Masuk
ليليان POV
"هل تعلمون ما الذي يغير الأنثى أكثر من أي شيء آخر؟
ليس الحب.
ولا حتى الخسارة.
ما يغيرها حقاً هو أن تستيقظ لتجد نفسها وحدها، مستعدة لإعلان الحرب على العالم بأكمله من أجل نبضة صغيرة تتنفس بين أحضانها."
"هيا يا عزيزتى، فحليبي قليل أصلاً... ارضعي هيا."
كنت أضم ابنتي إلى صدري وأبكي معها بمرارة. كانت ترفض الثدي بإصرار غريب. أتمت شهرها الرابع للتو، وأصبحت شديدة الدلال، وجسدها الصغير بالكاد يستقر بين يدي بينما تتصاعد شهقاتي المكتومة.
أطبقت بأصبعين على حلمة صدري وضغطت عليها برفق، ثم قربتها من فم رضوى، لكنها أدارت وجهها وابتعدت. تراجعت للخلف كأنني أشاركنها وجعها. طوال هذه الأشهر الأربعة، كنت وحيدة تماماً؛ لم يعلمني أحد كيف أتعامل مع الرضاعة بالطريقة الصحيحة. بالطبع أعرف كيف أطعمها، لكنني عجزت تماماً عن فهم سبب صراخها المستمر.
نهضت من مكاني وأنا أستميت لأكتم شهقاتي، بينما استمرت ابنتي في البكاء بلا هوادة. لم يعد لدي متسع لاحتمال المزيد. لم تكن رعاية طفلتي عبئاً عليّ قط، فهي قطعة مني جلبتها إلى هذا العالم بملء إرادتي، لكن إحساس الوحدة كان يمزق صدري من الداخل.
حين تحولت نبرة بكائها إلى صراخ هستيري، تسلل الرعب الحقيقي إلى أعماقي. كانت حفاضتها نظيفة، وتخلصت من الغازات المتراكمة في بطنها، لكنها رغم ذلك ترفض الحليب تماماً. وسط دموعي المنهمرة، وضعتها بسرعة على فراشي، وتناولت هاتفي المحمول لأطلب المساعدة، لكنني تجمّعت في مكاني وأنا أتساءل: بمن أستعين؟
بعد أن تبرأت مني عائلتي بشكل كامل، لمن ألجأ؟
ألقيت الهاتف جانباً بيأس، وعدت لأحتمي بجانبها. ركضت أصابعي المرتجفة على خصلات شعرها الأشقر بينما غرقت في نوبة بكاء جديدة. "لا تبكي يا حبيبتي، أرجوكِ... أسألكِ بالله ألا تبكي يا صغيرتي."
التقطت الهاتف مجدداً، وعزمت على تشغيل أغنية السمكة الحمراء علّها تهدأ، لكن الصراخ استمر بلا توقف. تذكرت حديث أمي سابقاً عن أحد أطفال العائلة حين قالت إن طفلاً كاد يفقد عقله من كثرة الصراخ. الخوف على ابنتي تملكني بالكامل. بلا تردد، وبأصابع ترتجف بشدة، ضغطت على رقم أمي.
بعد انقطاع تام دام سنة كاملة.
جاء الصوت الجاف من الطرف الآخر بعد الرنة الرابعة: "ماذا هناك؟"
حملت النبرة من القسوة ما منعني من الاستمرار في الوهم، فابتلعت ريقي بصعوبة بالغة.
"أنا... أنا آسفة لإزعاجك في مثل هذا الوقت المتأخر، لكني بحاجة ماسة لسؤالك عن أمر هام."
لم أكن أجرؤ على إخبارها بأمر الطفلة؛ فلو علموا بوجود حفيدة لي من ذلك الرجل، لقتلوها أولاً ثم أجهزوا عليّ.
"ما الذي دهاكِ في منتصف الليل؟ وهل أسمع صوت طفل يبكي هناك؟"
"صديقتي المقربة أودعت طفلتها عندي هذه الليلة، لكنها لا تهدأ أبداً. لم تكن تفعل هكذا من قبل... برأيكِ ما عِلّتها؟"
صمتت أمي لثوانٍ معدودة قبل أن ترد بجفاء قاتل: "هل حفاضتها نظيفة؟"
هززت رأسي بسرعة كأنها تتابعني عبر الزجاج: "نعم."
"ربما تعاني من الغازات."
"ليست غازات، لقد رفضت الحليب تماماً."
سمعت تنهيدتها العميقة قبل أن تأمرني بحدة: "تحسسي حرارتها إذن يا ليليان!"
بمجرد أن نطقت باسمي، انحنيت بسرعة وطبعت شفتي على جبهة ابنتي. كانت تلفح بحرارة مرتفعة كالجمرة. انقطع أنفاسي وتسمرت في مكاني.
"حرارتها مرتفعة... مرتفعة جداً."
وققبل أن تسترسل، سمعت صوت أبي يصدح من الخلف: "أيتها المرأة! انهضي، لقد أعددنا المائدة أنا والغلام."
لو كان الأمر في وقته لآلمني ذلك التجاهل، لكن كل ذرة في كياني كانت متركزة حول سخونة ابنتي.
"خذيها إلى المستشفى إذن، ليس بيدنا ما نفعل." وبصوتها البارد المعتاد أنهت المكالمة دون اكتراث.
رميت الهاتف في جيبي وحملت ابنتي بين ذراعي. كيف لم أشعر بارتفاع حرارتها قبل الآن؟ اللعنة عليّ!
ما إن غادرت المنزل حتى ثبتّ مقعد الطفلة الخاص بسيارتي وأجلست رضوى فيه. ضغطت على دواسة الوقود بكل قوتي، منطلقة نحو المستشفى القريب الذي لا يبعد سوى خمس دقائق. الفزع أكل عقلي تماماً وجعل تفكيري مشوشاً.
بين صراخ ابنتي وشهقاتي التي لم تتوقف، كنت أردد: "يا أمي، أفديكِ بروحي، لا تبكي."
اخترقت شوارع فرنسا بسرعة جنونية حتى وصلت إلى طوارئ المستشفى خلال دقائق معدودة. ترجلت وأنا أحتضن الصغيرة، ودخلت من باب الطوارئ بلهفة. اقتربت مني إحدى الممرضات، فشرحت لها الموقف سريعاً بالفرنسية:
"ابنتي تعاني من حرارة شديدة ولا تكف عن البكاء."
أخذت الممرضة الطفلة من بين يدي متجهة إلى الداخل، فتبعتهما بخطى مرتعشة، بينما أخبرتني مهدئة بالفرنسية: "اطمئني، سنعتني بالطفلة، يرجى إتمام إجراءات التسجيل في الاستقبال."
حين أخذوا رضوى إلى الداخل وغابت عن نظري، عاودت الدموع الانفجار من عيني. هجم عليّ رعب عارم عطل قدرتي على التفكير، وشعرت باختناق حاد في صدري؛ فكرة أن تتعرض ابنتي لأدنى أذى كانت كفيلة بتمزيق روحي.
تماسكت بسرعة وهرعت إلى شباك الاستقبال، وما إن أكملت الأوراق حتى وقفت كالمجنونة أمام باب الغرفة التي دخلوها.
من خلال الفتحة الزجاجية، رأيت حاضنات عدة تملأ المكان، وكانت رضوى في المنتصف تماماً. هدأ بكاؤها قليلاً، لكن الممرضة كانت لا تزال تقف إلى جوارها. كنت أرمقها بعينين دامعتين حين صدح رنين هاتفي في جيبي. أخرجته لأجد أن المتصل هي أمي مجدداً. توقفت أنفاسي للحظة قبل أن أضغط على زر الرد مع ابتسامة خافتة زينت شفتي.
بقيت صامتة لخمس أو ست ثوانٍ قبل أن تسأل بنبرة جافة: "هل أخذتِ الطفل إلى المستشفى؟"
"نعم، حالتها تحسنت الآن."
أشعرني سؤالها بنوع من الدفء المباغت؛ إنها تفكر فيها على الأقل، رغم أنها لا تعلم أنها حفيدتها. يا ترى لو علمت، كيف سيكون رد فعلها؟
استمر صمت أمي لبرهنة قصيرة قبل أن تتابع بحدة: "أعيديها إلى والدتها. الأطفال لا يستقيم حالهم إلا بجوار أمهاتهم."
لماذا لم تضميني إلى جناحيها يا أمي؟
خفضت رأسي بابتسامة مريرة وأجبت: "سأفعل."
"وأين تقيمين الآن؟"
مع سؤالها، تسارع نبض قلبي بجنون. كانت تحاول نبش التفاصيل، وهذا سبب اتصالها الحقيقي.
"لو أردتم العثور عليّ لوجدتموني منذ زمن. أرجوكِ انسي أنكِ اتصلتِ بي، لقد فعلت ذلك في لحظة خوف عابرة."
لم أكن قد غيرت سوى لقبي فقط؛ لو أرادوا الوصول إليّ حقاً لما استغرق الأمر ثانية واحدة.
قبل أن أتمكن من قطع الاتصال، صرخت في وجهي: "لا تقطعي الاتصال! لقد بدأ إخوتكِ بالبحث عنكِ منذ البارحة. وبما أنكِ لم تغيري اسمكِ الحقيقي، فالعثور عليكِ بات قريباً جداً!"
حبست أنفاسي في صدري: "سيقتلونني..."
خرج صوتي ضعيفاً وبائساً لدرجة جعلتني أفقر ما تبقى من كبريائي. لو عثر عليّ إخوتي ورأوا ابنتي، فلن يترددوا في إزاحتي من الوجود. خصوصاً أخي كنان وأخي أوسكار؛ فلو علما أن لي طفلة من عدوهم اللدود، سينتهي كل شيء قبل أن يبدأ.
"إخوتكِ يحبونكِ لدرجة تجعلهم عاجزين عن إيذاء حتى شعرة واحدة منكِ. إنهم يبحثون عنكِ فقط لكي يطمئنوا على أنكِ بخير مهما آلت إليه الأمور."
ولكنهم لو علموا أنني أنجبت من عدوهم... لما أبقوا فيّ رمقاً للحياة.
هذه المرة التزمت صمتاً مطبقاً.
"ليليان..."
مجرد نطق أمي لاسمي جعل قلبي يهوي. لم تكن تناديني به إلا إذا حملت نبأً سيئاً أو حين تشتعل غضباً.
"مالك سيتزوج بعد ثلاثة أيام."
مالك... سيتزوج.
ترددت الكلمتان مراراً وتكراراً في باطن عقلي كأن أحدهم شق صدري وملأه بالجليد. صار التنفس ثقيلاً وموجعاً. بعد ثلاثة أيام فقط... ثلاثة أيام. بينما ما زلت أتمتم باسمه في خلواتي، سيكون هو قد مدّ يده لامرأة أخرى. سيحدق في عينيها. وربما... ربما يهمس لها بذات الكلمات التي غزلها لي يوماً.
ضحيت بكل ما أملك، وقفت في وجه عائلتي من أجله. خسرت بيتي، واسمي، وكل دفء عرفته. لكنه... حين فقدني، مضى في دربه كأن شيئاً لم يكن، وكأنني لم أكن سوى محطة عابرة.
وهذا أكثر ما كان يمزقني.
إذن، كنت بالنسبة له مجرد خيار قابل للاستغناء. نزوة عابرة في توقيت خاطئ، أو امرأة زائدة عن الحاجة.
وماذا عن رضوى؟
عقدت العبرة حلقي. المرأة التي سيتزوجها ستحمل طفلتها اسم عائلته، بينما ابنتي المسكينة لن تحمل ذلك اللقب الأبدي أبداً. وربما، في يوم ما، ستسألني ببراءة: "أين أبي؟"... وحينها سأضطر لاختلاق الأكاذيب تلو الأخرى لتخفيف صدمتها.
مالك سيتزوج.
ألسنا نحب بعضنا؟ لا أدري حقاً إن كنت ما زلت أحبه أم لا. لكن الألم العميق في صدري يشهد بأن هناك جزءاً مني ما زال ينزف لأجله. لا أرغب في رؤيته مطلقاً، ولكن فكرة أنني قد لا أراه طوال ما تبقى من عمري تحرقني من الداخل.
وعندما كدتُ أُمسك بضبع الرجل، سدت عشرات السيارات الطريق! ألقيتُ بنفسي إلى الخلف وأنا أتمسك بالمسدس في يدي بصلابة. رغم أنني لم أكن مرئية في تلك اللحظة، كان بإمكاني رؤية الرجال يترجلون من السيارات، والمشاهد التي رأيتها جعلت فمي يقع دهشة! لقد وصل رجال مالك. أهذه أفعاله؟نادى الرجل الذي دخل من باب الحديقة على الآخرين: «يا معلم، يوجد رجل هنا.»«من؟» كان هذا صوت جينغيز.بما أنني كنت في نقطة عمياء، لم يرونني. فحص الرجل نبض الرجل الذي أغميتُ عليه: «إنه حي، وهو أحد رجال آل "كوزغون" يا معلم.»عندما سمعتُ صوت جينغيز الضاحك، سمعتُ أيضاً صوت فرامل سيارة أخرى تصصر بألم: «أين هم؟!» تباً، لقد جاء مالك أيضاً! يبدو أنه لا مفر لي.«على الأرجح هم في المنزل. هذا عمل آل كوزغون.» آل كوزغون هم من أعداء إسماعيل بيك، لكنهم أعداء لمالك أيضاً. إذن فآل كوزغون يعلمون أن رضوى هي ابنة مالك. يجب إنهاء أمرهم في أقرب وقت. هذا بالطبع إن لم ينهِ مالك أمري قبلهم.عندما دخل مالك الحديقة بخطوات حاسمة، اقتربتُ منه بخطوات سريعة ولكن صامتة وأنا بين الأشجار. وفي اللحظة التي شعر بي فيها، صوّبتُ مسدسي نحو جبهته: «إن خطوتم خطوة أخ
كانت ليلة... لكن ليست كأي ليلة تعرفها. كان الهواء ثقيلاً، وكأن التنفس صار أمراً عسيراً. لم يكن الجو مظلماً كلياً، لكن لم يكن ثمة ضوء أيضاً. كان هناك إشراق شاحب ورمادي. لم أكن أفهم أين أنا. كان ما تحت قدميّ رطباً... كالطين. كلما خطوتُ خطوة، صدر صوت خفيف، لزج.نظرتُ حولي. كانت هناك أشجار، لكنها لم تكن كالأشجار العادية. أغصانها منحنية، جافة، وكأنها تمتد نحوي. لم يكن ثمة رياح، لكن الأغصان كانت تتحرك ببطء شديد. وكأن شيئاً ما كان يحركها.بدأ قلبي يخفق كالمجنون.ثم رأيتها.كانت هناك طفلة تقف أمامي.في التاسعة من عمرها تقريباً... شقراء. شعرها متسخ ومتناثر. ثوبها الأبيض قديم وممزق في بعض أجزائه. لكن الأكثر إخافةً كان عينيها. مزيج من الخضرة والزرقة، لكنهما لم تكونا ثابتتين. وكأن شيئاً ما ينهمر ويتماوج داخل عينيها. كلما نظرتُ إليها، اعتصر صدري.تراجعتُ خطوة إلى الخلف.لكنها لم تتحرك. كانت تنظر إليّ فقط. دون أن ترمش بعينها.ثم أدركتُ الأمر. كانت تلك الطفلة هي أنا.طفولتي. لكن... مشوهة، وكأن ثمة خطأً جثيماً فيها.كان بين يديها طفل رضيع. في عامه الأول. كان أشقر أيضاً... لكنني لم أستطع رؤية وجهه. مه
تلك الفترات التي تتكالب فيها كل الأسباب دفعة واحدة... وكأن الكون قد اختارك خصيصاً ليقول لك: "تعال هنا، دعني أُضايقك قاطبةً بعض الوقت." تستيقظ صباحاً، وقبل أن تفتح عينيك حتى، يربض على صدرك ثقلٌ كاباس. لست حزيناً تماماً، ولا تشعر بأنك قوي بحق. أصبحت عالقاً في المنطقة الرمادية الفاصلة بينهما. يصعب عليك الحديث مع الناس، لأنك لا تدري من أين تبدأ. في الحقيقة، لا تتردى كل الأمور إلى الحضيض دفعة واحدة، لكنك تشعر بها هكذا تماماً.والجزء الأشد إثارة للسخط هو أن الحياة، لمن ينظر إليها من الخارج، تبدو وكأنها تسير في مجراها الطبيعي، بينما العاصفة تحتدم وتطحن عظامك في الداخل. الجميع ينتظرون منك الشيء نفسه: أن تبتسم، أن تستمر، أن تظل قوياً. لكنك لا ترغب سوى في التوقف قليلاً، والصمت قليلاً.إنها الفترة التي يكون فيها المرء أبعد ما يكون عن نفسه. تنظر في المرآة، لكن الشخص الذي تلمحه يبدو لك غريباً. لست كما كنت في السابق، ولا كما تتمنى أن تكون.لكن الأغرب من ذلك كله... أنه في مثل هذه الأوقات بالذات، يبدأ الإنسان بالتغير دون أن يشعر. بصمت، وببطء شديد. تنكسر أشياء في داخلك، هذا صحيح، لكن شيئاً آخر ينبت وي
كانت كلماته تشعل الفتيل في عروقي، فسددت لكمة إلى خده الأيمن: «وماذا أظنك فاعلاً يا هذا؟!»زفر "علي" بغضب في وجهي: «أنت تريد سلب حياتها، ألا يكفيك هذا يا خبيث؟»في الحقيقة، لم أكن أنوي سلب حياتها إطلاقاً؛ أردتها فقط أن تذوق ما أذاقتني إياه. وقبل أن أجيبه، تابع كلامه: «ليليان كانت السبب في أن تفقد رحمتك مجدداً. تريد تطبيق مبدأ القصاص، وأنا لن أسمح لك بذلك. حياتها ليست سهلة بالأساس، فلا تزدها صعوبة عليها.»تركت ياقته بغضب والتفتُّ معطياً إياه ظهري. *(الحقيقة مرّة دائماً.)**(أنت ترحل فقط لأن كلامه أثار حنقك.)**(لماذا لا تعترف أنك تخشى فقدان "ليليان" مجدداً؟)*لم أكن أهتم بما تفعله تلك الساحرة، كل ما أردته هو ألا تُحرم من الرحمة كما حرمتني منها.صوت "علي" استوقفني عند خطوة الباب: «يا أخي...» التفتُّ إليه، فتابع: «الرجل الشهم لا تتسع حياته لامرأتين.»علاقتي بـ "جيزيم" لم تعد كما كانت في السابق، أعني قبل ظهور "ليليان". فبعد ظهورها تغير كل شيء بيننا؛ صرنا لا نتلامس، مع أننا لم نكن ننام ليلة دون أن نغرق في أحضان بعضنا. حتى نظرتنا لبعضنا التاثت، وقلّ التقاؤنا وتضاءل تحمُّلنا لبعضنا الآخر، وك
POV: مالك «تباً!» قلتها وأنا أضع يدي الباردة على قفاي. لقد نجحت الساحرة الصغيرة في التغلب عليّ مجدداً. يبدو أنني تعلمت الدرس ولن أستهين بها بعد الآن؛ لقد طرحتني أرضاً بكل ما تعنيه الكلمة. كان الطريق مهجوراً وقاحلاً، يندر أن تمر به سيارة. عندما نهضت عن الأرض، انزلقت سترة عن كتفي، فزفرت بنَفَس عميق وساخن.تلك الساحرة الرحيمة فكرت بي وشرعت عليّ سترتها! غرق جسدي في موجة من الغضب العارم وأنا أدخل ذراعي في أكمام السترة؛ لقد تلاعبت بي وفازت مجدداً. هذه هي المرة الثالثة!أخذت هاتفي الذي تركته في جيبي، ولم يعد أمامي خيار سوى السير على الأقدام. تباً... تباً بحق! لقد أصبحت أضحوكة على يد ساحرة صغيرة. ما الحكمة من فرارها وهي لا تملك مكاناً تقصده؟ حسناً، ربما أخفتها أكثر من اللازم، لكن كل تلك الكلمات القاسية كانت لمنعها من الركوب على رأسي. لم أكن لأكرر أخطاء الماضي اليوم.كان الليل ينقشع معلناً اقتراب الصباح. من يعلم أين ذهبت الآن؟ كنت أتساءل في نفسي عما قاله لها "كينان" ليجلبها إلى هنا. "ليليان" كانت جادة ومصممة على عدم العودة عندما رحلت. في الحقيقة، أنا من قلت لها "ارحلي"، فلو لم تفعل لكانت تلك
ركبتُ السيارة إلى جواره وساد الصمت. أدار "مالك" مذياع السيارة كعادته، وكانت تعزف أغنية قديمة تحكي عن الفراق والندم. أسندتُ رأسي على الزجاج وأنا أبتسم بمرارة... ما أشد سخرية القدر! كان دائماً يحب الاستماع لأغاني الحزن أثناء القيادة. تذكرتُ رحلاتنا القديمة إلى العاصمة؛ لم تكن مجرد أخطاء طيش، بل كانت أصدق وأجمل لحظات عشتها، رغم زيادتها بالوهم.بدأ يدمدم مع كلمات الأغنية ببرود، ملتفتاً إليّ لثانية:— «كِلانا لم يدرك القيمة... والقدر لا يرحم.»ابتسمتُ بسخرية، فأغلق الشاشة بغضب واستخدم هاتفه بيد واحدة بينما يُملس على عجلة القيادة باليد الأخرى. تحدث عبر الهاتف بنبرة حادة:— «ألغوا المتابعة... سأتولى الأمر بنفسي.»كان "مالك" يفضل الترحال بمفرده دائماً رغم كثرة رجاله وأعدائه. استمع للطرف الآخر قاطقاً:— «يا "جنيد"، لا تكثر اللغط! خذ الرجال وانسحب، وسنلتقي غداً في الشركة.».أنهى المكالمة، ليبدأ عقلي بتدبير خطة الهرب. كل ما عليّ فعله هو تحييد "مالك" داخل السيارة. رفعتُ بصري نحو درج السيارة الأمامي... هل ما زال يحتفظ بسلاحه الإضافي هناك؟ـ «سكتي تلك الأفكار في رأسكِ.»فزعتُ من صوته المفاجئ، وحا







