Masukالحياة مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة؛ كأن يختارك والدك ولياً لعهده في ليلة، ثم يتبرأ منك في الليلة التالية. لم تكن لأبي أي أفعال صالحة قط؛ فقد كانت عائلتنا تحيا دائماً في ظل العتمة. لم أعد أعيش في تلك الظلمة، لكنني لست في النور أيضاً. لا أعرف إلى أين ستقودني أقدار هذه الحياة، ولكني أدعو الله أن تكون ابنتي "رضوى" سعيدة مهما تكالبت الظروف.
حين انتقلت إلى فرنسا، غيرت لقبي رسمياً. فلم أعد "ليليان نازلي غورسوي"، بل صرت "ليليان نازلي أكسوي".
تأملت الوجه الملائكي لطفلتي وهي بين كفيّ، فهمست لها بحنو: "أضحى فداءً لكِ قلب أمكِ. أأنتِ مريضة يا بنيتي؟ هل عجزتُ عن رعايتكِ كما ينبغي؟"
كنت أعد وجبة العشاء في المطبخ الداخلي بينما أداعب ابنتي في غرفة المعيشة، ممسكة بعملي عبر جهاز الكمبيوتر من المنزل.
كانت رضوى تطلق ضحكاتها البريئة كلما دغدغت بطنها الصغير. ضحكة واحدة كفيلة بأن تشتري لي عمراً كاملاً. "يا نبع حياتي ومعنى أيامي."
كم خسرت من الأشياء يا مالك!
يبدو أن الجوع قد نال منها، راحت تمتص إصبعي برغبة. ابتسمت لها وأنا أكشف عن صدري، باذخة بالرضاعة من الثدي الأيمن أولاً؛ حيث يتدفق الحليب بغزارة أكبر، فالتفكير المفرط والتوتر الدائم كانا يجففان درّي أحياناً.
بينما كانت رضوى ترتشف طعامها بأمان وسكينة، كانت أصوات شفطها الصغيرة تمنحني الاكتفاء والراحة. لقد كان يومي شاقاً للغاية؛ أعباء المنزل، العمل عبر شاشة الحاسوب، والمتابعة الدائمة لطفلتي. لم تكن رعاية رضوى يوماً ثقلاً، بل تلك التفاصيل الأخرى هي ما ينهك كاهلي.
لكن ما إن ينتهي اليوم وتستقر رضوى بين يدي، حتى تذوب كل تلك المشقة. طبعت قبلة دافئة على خصلات شعرها الأشقر.
قفز قلبي فزعاً مع دقات الباب المفاجئة. فنادراً ما يطرق أحد بابي. نهضت بحذر شديد وطفلتي لا تزال ملتصقة بصدري، فاحتجت وعبست حين فصلتها عن ثديي. اقتربت بخطوات بطيئة لأختلس النظر من عين الباب السحرية.
تسمرت مكاني وأنا أرى وجهين مألوفين تماماً. لقد كان أخي كنان وأخي كانير يقفان في الخارج. أهذا الحد تمكنا من الوصول إليّ بهذه السرعة؟
حملت رضوى بسرعة وأودعتها في سريرها بغرفتها؛ لم أكن أطيق أن يقع نظرهما عليها. ما إن وضعتها برفق حتى لاحظت عبوس حاجبيهما حتى في نومها. عدلت ثيابي وخطوت نحو الباب مجدداً. لو تجاهلتهم الآن لتفاقمت المشاكل. فتحت الباب بأصابع ترتجف بوضوح، بينما خفق قلبي في حلقي، لكن نظراتهما كانت مترعة بشوق جارف وعميق.
رمقتهما بنظرات حارقة ملؤها الجفاء: "ما الذي أتى بكم إلى هنا؟"
رد كنان بنبرة استفزازية كأنهم لم يطردوني يوماً من البيت: "عام كامل مضى دون أن نلتقي. وتسألين لما أتينا؟"
"صحيح، لا لقاء بيننا منذ اليوم الذي طردتموني فيه من البيت."
"أردنا الاطمئنان عليكِ فقط، مهما حدث تظللين لحمنا ودمنا." أثارت كلمات كانير سخرية مريرة في داخلي.
"إذا كان استئصال سعادتي يمنحكم هذه المتعة، فامضوا في طريقكم. لقد أخبرت والدتكم مسبقاً، لا داعي لمجئ أبنائها، فأنا بأفضل حال."
بدت على محياهما علامات الدهشة قبل أن يستدرك أحدهما، لكن صراخ رضوى المفاجئ قطع الحوار. تحولت أنظارهما فوراً إلى داخل المنزل.
"إنه صوت التلفاز." قلتها بتبرير باهت لم يصدقاه قط.
استشاط كنان غضباً وقال بحدة: "لست بغبي لأميز بين صراخ طفل وصوت التلفاز. تخص من هذه الصرخة؟"
كنت قد سجلت رضوى سابقاً باسم عائلة متوفاة بمساعدة بعض المعارف، وبالتأكيد كان اللقب يتبعني وحدي.
وهنا شعرت أن الطوق يضيق على عنقي تماماً. "ليست لأحد. التلفاز يعمل وحسب. أرجوكم، لا تطرقوا بابي ثانية."
هممت بإغلاق الباب في وجوههم، لكن كانير اعترضه بيده: "لمن هذا الطفل يا ليليان؟"
"أنا مجرد حاضنة أطفال! ارتحتم الآن؟ أعتني بأطفال الآخرين!" كانت تلك أكذوبة متماسكة إلى حد ما.
تبادلا نظرات غاضبة مشوبة بالسخرية. "حين تكذبين، لا تجعلي يدكِ ترتجف نحو رقبتك هكذا. تنحي جانباً!" لم يكن انكشاف كذبتي يعني أنني سأستسلم.
سحبت يدي من رقبتي على الفور: "وهل لي دين أكذب لأجله؟ وعلى أي حال، شأن أي طفل هذا يخصكم فيم؟"
"أهذا طفلكِ؟" سألني كانير، فتوقف قلبي عن النض لللحظة.
"لا.. أبداً."
هتف الاثنان معاً بصوت واحد: "تباً!"
هززت رأسي نفياً: "اغفروا لي وارحلوا."
دفع كنان الباب بقسوة فدفعني للخلف. تقدما بخطى واسعة نحو غرفة رضوى، فركضت خلفهما بستماتة: "ألم تشبعوا من طردي؟ بأي حق تقتحمون منزلي هكذا؟"
سمعت صوت كنان الحاد يرد دون التفات: "سترين بأي حق!" وكدت أفقد صوابي من شدة الرعب.
وقفت كالسد المنيع أمام باب غرفة رضوى، وأغمضت عيني بقوة وأنا أقبض على إطار الباب: "حسناً! إنه طفلي! انتهينا!" لقد استسلمت سريعاً لأنني أدركت عاجلاً أم آجلاً أنهم سيعرفون الحقيقة، وما عاد لدي ما أخسره أو أخفيه بعد الآن.
رغم أنني لم أتبين ملامح وجهيهما بدقة، إلا أن الغضب والصدمة كانا يقطران من نبرتيهما. "ماذا قلتِ للتو؟" كان صوت كنان على حافة الانهيار.
فتحت عيني فجأة وواجهتهما: "نعم... الطفلة التي بالداخل هي طفلتي. الآن غادرا، عليّ الاهتمام بها."
كان كانير يعقد حاجبيه مشدوداً بصوت البكاء المنبعث من الداخل: "سنرى أمرها."
هززت رأسي مراراً وتكراراً: "لن أسمح لأحد بإلحاق الأذى بابنتي."
"يا بنت الحلال، ومن سيؤذي طفلة رضيعة! تنحي من أمامي." توتر كنان وضيق صدره جعلا أنفاسي تتسارع.
حاول كانير اقتحام الغرفة، فدفعتني غريزة الأمومة لأمسك بذراعه وألويه بقوة للخلف: "اخرجا!"
في تلك اللحظة انقض كنان واقتحم الغرفة. تركت ذراع كانير وتبعته بخطى مجنونة. وقف أمام السرير مشدوهاً كأن لسانه قد ابتلع. وما إن دخل كانير أيضاً حتى رفعت بصري للسقف مستجيرة.
ساد صمت ثقيل بينهما لدقائق. سأل كانير بصوت مكتوم: "من يكون والدها؟"
رمقته بنظرة محتقرة: "وما أدراك أنت؟"
"ماذا تعنين بما أدراكِ أيتها المجنونة؟! من يكون هذا الوغد؟"
أيقظ صراخه رضوى فزدات حدة بكائها. صرخت من بين أسنان المطبوعة: "لا تصرخ!"
تقدم كنان مني مهدداً، فلم أتراجع خطوة بل رفعت ذقني في وجهه: "أتقصد ذلك النذل مالك؟" كان يعنيه بالطبع.
أبديت مزيداً من التحدي: "ولو كان هو؟ أنتم من نبذتموني بليل أسود ولم تتركوا لي مجالاً للعتاب، فليس من حقكم حسابي اليوم."
"اسمعي يا ليليان، إن كان هذا اللقيط من صلب ذلك النذل، فلن أبقي عليه ولا على غيره حياً."
فغرت عيني رعباً. حين قال "غيره" هل كان يقصد طفلتي؟ "إن مسّ ابنتي سوء، فلن أبقي أحداً منكم على قيد الحياة، حتى والدكم لن ينجو."
ضحك كنان بتهكم ومرارة: "لست بغادر لدرجة قتل طفلة بريئة، لكني لن أترك ذلك الحقير ينفذ بفعله."
"احفظوا تهديداتكم لأنفسكم! الطفلة لا تكف عن البكاء، كيف أرضيها برأيكما؟" التفت إلى كانير مستعينة بسؤاله الساذج، وتجاوزت كنان خارجاً نحو سرير الطفلة.
حين حملت رضوى بين أحضاني، أشرت لهما نحو الباب: "عرفتم ما تريدون، ارحلا الآن ولا تقطعا مرسانا مجدداً."
"استعدي، سنعود إلى تركيا قريباً."
لن أقدم خطوة واحدة إلى تركيا مجدداً. لن أعود في الطريق الذي عبرته يوماً. ضحكت بمرارة وتحدٍ: "قصة تركيا انتهت بالنسبة لي منذ عام كامل."
استمرت رضوى بالبكاء، وكان كنان يجزّ على أسنانه بغيظ: "أيتها الفتاة، لا تجنّني! حتى أبونا يسأل عنكِ."
هززت رأسي نافية وابتسامة مهشمة تعلو شفتي: "عصر إسماعيل غورسوي قد انتهى أيضاً. لن يتحكم أحد في خيوط حياتي بعد الآن."
بينما كنا نتبادل نظرات العداء والرفض، رمق كانير الطفلة بقلق بالغ: "يا أخي، دعك من هذا الآن، علينا إسكات الطفلة أولاً."
رميت كنان بنظرة جانبية وتشفٍ: "أعتقد أنك لا تشتهي رعاية طفلة مالك يا كنان، أليس كذلك؟"
وعندما كدتُ أُمسك بضبع الرجل، سدت عشرات السيارات الطريق! ألقيتُ بنفسي إلى الخلف وأنا أتمسك بالمسدس في يدي بصلابة. رغم أنني لم أكن مرئية في تلك اللحظة، كان بإمكاني رؤية الرجال يترجلون من السيارات، والمشاهد التي رأيتها جعلت فمي يقع دهشة! لقد وصل رجال مالك. أهذه أفعاله؟نادى الرجل الذي دخل من باب الحديقة على الآخرين: «يا معلم، يوجد رجل هنا.»«من؟» كان هذا صوت جينغيز.بما أنني كنت في نقطة عمياء، لم يرونني. فحص الرجل نبض الرجل الذي أغميتُ عليه: «إنه حي، وهو أحد رجال آل "كوزغون" يا معلم.»عندما سمعتُ صوت جينغيز الضاحك، سمعتُ أيضاً صوت فرامل سيارة أخرى تصصر بألم: «أين هم؟!» تباً، لقد جاء مالك أيضاً! يبدو أنه لا مفر لي.«على الأرجح هم في المنزل. هذا عمل آل كوزغون.» آل كوزغون هم من أعداء إسماعيل بيك، لكنهم أعداء لمالك أيضاً. إذن فآل كوزغون يعلمون أن رضوى هي ابنة مالك. يجب إنهاء أمرهم في أقرب وقت. هذا بالطبع إن لم ينهِ مالك أمري قبلهم.عندما دخل مالك الحديقة بخطوات حاسمة، اقتربتُ منه بخطوات سريعة ولكن صامتة وأنا بين الأشجار. وفي اللحظة التي شعر بي فيها، صوّبتُ مسدسي نحو جبهته: «إن خطوتم خطوة أخ
كانت ليلة... لكن ليست كأي ليلة تعرفها. كان الهواء ثقيلاً، وكأن التنفس صار أمراً عسيراً. لم يكن الجو مظلماً كلياً، لكن لم يكن ثمة ضوء أيضاً. كان هناك إشراق شاحب ورمادي. لم أكن أفهم أين أنا. كان ما تحت قدميّ رطباً... كالطين. كلما خطوتُ خطوة، صدر صوت خفيف، لزج.نظرتُ حولي. كانت هناك أشجار، لكنها لم تكن كالأشجار العادية. أغصانها منحنية، جافة، وكأنها تمتد نحوي. لم يكن ثمة رياح، لكن الأغصان كانت تتحرك ببطء شديد. وكأن شيئاً ما كان يحركها.بدأ قلبي يخفق كالمجنون.ثم رأيتها.كانت هناك طفلة تقف أمامي.في التاسعة من عمرها تقريباً... شقراء. شعرها متسخ ومتناثر. ثوبها الأبيض قديم وممزق في بعض أجزائه. لكن الأكثر إخافةً كان عينيها. مزيج من الخضرة والزرقة، لكنهما لم تكونا ثابتتين. وكأن شيئاً ما ينهمر ويتماوج داخل عينيها. كلما نظرتُ إليها، اعتصر صدري.تراجعتُ خطوة إلى الخلف.لكنها لم تتحرك. كانت تنظر إليّ فقط. دون أن ترمش بعينها.ثم أدركتُ الأمر. كانت تلك الطفلة هي أنا.طفولتي. لكن... مشوهة، وكأن ثمة خطأً جثيماً فيها.كان بين يديها طفل رضيع. في عامه الأول. كان أشقر أيضاً... لكنني لم أستطع رؤية وجهه. مه
تلك الفترات التي تتكالب فيها كل الأسباب دفعة واحدة... وكأن الكون قد اختارك خصيصاً ليقول لك: "تعال هنا، دعني أُضايقك قاطبةً بعض الوقت." تستيقظ صباحاً، وقبل أن تفتح عينيك حتى، يربض على صدرك ثقلٌ كاباس. لست حزيناً تماماً، ولا تشعر بأنك قوي بحق. أصبحت عالقاً في المنطقة الرمادية الفاصلة بينهما. يصعب عليك الحديث مع الناس، لأنك لا تدري من أين تبدأ. في الحقيقة، لا تتردى كل الأمور إلى الحضيض دفعة واحدة، لكنك تشعر بها هكذا تماماً.والجزء الأشد إثارة للسخط هو أن الحياة، لمن ينظر إليها من الخارج، تبدو وكأنها تسير في مجراها الطبيعي، بينما العاصفة تحتدم وتطحن عظامك في الداخل. الجميع ينتظرون منك الشيء نفسه: أن تبتسم، أن تستمر، أن تظل قوياً. لكنك لا ترغب سوى في التوقف قليلاً، والصمت قليلاً.إنها الفترة التي يكون فيها المرء أبعد ما يكون عن نفسه. تنظر في المرآة، لكن الشخص الذي تلمحه يبدو لك غريباً. لست كما كنت في السابق، ولا كما تتمنى أن تكون.لكن الأغرب من ذلك كله... أنه في مثل هذه الأوقات بالذات، يبدأ الإنسان بالتغير دون أن يشعر. بصمت، وببطء شديد. تنكسر أشياء في داخلك، هذا صحيح، لكن شيئاً آخر ينبت وي
كانت كلماته تشعل الفتيل في عروقي، فسددت لكمة إلى خده الأيمن: «وماذا أظنك فاعلاً يا هذا؟!»زفر "علي" بغضب في وجهي: «أنت تريد سلب حياتها، ألا يكفيك هذا يا خبيث؟»في الحقيقة، لم أكن أنوي سلب حياتها إطلاقاً؛ أردتها فقط أن تذوق ما أذاقتني إياه. وقبل أن أجيبه، تابع كلامه: «ليليان كانت السبب في أن تفقد رحمتك مجدداً. تريد تطبيق مبدأ القصاص، وأنا لن أسمح لك بذلك. حياتها ليست سهلة بالأساس، فلا تزدها صعوبة عليها.»تركت ياقته بغضب والتفتُّ معطياً إياه ظهري. *(الحقيقة مرّة دائماً.)**(أنت ترحل فقط لأن كلامه أثار حنقك.)**(لماذا لا تعترف أنك تخشى فقدان "ليليان" مجدداً؟)*لم أكن أهتم بما تفعله تلك الساحرة، كل ما أردته هو ألا تُحرم من الرحمة كما حرمتني منها.صوت "علي" استوقفني عند خطوة الباب: «يا أخي...» التفتُّ إليه، فتابع: «الرجل الشهم لا تتسع حياته لامرأتين.»علاقتي بـ "جيزيم" لم تعد كما كانت في السابق، أعني قبل ظهور "ليليان". فبعد ظهورها تغير كل شيء بيننا؛ صرنا لا نتلامس، مع أننا لم نكن ننام ليلة دون أن نغرق في أحضان بعضنا. حتى نظرتنا لبعضنا التاثت، وقلّ التقاؤنا وتضاءل تحمُّلنا لبعضنا الآخر، وك
POV: مالك «تباً!» قلتها وأنا أضع يدي الباردة على قفاي. لقد نجحت الساحرة الصغيرة في التغلب عليّ مجدداً. يبدو أنني تعلمت الدرس ولن أستهين بها بعد الآن؛ لقد طرحتني أرضاً بكل ما تعنيه الكلمة. كان الطريق مهجوراً وقاحلاً، يندر أن تمر به سيارة. عندما نهضت عن الأرض، انزلقت سترة عن كتفي، فزفرت بنَفَس عميق وساخن.تلك الساحرة الرحيمة فكرت بي وشرعت عليّ سترتها! غرق جسدي في موجة من الغضب العارم وأنا أدخل ذراعي في أكمام السترة؛ لقد تلاعبت بي وفازت مجدداً. هذه هي المرة الثالثة!أخذت هاتفي الذي تركته في جيبي، ولم يعد أمامي خيار سوى السير على الأقدام. تباً... تباً بحق! لقد أصبحت أضحوكة على يد ساحرة صغيرة. ما الحكمة من فرارها وهي لا تملك مكاناً تقصده؟ حسناً، ربما أخفتها أكثر من اللازم، لكن كل تلك الكلمات القاسية كانت لمنعها من الركوب على رأسي. لم أكن لأكرر أخطاء الماضي اليوم.كان الليل ينقشع معلناً اقتراب الصباح. من يعلم أين ذهبت الآن؟ كنت أتساءل في نفسي عما قاله لها "كينان" ليجلبها إلى هنا. "ليليان" كانت جادة ومصممة على عدم العودة عندما رحلت. في الحقيقة، أنا من قلت لها "ارحلي"، فلو لم تفعل لكانت تلك
ركبتُ السيارة إلى جواره وساد الصمت. أدار "مالك" مذياع السيارة كعادته، وكانت تعزف أغنية قديمة تحكي عن الفراق والندم. أسندتُ رأسي على الزجاج وأنا أبتسم بمرارة... ما أشد سخرية القدر! كان دائماً يحب الاستماع لأغاني الحزن أثناء القيادة. تذكرتُ رحلاتنا القديمة إلى العاصمة؛ لم تكن مجرد أخطاء طيش، بل كانت أصدق وأجمل لحظات عشتها، رغم زيادتها بالوهم.بدأ يدمدم مع كلمات الأغنية ببرود، ملتفتاً إليّ لثانية:— «كِلانا لم يدرك القيمة... والقدر لا يرحم.»ابتسمتُ بسخرية، فأغلق الشاشة بغضب واستخدم هاتفه بيد واحدة بينما يُملس على عجلة القيادة باليد الأخرى. تحدث عبر الهاتف بنبرة حادة:— «ألغوا المتابعة... سأتولى الأمر بنفسي.»كان "مالك" يفضل الترحال بمفرده دائماً رغم كثرة رجاله وأعدائه. استمع للطرف الآخر قاطقاً:— «يا "جنيد"، لا تكثر اللغط! خذ الرجال وانسحب، وسنلتقي غداً في الشركة.».أنهى المكالمة، ليبدأ عقلي بتدبير خطة الهرب. كل ما عليّ فعله هو تحييد "مالك" داخل السيارة. رفعتُ بصري نحو درج السيارة الأمامي... هل ما زال يحتفظ بسلاحه الإضافي هناك؟ـ «سكتي تلك الأفكار في رأسكِ.»فزعتُ من صوته المفاجئ، وحا







