INICIAR SESIÓNمجرد النطق باسم مالك كان كفيلًا بإفقاده صوابه. استقرت عينا كنان على الطفلة الباكية بين ذراعي، وشعرت بغريزتي تحثني على الابتعاد خطوة. علت وتيرة تنفسه: "هل ترككِ ذلك النذل في منتصف الطريق؟"
لم أرد استرجاع تلك الذكريات المؤلمة: "فعلتم ما يكفي لتشابهوا صنيعه." لماذا يأتي الخير من الغرباء إن كان إخوتي الأقربون قد خذلوني؟
تدخل كانير بنبرة هادئة محاولاً نزع فتيل الأزمة، فهو العاقل دائماً بيننا، بينما كنان يمثل شرارة النار، وأخينا الثالث أورغوت لو كان هنا لقلب المكان رأساً على عقب.
"تعال يا كنان لنخرج قليلاً، دعي ليليان تهدئ الرضيعة."
رمقني كنان بنظرة أخيرة وغادر الغرفة، تبعه كانير وهو يبتسم لي باعتذار وأغلق الباب خلفه. لكنهما لم يغادرا المنزل، بل بقيا يتربصان في الخارج.
نظرت إلى رضوى بابتسامة متوجعة: "ها قد تعرفتِ على خوالكِ جزئياً يا ابنتي."
مضت خمس دقائق على نوم رضوى، بينما مرّت عشرون دقيقة على خروج أخيّ اللذين لا يزالان مرابطين في الخارج. كنت أقاوم البكاء بضراوة؛ فلو انههرت، لن أستطيع التوقف.
لم أجرؤ على مغادرة الغرفة، وعجزت عن إيجاد مخرج لهذا المأزق. وفي لحظة تهور غاضبة، اعترفت لتوّي بأن مالك هو والد رضوى.
لقد وضعت مالك في كفة، ورضوى في الكفة الأخرى، ووجدت نفسي عالقة تماماً في المنتصف.
طرق خفيف ومتردد تردد مرتين على الباب. بدا وكأن لا مفر. نهضت بخطوات بطيئة ومتثاقلة نحو الباب. وحين فتحته بأصابع مرتعشة، ظهر كانير أمامي.
خرجت بهدوء دون أن أنطق بكلمة، ملقية نظرة أخيرة على طفلتي قبل أن أغلق الباب. أخذ كانير نفساً عميقاً وقال: "أحاول ضبط أعصاب أخي قدر الإمكان، فكوني هادئة أرجوكِ يا جميلتي."
هززت رأسي بخفة: "إن مسّ ابنتي سوءاً، فلن أضبط أعصابي." هذا كل ما يهم.
خفض كانير بصره: "أخي قد يؤذي أي شخص إلا ابنته.. أعلم أنك لا تريديننا، لكننا أخوالها يا ليليان."
صمتنا معاً وخطونا نحو غرفة المعيشة حيث وجدنا كنان جالسًا على الأريكة البيضاء، دافناً رأسه بين كفيه.
جلست قبالته مباشرة. فرفع رأسه ببطء، وعيناه محممرتان من شدة الغضب: "اللعنة، ذلك اللعين هو عدونا اللدود!"
أجبته بصوت خافت ومتعب: "وربما لهذا السبب أنا هنا اليوم."
عقد حاجبيه فوراً: "ماذا؟"
أخذت نفساً عميقاً لأملأ صدري بالهواء: "مالك عدوكم، وقد استغلني لتحقيق غاياته من خلالكم. أدركت منذ اليوم الأول أنه يستغلني، لكن لولا عداوتكم لما التقيته من أساسه ولما كنت هنا الآن. بدل لومي، انظروا إلى ما اقترفته أيديكم." كانوا يشعلون الحرائق في كل مكان.
"كنت تعلمين وسمحتِ له باستغلالكِ؟"
هززت رأسي بابتسامة ساخرة: "بالضبط."
رأيت عروق يده تبرز وهو يشد قبضته، ورمى ببصره نحو السقف: "ستجننينني حقاً! أعلم أنه عدوي، لكن الرجل مجنون يا ابنتي! كيف اخترتِ من بين كل رجال العالم هذا الوغد؟"
أغلقت عيني ببطء: "أغلق هذا النقاش، فهو يتزوج قريباً." ثم رمقتهما بنظرة تفقدية: "وإن تجرأ أحدكم وأخبره بوجود طفلة له، فلن أبقي عليكما."
ضحك كنان بتهكم: "لا يعلم بالأمر أصلاً، أليس كذلك؟" وما كان له أن يعلم.
"تماماً." أدارت وجهي وأنا أبلع ريقي بمرارة: "بل... إنه يتزوج." مالك يتزوج. "لن أعترض طريق سعادته."
مال برأسه قليلاً وتمتم بسخرية خافتة: "أي سعادة هذه."
كان كانير يراقبنا بصمت مطبق قبل أن يتنفس بعمق ويتحدث: "هذا قرارك وحدكِ، لكن عليكِ التفكير في المستقبل. حين تكبر ابنتك وتسأل أين أبوها، ماذا ستجيبينها؟ ألن تبتعد عنك حين تعرف الحقيقة، أو ألن تكرهك إن اكتشفت أنكِ كذبتِ عليها؟"
هذا الهاجس كان يمزقني كل يوم. أنا أؤمن بقول الحقيقة كما هي؛ لتكرهني إن شئت، لكن ألا تعيش في كذب. "سأتصرف."
"تصرفي كما شئتِ!" لم أهتم بسخرية كنان.
"اذهبا الآن، ولا تعودا مجدداً، لا تتصلا ولا تسألا. لقد انتهى فصل غورسوي بالنسبة لي للأبد. ولن يعلم بوجود ابنتي سِواكما."
نهضت متوقعة منهما الرحيل. أغلق كنان عينه بقوة: "دعي حفل زفاف ذلك الحقير ينتهي، وسآخذكِ إلى تركيا رغماً عنكِ."
"ليس لي شأن بتركيا."
"أبونا مريض!"
لم استوعب العبارة فوراً. شعرت بضغطة مفاجئة وقاسية تعتصر قلبي، وامتلأت عيناي بالدموع حتى بالكاد رأيت أمامي. "ماذا؟"
وقف كنان على قدميه: "أخذناه إلى الطبيب. لا نعلم كم بقي له في هذه الدنيا. لقد أصيب بنوبة قلبية الأسبوع الماضي."
شعرت بشفتي السفلى ترتجف رغماً عني. فكرة أن يرحل أبي مزقت صدري بلا رحمة. "أهو... بخير؟"
"ربما تكون أيامه الأخيرة." رد كانير واقفاً هو الآخر.
سقطت دمعة حارقة من عيني اليسرى، وهززت رأسي نافية بشدة. أبي لا يموت. "خذوه إلى طبيب أفضل. استقدموا أمهر الأطباء واعجنوه بالشفاء."
"فعلنا... لكن الأطباء يقولون إن الأوان قد فوت."
انهارت دموعي بغزارة: "لا، مستحيل." لم يخطر ببالي يوماً أنه سيرحل. مهما قسا عليّ، يظل أبي. بطل الطفولة لا يموت. الأبطال لا يموتون أبداً.
"القرار لكِ إن أردتِ المجيء أم لا يا ليليان." استدار متجهاً نحو الباب وتركتني في مهب الريح. وما إن سُمع صوت إغلاق الباب الخارجي حتى خارت قواي تماماً وارتطمت ركبتاي بالأرض. خبر مرض أبي كاد يقتحمني حياً.
استندت بكفيّ على الأرض ورفعت وجهي. صحيح أنني انقطعت عنه لعام كامل، لكني كنت أعلم أنه يتنفس، أنه بخير في مكان ما. والآن يقولون إنه سيموت.
إن عدت إلى تركيا، فلن يسامحني ولن يكلمني. في اليوم الذي تبرأ فيه من لقبي، انتهيت بالنسبة له. وقد تصرفت بالمثل.
ومع ذلك، إنني لا رغبة لي بالعودة لتركيا، لكن شيئاً في داخلي يحثني على الذهاب. وإن عدت، فيجب أن أخفي رضوى بحذر شديد. وإن صادف والتقيت بمالك، فسأحتاج إلى ذريعة وتقارير تحليل DNA مزيفة؛ لأن مالك إن علم بوجود طفلة له، فسيقتلعها من حضني بقسوة.
فهو يعشق الأطفال، خصوصاً الصغيرات. نهضت عن الأرض، مسحت أنفي، وتوجهت بخطى هادئة نحو غرفة رضوى. فتحت الباب بحذر وتأملت وجهها البريء وهي نائمة. "كل ما أفعله هو لأجل سعادتنا يا ملاكي."
اليوم، دق الماضي بابي.
إخوتي حاسبوني ونظروا في أعماقي.
وعرفت بمرض أبي الخطير.
واضطررت للدفاع عن اسمك واسم طفلتي في عقر داري.
أليس هذا بغريب حقاً؟
الرجل الذي ضحيت بالجميع من أجله، بات اليوم أكبر أسرار حياتي.
أتعلم يا مالك...
أنا غاضبة منك. غاضبة من عائلتي. بل وغاضبة من نفسي.
لكن أكثر ما يوجعني:
أنني بقيت دائماً عالقة بين نيرانيْن.
أبي على وشك الموت.
وأنت على وشك الزواج.
وأنا أقف في منتصف حياة لا تخص أحداً، أحاول حماية طفلة بريئة وحيدة.
إن عدت إلى تركيا، ربما أراك.
وإن لم أعد، قد أفقر أبي للأبد.
الحياة تجبرني على الاختيار مرة أخرى.
لكن تذكر جيداً...
هذه المرة، لن يتمكن أحد من شطبي بجرة قلم في ليلة واحدة.
لأنني لم أعد وحيدة بعد الآن.
طوال الليل لم يغفُ لي جفن. ومنذ تلك اللحظة التي علمت فيها بمرض أبي، وصوتان يتصارعان داخل أحشائي؛ أحدهما يصرخ في وجهي: "اذهبي، وريه للمرة الأخيرة قبل فوات الأوان"، والآخر يهمس بمرارة: "لا تعودي، فما ينتظركِ هناك ليس سوى رماد الماضي".
كانت رضوى نائمة بجانبي في سكينة تامة. وحين أمعنت النظر في أنفاسها المنتظمة، تبدد صخب العالم لأجل غير مسمى، وكأن لا وجود لأعداء يتربصون بنا، ولا حسابات معلقة تنتظرنا.
لكنني كنت أعلم حقاً...
بمجرد أن تطأ قدمي أرض تركيا، سينقلب كل شيء رأساً على عقب.
مالك هناك.
أخوتي هناك. وأبي... ربما يلفظ أنفاسه الأخيرة.انتابني شعور مبهم بالانقباض منذ الصباح الباكر، وكأن كارثةً ما توشك أن تحل. أتمنى حقاً أن يخيّبني حدسي هذه المرة. كنت قد جهزت إفطاري بينما كانت رضوى لا تزال نائمة في سريرها.
غداً... سيتزوج. ذلك القلب اللعين ما زال ينبض بحبه، رغم أن عقلي يلعنه في كل ثانية. اتخذت قراري البائس ليلة أمس: سأذهب. سأذهب لرؤية أبي للمرة الأخيرة، حتى وإن طردني بijفظة غليظة مجدداً.
مع طرقات باب الشقة، أدركت أن كنان وكانير قد وصلا. كانا على يقين تام بأنني لن أرفض العودة، تماماً كما خططوا. سرت بخطى ثقيلة نحو الباب، وما إن فتحته حتى ظهر الثنائي أمامي مباشرة.
تزحزح أحدهما ليفسح المجال، ودلفا إلى الداخل بخطوات واثقة لا تقبل النقاش. تبعتهما بهدوء إلى غرفة المعيشة حيث استقر كنان فوق المقعد الفردي، وألقى عليّ نظرة جانبية مصحوبة بنبرة ساخرة: "أهلاً بكِ أيضاً."
جلست على الأريكة المقابلة له مباشرة: "سأذهب معكم، لكنني لن أضع قدمي في القصر أبداً."
استقر كانير بجانبي على الأريكة، ولم يبدِ أي منهما اعتراضاً على شرطي. بادرني كانير بالسؤال: "أذن، أين ستستقرين؟"
"سأدبر مكاناً لنفسي، بشرط ألا يعلم أحد بوجود طفلتي. وإذا حدث ورأى مالك الطفلة أو علم بأمرها، فعليكما أن تتكفلا بإخفاء الحقيقة تماماً."
ضيّق كنان عينيه ببطء، وخرج صوته كفحيح أفعى: "أول ما سأفعله هو التخلص منه."
رمقته بنظرات واهنة ومثقلة بالإنهاك، وهززت رأسي بيأس: "لا داعي لقتله. الرجل خطب وسيتزوج غداً." تجرعت الكلمات كأنني أبتلاع قطعاً من الزجاج المحترق، وتمنيت لو أن الأرض انشقت وأبلعتني في تلك اللحظة. "فقط... اتركوه ينعم بسعادته."
ليحيا بسعادة سعيدة...
"طالما أنكِ تنطقين بها هكذا، فأقسم أنني سأقتل ذلك النذل بيدَيّ." بدا كنان جاداً لدرجة مرعبة.
أطلقت زفرة طويلة محملة بالقهر: "لا تهذي بلا طائل، ليكن بمعلموك أنه يجب ألا يعرف شيئاً عن ابنتي، وإلا..." وإلا فسينتزعها من بين أحضاني.
ابتسم كانير بخفة ليخفف من حدة التوتر: "اطمئني يا جميلتي، كل ما طلبتِ سيتم، لكن لزاماً علينا التحرك نحو تركيا فوراً. هل يمكنكِ حزم الحقائب بسرعة؟"
التفت إليه بدهشة عارمة. أيعقل أن يطلبا مني السفر في هذه اللحظة بالذات؟ "لم أجد مسكناً بعد، ولا يمكننا السفر اليوم. أمنحوني أسبوعاً على الأقل لأرتب أموري."
"لقد تكفلنا بتأمين المنزل وكل ما يلزم، ما عليكِ سوى اصطحاب ابنتنا ونمضي." أثارت كلمات كنان سخريتي المرة؛ فهما يعلمان تماماً أن والدي ووالدتي لن يغفرا لي ولن يستقبلاني في القصر.
وقبل أن تفر دموعي المتمردة، وقفت وأنا أرد بحدة: "لا حاجة لمساعدتكم، سأتدبر أمري بنفسي، ولن أطيل الغياب هناك، أسبوعان كحد أقصى وأعود." ما إن تجاوزت عتبة الصالون حتى فرت دمعة حارقة هاربة من عيني اليسرى، فمسحتها بعنف وهرعت إلى غرفة رضوى.
ما إن دخلت الغرفة حتى استنشقت عبير الحليب الطاهر؛ رائحة ابنتي التي باتت مقدسة عندي. سحبت حقيبة الأطفال الكبرى من خزانة الملابس، وأخذت أكدس فيها كل ما تحتاجه رضوى وما لا تحتاجه؛ وضعت من كل قطعة اثنتين، وأفرغت علب الحفاضات باهتمام بالغ.
حين انتهيت، اقتربت من المهد بخطوات بطيئة. كانت ما زالت غرقى في نوم عميق، يتصاعد صدرها الصغير بانتظام. غمرتني موجة حنان جارفة فارتسمت ابتسامة دافئة على شفتي، وانحنيت لأحملها برفق شديد بين كفيّ: "بسم الله الرحمن الرحيم."
كان لزاماً عليّ إرضاعها قبل الانطلاق. جلست على المقعد الهزاز، فانعزل العالم بأسره خلف جدران الغرفة؛ لم يبقَ سوى دقات الساعة المعلقة وتنهدات رضوى الناعمة.
حين كشفت عن صدري، حركت رأسها ببراءة باحثة عن دفئي. تلمس أنفها الصغير جلدي بغريزة خالصة، التقطت حلمتي بشفتيها الصغيرتين بحماس مباغت، ثم استقرت في رضاعتها.كانت سحباتها الأولى هادئة، قبل أن تشتد رغبتها فيستقر جبينها الصغير على صدري بتركيز كأنها تؤدي أعظم مهام الكون. وضعت كفها الصغير على جلدي؛ كانت أصابعها بالغة الصغار، لكنها استقرت تماماً فوق قلبي.فتحت عينيها قليلاً وهي ترضع على وتيرة منتظمة، ورمقتني بنظرات خالية من أي خوف أو حسابات قديمة؛ نظرة يغمرها الأمان المطلق.وضعت يدي فوق خصلاتها الذهبية الناعمة. تداخلت رائحة الحليب الدافئ مع أنفاسها، وفي تلك الثواني اختفت تركيا من خارطة وجودي، وتلاشى مالك وأخوتي.لم يبقَ سواي...وفتاتي التي تروي ظمأها.هدأت بالتدريج، وخفت إيقاع امتصاصها للحليب، وثقلت جفناها تدريجياً وكأنها تخشى إن غفت أن أختفي فجأة من أمامها.همست بصوت متهدج: "أنا هنا، لن أرحل."تلطخت زاوية شفتيها بحليب أبيض نقي، وامتد ظفرها الصغير ليخدش جلدي بخفة، لكنني لم أبالِ بالألم.لم يكن ليمسني ألم في تلك اللحظة بالذات.بعد قليل، أدركت أنها شبعت تماماً حين استرخت ملامحها تماماً وأسندت خد
مجرد النطق باسم مالك كان كفيلًا بإفقاده صوابه. استقرت عينا كنان على الطفلة الباكية بين ذراعي، وشعرت بغريزتي تحثني على الابتعاد خطوة. علت وتيرة تنفسه: "هل ترككِ ذلك النذل في منتصف الطريق؟"لم أرد استرجاع تلك الذكريات المؤلمة: "فعلتم ما يكفي لتشابهوا صنيعه." لماذا يأتي الخير من الغرباء إن كان إخوتي الأقربون قد خذلوني؟تدخل كانير بنبرة هادئة محاولاً نزع فتيل الأزمة، فهو العاقل دائماً بيننا، بينما كنان يمثل شرارة النار، وأخينا الثالث أورغوت لو كان هنا لقلب المكان رأساً على عقب."تعال يا كنان لنخرج قليلاً، دعي ليليان تهدئ الرضيعة."رمقني كنان بنظرة أخيرة وغادر الغرفة، تبعه كانير وهو يبتسم لي باعتذار وأغلق الباب خلفه. لكنهما لم يغادرا المنزل، بل بقيا يتربصان في الخارج.نظرت إلى رضوى بابتسامة متوجعة: "ها قد تعرفتِ على خوالكِ جزئياً يا ابنتي."مضت خمس دقائق على نوم رضوى، بينما مرّت عشرون دقيقة على خروج أخيّ اللذين لا يزالان مرابطين في الخارج. كنت أقاوم البكاء بضراوة؛ فلو انههرت، لن أستطيع التوقف.لم أجرؤ على مغادرة الغرفة، وعجزت عن إيجاد مخرج لهذا المأزق. وفي لحظة تهور غاضبة، اعترفت لتوّي بأن
الحياة مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة؛ كأن يختارك والدك ولياً لعهده في ليلة، ثم يتبرأ منك في الليلة التالية. لم تكن لأبي أي أفعال صالحة قط؛ فقد كانت عائلتنا تحيا دائماً في ظل العتمة. لم أعد أعيش في تلك الظلمة، لكنني لست في النور أيضاً. لا أعرف إلى أين ستقودني أقدار هذه الحياة، ولكني أدعو الله أن تكون ابنتي "رضوى" سعيدة مهما تكالبت الظروف.حين انتقلت إلى فرنسا، غيرت لقبي رسمياً. فلم أعد "ليليان نازلي غورسوي"، بل صرت "ليليان نازلي أكسوي".تأملت الوجه الملائكي لطفلتي وهي بين كفيّ، فهمست لها بحنو: "أضحى فداءً لكِ قلب أمكِ. أأنتِ مريضة يا بنيتي؟ هل عجزتُ عن رعايتكِ كما ينبغي؟"كنت أعد وجبة العشاء في المطبخ الداخلي بينما أداعب ابنتي في غرفة المعيشة، ممسكة بعملي عبر جهاز الكمبيوتر من المنزل.كانت رضوى تطلق ضحكاتها البريئة كلما دغدغت بطنها الصغير. ضحكة واحدة كفيلة بأن تشتري لي عمراً كاملاً. "يا نبع حياتي ومعنى أيامي."كم خسرت من الأشياء يا مالك!يبدو أن الجوع قد نال منها، راحت تمتص إصبعي برغبة. ابتسمت لها وأنا أكشف عن صدري، باذخة بالرضاعة من الثدي الأيمن أولاً؛ حيث يتدفق الحليب بغزارة أكبر، فال
ما أبغض التناقض البشري!هل يمكن لإنسان أن يكون في آن واحد لعنة حياتك... ودعوتك المستجابة؟بالنسبة لي، كان هو الاثنين معاً.وها هو الآن يمضي ليكون زوجاً لامرأة أخرى.بينما أبقى أنا هنا، أقتات على ذكرياته، وتركة وجوده، وغيابه الثقيل.حاولت أن أرسم ابتسامة باهتة على شفتي، وهمست لنفسي: "كم هو جميل... ليطاب لهما العيش بسعادة."لكن في قرارة قلبي كنت أصرخ برفض قاطع: لا، ألا يهنأ بامرأة أخرى بعدي أبداً!"ألم يأنِ أوان الندم؟ أخبريني، أكل تلك التضحيات كانت تستحق هذا الثمن؟"أمام نبرة أمي المشفقة، لم أعد احتمل أكثر: "ما إذا كان الأمر يستحق أم لا، فهذا شأني وحدي. وإن كان إخوتي قلقين إلى هذا الحد، فأنا بخير تام. أرجوكم ألا تلاحقوا خطاي بعد الآن. فلن يتغير شيء مهما فعلتم."تسللت عيناي نحو ابنتي الراقدة داخل الغرفة. كانت البصيص الوحيد من النور في هذه الحكاية المظلمة. وكلما نظرت إليها، أدركت أنني محظوظة بوجودها وحدها.أنهيت المكالمة وأعدت الهاتف إلى جيبي. أسندت جبهتي إلى الزجاج الفاصل وأطلقت تنهيدة طويلة. هل كُتب عليّ العيش في شقاء وأحزان أبدية؟آمنت تماماً أن مالك قد عاد لحياته الطبيعية وسعد من دون
ليليان POV"هل تعلمون ما الذي يغير الأنثى أكثر من أي شيء آخر؟ليس الحب.ولا حتى الخسارة.ما يغيرها حقاً هو أن تستيقظ لتجد نفسها وحدها، مستعدة لإعلان الحرب على العالم بأكمله من أجل نبضة صغيرة تتنفس بين أحضانها.""هيا يا عزيزتى، فحليبي قليل أصلاً... ارضعي هيا."كنت أضم ابنتي إلى صدري وأبكي معها بمرارة. كانت ترفض الثدي بإصرار غريب. أتمت شهرها الرابع للتو، وأصبحت شديدة الدلال، وجسدها الصغير بالكاد يستقر بين يدي بينما تتصاعد شهقاتي المكتومة.أطبقت بأصبعين على حلمة صدري وضغطت عليها برفق، ثم قربتها من فم رضوى، لكنها أدارت وجهها وابتعدت. تراجعت للخلف كأنني أشاركنها وجعها. طوال هذه الأشهر الأربعة، كنت وحيدة تماماً؛ لم يعلمني أحد كيف أتعامل مع الرضاعة بالطريقة الصحيحة. بالطبع أعرف كيف أطعمها، لكنني عجزت تماماً عن فهم سبب صراخها المستمر.نهضت من مكاني وأنا أستميت لأكتم شهقاتي، بينما استمرت ابنتي في البكاء بلا هوادة. لم يعد لدي متسع لاحتمال المزيد. لم تكن رعاية طفلتي عبئاً عليّ قط، فهي قطعة مني جلبتها إلى هذا العالم بملء إرادتي، لكن إحساس الوحدة كان يمزق صدري من الداخل.حين تحولت نبرة بكائها إلى







