Share

٢

last update publish date: 2026-09-19 05:50:08

الفصل 2

سارت إلينا بخطى سريعة عبر الردهة باتجاه المصاعد وما زالت كلمات إليستر تتردد في رأسها… كان الهواء هنا مختلفًا؛ أكثر حدة وبرودة، تختلط فيه رائحة البارود بالمطهرات القوية حتى بدا أن المستشفى نفسه قد تغير منذ مغادرتها صباحًا.

وبينما كانت تنعطف عند الزاوية انفتحت أبواب مجموعة المصاعد الخاصة وخرج منها عدد من الرجال.

تحركوا معًا بانضباط لافت كأنهم كيان واحد لا أفراد متفرقون.

رجال ببدلات داكنة، وضباط عسكريون تتلألأ أوسمتهم على صدورهم، وجميعهم يسيرون بخطوات ثابتة لا مجال فيها للتردد.

لكن الرجل الذي كان يتقدمهم قليلًا استحوذ على انتباهها دون أن يحاول ذلك.

كان ريكاردو.

طويل القامة إلى حد لافت، يتجاوز طوله المترين، بجسد قوي وكتفين عريضين يملآن زيّه القتالي… بدت نقوش التمويه الرقمي غريبة وسط بياض المستشفى المعقم، لكن الرتبة المثبتة على صدره كانت أكثر ما يستوقف النظر؛ نسر فضي يعلن مكانته دون حاجة إلى كلمة واحدة.

أما وجهه، فكان يحمل وسامة قاسية لا تخلو من جاذبية طاغية.

ملامح حادة، عظام وجنتين بارزة، فك قوي مشدود، وفم مستقيم لا يكشف عما يدور خلفه… لم يكن من الرجال الذين يحتاجون إلى استعراض حضورهم؛ مجرد وقوفه بين الآخرين كان كافيًا لجعلهم يبدون وكأنهم يتحركون في ظله.

ثم التفت.

توقفت أنفاس إلينا بينما تجولت عيناه الرماديتان في الردهة ببرودة نافذة، قبل أن تستقرا عليها.

لجزء من الثانية فقط.

لكن تلك الثانية بدت أطول مما ينبغي.

كان في نظرته شيء جعلها تشعر كمن وُضعت تحت مجهر دقيق؛ لم تكن نظرة فضول، ولا إعجابًا، ولا حتى اهتمامًا عابرًا… كانت نظرة رجل اعتاد أن يلاحظ كل شيء، يقيّم كل تفصيل، ثم يقرر في لحظة واحدة ما إذا كان يستحق اهتمامه.

شعرت إلينا بقشعريرة خاطفة تسري على امتداد عمودها الفقري بينما توقفت قدماها دون أن تشعر.

وللحظة، بدا كما لو أن الممر كله اختفى من حولها، ولم يبقَ سوى تلك العينين الرماديتين ثم انصرف عنها بكل ببساطة وكأن وجودها لم يكن أكثر من تفصيل غير ذا قيمة في طريقه.

في تلك اللحظة، اقترب أحد مساعديه ومد إليه جهازًا لوحيًا.

"العقيد ريكاردو."

انكسر ذلك الجمود.

أخذ ريكاردو الجهاز دون أن يبطئ خطواته ثم بدأ يتحدث بصوت منخفض ومقتضب… كانت أوامره قصيرة، حاسمة، وواضحة، لكنها حملت من السلطة ما جعل صداها يمتد عبر الردهة دون أن يرفع صوته.

واصل طريقه مع المجموعة بينما ظلت إلينا مكانها لثوانٍ.

أطلقت نفسًا متقطعًا ولم تدرك أنها كانت تحبسه إلا عندما أمسكت يد بذراعها.

"هل تتنفسين؟"

التفتت إلينا بسرعة… كانت برينا تسحبها نحو ركن قريب من مكتب الممرضة وعيناها متسعتين على نحو واضح بينما بدت نمشاتها أكثر بروزًا فوق بشرتها الشاحبة.

قالت برينا هامسة:

"يا إلهي، إلينا... هل رأيتِه؟"

ابتلعت إلينا ريقها… كان حلقها جافًا على نحو مزعج.

"العقيد؟"

"هذا ريكاردو."، قالت برينا اسمه كما لو أن مجرد نطقه يستحق خفض الصوت.

"عقيد في وزارة الدفاع… إنه أشبه بإله هنا… ابنة عمي تعمل في البنتاغون وتقول إنه الرجل الذي يستعينون به عندما تكون نهاية العالم وشيكة."

لوّحت برينا بيدها أمام وجهها ثم أضافت بإعجاب واضح:

"وفوق ذلك، هو يشبه نجمًا سينمائيًا… نجمًا سينمائيًا غاضبًا ومخيفًا للغاية."

فركت إلينا مؤخرة عنقها محاولة التخلص من القشعريرة التي خلفتها تلك النظرة الخاطفة.

"يبدو وكأنه سيطلق النار عليكِ لمجرد أنك عطستِ بصوت عالٍ."

"ربما."

هزت برينا كتفيها ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.

"لكن يا لها من نهاية جميلة!"

رفعت حاجبها.

"إلى أين أنت ذاهبة؟"

اختفت ابتسامة إلينا.

"وحدة العناية المركزة رقم ثلاثة… مهمة إليستر الخاصة."

تبدلت ملامح برينا في الحال.

"أوه، إلينا..."

اقتربت منها أكثر وخفضت صوتها أكثر.

"كوني حذرة هناك… هذا المريض... ليس مجرد جندي… الأمر برمته سري… سمعت أن رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي حاول الدخول لكنهم منعوه تحت تهديد السلاح."

حدقت إلينا فيها لحظة ثم قالت وهي تحاول إقناع نفسها أكثر مما تحاول إقناع برينا:

"عليّ فقط أن أراقب الشاشات… ما مدى صعوبة ذلك؟"

تركتها برينا دون إجابة.

دفعت إلينا عربة الإمدادات باتجاه جناح العناية المركزة، ثم دخلت الممر.

انغلقت الأبواب خلفها بهدوء فعزلتها عن فوضى الردهة وأصواتها.

كان الممر خاليًا.

أضواء الفلورسنت القوية ألقت ضوءًا أبيض باردًا على الجدران بينما لم يكن هناك ما يكسر السكون سوى صوت خطواتها المتتابعة.

توقفت أمام الغرفة رقم ثلاثة.

وقف نائبان على جانبي الباب، بوجوه جامدة لا تكشف شيئًا… مدّت إلينا بطاقتها، ففحصاها مرة أخرى قبل أن يسمحا لها بالدخول.

دفعت الباب.

كانت الغرفة باردة… هادئة إلى حد الرهبة.

لم يكن يُسمع سوى الصفير المنتظم لجهاز مراقبة القلب.

على السرير، كان شاب يرقد بلا حراك… وجهه متورم ومغطى بالكدمات، ولفت الضمادات جذعه بإحكام، بينما امتدت الأنابيب والأجهزة حوله.

تقدمت إلينا إلى جانب السرير ثم بدأت بفحص أنابيب المحلول الوريدي.

التقطت الملف الطبي وراحت تقرأ الملاحظات.

بيتر.

ملازم بفيلق القضاء العسكري.

توقفت عيناها عند قائمة الإصابات المروعة.

أغلقت الملف ببطء ووضعته جانبًا، ثم عادت إلى الأجهزة.

ضغط الدم مستقر.

معدل ضربات القلب مستقر.

أطلقت زفيرًا بطيئًا.

ربما لن تكون المهمة أكثر من مراقبة مملة لساعات.

لكنها، وهي تقف إلى جوار السرير وتستمع إلى الصفير المنتظم لم تستطع التخلص من ذلك الشعور الثقيل الذي استقر في داخلها.

كانت كمن دخلت للتو إلى قلب عاصفة… والعقيد ريكاردو، صاحب العينين الرماديتين الجليديتين والحضور الذي ملأ الردهة دون جهد، هو الرجل الذي يتحكم بالريح.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا    ٨

    الفصل 8 بدلًا من صوت ارتطام إلينا المروع بالخرسانة، شعرت بتغير مفاجئ وعنيف في الهواء. اصطدم بها وزن ثقيل من الجانب، فانتزع ما تبقى من أنفاسها دفعة واحدة. وفي اللحظة التالية، التف ذراع حول خصرها كحلقة من الفولاذ، وجذبها بقوة نحو جسد عضلي صلب. دار العالم من حولها بعنف. لم تعد تعرف أين الأعلى وأين الأسفل، بينما تدحرج الاثنان معًا على الدرج، وتشابكت أطرافهما وسط سقوط متواصل. ثم دوّى ارتطام مروع. جسده هو من تلقى الضربة. ارتطم كتفه بدرجات السلم، ثم ارتطم ظهره بالدرابزين، وتتابعت الضربات بعنف مع كل درجة يهبطانها. لكن ذراعه التي أحاطت بها لم ترتخِ لحظة واحدة. لف جسده حولها، وحما رأسها بيده، بينما تلقى بجسده كل ضربة كان يمكن أن تصل إليها. كان الضجيج يصم الآذان. تردد صدى سقوطهما داخل العمود الخرساني، مختلطًا بأنين ألم منخفض وحاد صدر من الرجل الذي كان يحميها. ثم... توقف كل شيء فجأة. استقرا على المنصة في الأسفل. كانت إلينا محاصرة تحته، ووجهها مدفونًا في ياقة زيه العسكري. تسارعت أنفاسها، بينما تسللت إلى أنفها رائحة الدم النفاذة، ممزوجة برائحة البارود المعدنية ورائحته الرجولية النظيف

  • خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا    ٧

    الفصل 7 تحرّك الرجل كالأفعى. في لمح البصر، أصبح خلف إلينا، ولف ذراعه حول عنقها بقوة خانقة. وقبل أن تستوعب ما يحدث، شعرت ببرودة مشرط يضغط على رقبتها، ثم غرزت حافته الحادة في جلدها. شهقت، لكن الذراع الملتفة حول عنقها خنقت الصوت في حلقها. صرخ الرجل: «ابتعدوا!» تناثر رذاذ لعابه من خلف القناع مع انفعاله. «ألقوا أسلحتكم، وإلا سأذبحها!» تجمّد الحراس في أماكنهم. بقيت بنادقهم مرفوعة، لكن أصابعهم ابتعدت عن الزناد، خشية أن تؤدي أي حركة خاطئة إلى إصابة إلينا. كان قلبها يضرب صدرها بعنف. اشتدت ذراع الرجل حول عنقها، تضغط على قصبة هوائها حتى أصبح كل نفس معركة. وفي الوقت نفسه، انغرز المشرط أكثر في جلدها. وخزة حادة. ثم دفء خفيف انساب على رقبتها. لقد أراق دمها بالفعل. حاولت ابتلاع ريقها، لكن حلقها لم يستجب. ضاق الهواء من حولها، وبدأت بقع سوداء تتراقص عند أطراف رؤيتها. ثم جاء صوت من المدخل: «أطلق سراحها.» كان الصوت هادئًا. باردًا. هادئًا إلى درجة جعلت التهديد الكامن فيه أكثر رعبًا. تمكنت إلينا من تحريك رأسها قليلًا. كان ريكاردو يقف عند المدخل. ثبتت عيناه الرماديتان على الرجل الذي يحت

  • خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا    ٦

    الفصل 6 مرّت ساعات نوبة العمل ببطء ثقيل. أمضت إلينا فترة ما بعد الظهر إلى جوار بيتر، تراقب مؤشراته الحيوية وتتابع الأرقام المتغيرة على الشاشة بدقة متناهية. كان خفض جرعة التخدير قد بدأ يؤثر فيه؛ أصبح أكثر اضطرابًا، يتقلب في فراشه بين الحين والآخر، ويتمتم بكلمات متقطعة لم تستطع إلينا التقاطها بوضوح. كانت تعدّل قناع الأكسجين على وجهه عندما انفتح الباب فجأة. رفعت رأسها بسرعة. دخل رجل يرتدي معطف طبيب أبيض وقناعًا جراحيًا يغطي النصف السفلي من وجهه. كانت سماعة طبية معلقة حول رقبته، وفي يده لوحة كتابة. للوهلة الأولى، لم يكن في مظهره ما يثير الشك. بدا كأي طبيب آخر يعمل في هذا الطابق. لكن شيئًا ما لم يكن صحيحًا. توقفت يد إلينا فوق قناع الأكسجين. ضاقت عيناها وهي تتفحص الرجل من رأسه حتى قدميه. كانت تلك عادة قديمة لم تستطع التخلص منها؛ كانت تلتقط التفاصيل الصغيرة التي يتجاوزها الآخرون دون انتباه. بدأت بالمعطف. كان واسعًا أكثر مما ينبغي، وأكمامه طويلة بحيث تجاوزت معصميه، بينما تجمعت ثنيات القماش بكثافة حول كتفيه. الأطباء عادةً ما يرتدون معاطف بمقاسات مناسبة، أو على الأقل لا تبدو عليهم بهذ

  • خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا    ٥

    الفصل 5 في صباح اليوم التالي، بدت رحلة إلينا إلى المستشفى وكأنها مرت داخل ضباب كثيف. كان ذهنها مخدّرًا، عالقًا في دوامة من كلمات فينش: «أنتِ فتاة مطيعة»، وابتسامة والدتها المنتصرة. لم تستطع التخلص من ذلك الإحساس الخانق بأنها لم تعد تملك زمام حياتها، وكأنها دمية تتناقلها أيدي الآخرين، ويحركها كل من حولها بخيوط غير مرئية. وما إن دخلت المستشفى حتى رن هاتفها. أخرجته من حقيبتها، فوجدت رسالة نصية من برينا: «المزيد من التعليمات. وحدة العناية المركزة مغلقة بإحكام. توخّي الحذر.» توقفت عينا إلينا عند الكلمات للحظات، ثم أطلقت زفيرًا بطيئًا وأغلقت الهاتف. اتجهت نحو المصعد. لكن ما إن وصلت إلى جناح العناية المركزة حتى شعرت بأن شيئًا ما قد تغيّر منذ الأمس. كان التوتر يخيّم على المكان بصورة أثقل، والحراس المتمركزون في نهاية الممر لم يكونوا أولئك الذين رأتهم في اليوم السابق. كانوا أضخم حجمًا، أشد صرامة، ويحملون أسلحة أثقل. وعندما تقدمت إلينا نحو نقطة التفتيش، فحصوا بطاقتها مرة... ثم ثانية... ثم ثالثة، قبل أن يسمحوا لها أخيرًا بالمرور. دفعت باب الغرفة رقم ثلاثة، ثم توقفت. كان الدكتور سيمون أد

  • خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا    ٤

    الفصل 4 هزّت إلينا رأسها محاولةً طرد الفكرة من ذهنها، ثم عادت إلى عملها. مرّت بقية نوبة العمل بهدوء نسبي حتى جاءت الساعة السابعة صباحًا، ودخلت برينا لتتولى مكانها. وما إن تأكدت إلينا من أن كل شيء أصبح تحت السيطرة حتى اتجهت مسرعة إلى غرفة تبديل الملابس. خلعت ملابسها الطبية وألقتها في سلة الغسيل، ثم دخلت الحمام. انهمر الماء الساخن على جسدها، وغسل عنها عرق الساعات الطويلة ورائحة المطهر التي التصقت بجلدها. أغمضت عينيها، وتركت الماء ينساب فوق وجهها، متمنية أن يمحو معها إرهاق الليلة الماضية... لكنه لم يستطع أن يمحو ذكرى تلك العينين الرماديتين. بعد أن انتهت، ارتدت الملابس التي كانت قد حضرت بها لموعدها: الفستان الأسود القصير والحذاء ذي الكعب العالي. وقفت أمام المرآة للحظة. بدت لها ملابسها الآن سخيفة. بل شعرت هي نفسها بالسخافة. كل هذا الاستعداد من أجل موعد انتهى قبل أن يبدأ، ثم ليلة كاملة في المستشفى بسبب حالة طوارئ غامضة، ورجل مخيف بعيون رمادية لم تستطع إخراج صورته من رأسها. خرجت من المستشفى واستقلت سيارة أجرة عائدة إلى منزل والديها. كانت رحلة العودة خانقة. ازدحام الصباح كان كابو

  • خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا    ٣

    الفصل 3 كانت الساعات الاثنتا عشرة التالية أشبه بحلم طويل بلا فواصل. لم تغادر إلينا سرير الملازم بيتر لحظة. ظلت تتنقل بين الأجهزة، تفحص علاماته الحيوية، تراجع القراءات، وتعدّل المحاليل الوريدية كلما احتاج الأمر إلى ذلك. لم تجلس ولو مرة واحدة. كلما تحرك بيتر، كانت إلى جواره فورًا. تفحص حدقتي عينيه، تراقب تنفسه، وتتأكد من كمية السوائل الخارجة من جسده. لم تسمح للإرهاق بأن يصرف انتباهها، رغم أن الساعات كانت تمر ببطء ثقيل. عند الثالثة صباحًا تقريبًا، تحرك بيتر بعنف خفيف. توقفت إلينا عن الحركة، وانحنت نحوه. فتح عينيه بصعوبة. كانتا دامعتين، والألم واضحًا في انقباض ملامحه. تحركت شفتاه. "ماء." التقطت إلينا الكوب المزود بماصة، وقربته من شفتيه. "ببطء، يا ملازم. لقد كنت فاقدًا للوعي فترة طويلة." ارتشفت شفتاه الماء بضع مرات متقطعة. ظل ينظر إليها لحظات، وكأنه يحاول فهم المكان الذي وجد نفسه فيه. ثم انحرفت عيناه نحو الباب، حيث وقف الحارسان في الخارج. "أين..." خرجت الكلمة ضعيفة ومبحوحة، ثم خذله صوته قبل أن يتمكن من إكمال السؤال. قالت إلينا بهدوء: "أنت بأمان." توقفت لحظة. حتى هي لم تكن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status