الغرفة صوت بكاء صغير. صوت ضعيف...لكنه ملأ المكان بالحياة. رفع الطبيب رأسه مبتسمًا. وقال:— إنه صبي. انفرجت شفتا ليان بابتسامة باهتة. وسالت دموعها بصمت. نجا...طفلهما نج
استسلمت ليان لمصيرها الذي حيكت خيوطه بعناية، وغادرت برفقة السيدة صفاء إلى ذلك المنزل الريفي التابع لعائلة الكيلاني بعيدا عن ضجيج مدينة أوزبورك وعيون فضولييها. كان المكان في ظاهره تحفة معمارية تنطق بالفخامة والسكينة، لكنه في عمق وجدانها لم يكن سوى سجن أنيق؛ إذ كانت أسواره الحجرية العالية تحول بينها وبين الحياة ، بينما كان الحراس المنتشرون عند البوابات لتذكيرها كل صباح بحقيقتها المرة: هي ليست ضيفة تكرم ، بل سجينة ترقب أجلًا مسمّى، وتنتظر اللحظة الموعودة لانتزاع طفلها من بين أحشائها .تذكرت المره الوحيده التي جاءت الي هذا المكان كل ركن هنا ذكرها بفارس مرت الأيام رتيبة وثقيلة، وكأن عقارب الزمن أصيبت بالشلل منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي اختفى فيه فارس. وكان كل صباح يتكرر بالوتيرة ذاتها؛ تستيقظ ليان، و تفتح نافذة غرفتها لتتأمل الطريق الترابي الممتد بين وعورة الأشجار. لم تكن تملك سببًا منطقيًا، لكن نبضات قلبها كانت تهمس لها عند كل شروق بأنه سيعود حتمًا ، وفي كل مساء، كانت تغلق النافذة والدمع ملء عينيها وهي تقول لنفسها بالعبارة ذاتها: — "ربما يحمله ا
اغلقت ليان باب الغرفة الصغيرة المخصصة لها في جناح الخدم، و استندت بظهرها إليه و هي تطلق زفيراً طويلاً لطالما حبسته في صدرها. الغرفة كانت بسيطة جداً؛ سرير خشبي صغير، و خزانة متواضعة، لكنها بالنسبة لليان كانت تبدو كالملجأ الأعظم كانت نظيفه و رائحتها جميله. الرائحة المنعشه التي تفوح من جميع اركان القص
لأول مرة في حياتها، جلست ليان داخل عربة حقيقية.ليس عربة نقل مهترئة كتلك التي كانت تمر أحيانًا في حي المداخن، بل عربة فاخرة مبطنة بالمخمل الداكن، تتمايل بهدوء فوق الطريق الحجري المؤدي إلى التلال الشمالية.كانت تشعر بالتوتر من مجرد لمس المقاعد.المطر ما زال يهطل بالخارج، بينما ساد داخل العربة دفء لط
كان المطر قد تحول إلى قطرات ثقيلة تغسل أرصفة "أوزبروك" الحجرية، عندما كانت "ليان" تتبع أثر "سالم" بخطوات ناعمة وئيدة كقطة تتربص بفريستها. كانت تعلم تماماً أين يتجه؛ فالسارق لا يذهب بعد غنيمته الكبرى إلا إلى جحره، و جحر سالم كان زاوية معتمة مهجورة في نهاية الزقاق، بعيداً عن أعين الحراس. توقفت ليان
لم تكن الأزقة الضيقة لمدينة "أوزبروك" ترحم أحداً في الشتاء، لكنها في القرن الثامن عشر كانت أشد قسوة على النساء اللواتي وُلدن بلا ألقاب عائلية تحميهن، أو ذهبٍ يشتري لهن الأمان . بالنسبة لـ "ليان"، لم يكن البرد القارس الذي يتسلل عبر شقوق الجدران الخشبية هو ما يرتعد له جسدها. كانت تضغط بكفيها الصغيرت







