Compartir

خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا
خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا
Autor: أسماء حميدة

١

last update Fecha de publicación: 2026-09-19 05:09:59

الفصل 1

"إذا كنتِ ستطلبين السمك، فتأكدي من أنهم لا يبالغون في طهيه. في المرة الأخيرة التي تناولته فيها هنا، كان أشبه بطعام القطط."

رفعت إلينا عينيها إلى الرجل الجالس قبالتها.

فينش.

محلل مالي، خريج إحدى الجامعات المرموقة وصاحب الموعد الغرامي الثامن عشر الذي أجبرتها والدتها على حضوره خلال العامين الماضيين.

لم يكن فينش ينظر إليها حتى… كان يوجه شوكته الفضية نحو قائمة الطعام يتتبع بها السطور وكأنه يصحح ورقة امتحان… ومن ثم أغلق القائمة فجأة يقول بتهكم:

"وقائمة النبيذ هنا مضحكة."

نظر إلى إلينا أخيرًا، رافعًا ذقنه في استعلاء واضح.

"في نادينا المفضل، لدينا خبير نبيذ. أما هنا؟ فلا أثق بهم حتى في فتح زجاجة بيرة."

تحركت أصابع إلينا تحت الطاولة تبحث عن شيء تتشبث به، فانقبضت على قماش فستانها بقوة… هذه هي حياتها الآن.

موعد آخر مع رجل متغطرس يعتقد أن راتبه الضخم يمنحه الحق في معاملة الآخرين وكأنهم مجرد فلاحين لا يستحقون حتى الاحترام.

استرخى فينش في مقعده، ثم قال:

"إذن يا إلينا..."

ألقى عليها نظرة كان من المفترض أن تكون ساحرة لكنها لم تبدُ لها سوى نظرة فاحصة مشوبة بالاستياء.

"ذكرت والدتي أنكِ ممرضة؟"

أجابته تلقائيًا:

"ممرضة متدربة… في مركز واشنطن الطبي."

"صحيح، صحيح."

أومأ ببطء، وارتسمت عند زاوية فمه ابتسامة صغيرة ساخرة.

"لا بد أن الأمر مرهق… كل هذا التنظيف وتلقي الطلبات… والأجر؟ يكاد يكون الحد الأدنى للأجور، أليس كذلك؟"

تصلب فك إلينا.

"إنها فترة تدريب… ومن المفترض أن تكون صعبة."

"بالتأكيد، بالتأكيد."

انحنى فينش إلى الأمام، وخفض صوته كمن على وشك أن يشاركها سرًا بالغ الأهمية.

"لكن بصراحة، لماذا تعملين بهذه الجدية؟"

توقف لحظة، ثم أضاف وهو يتفحصها بنظرة متأنية:

"فتاة جميلة مثلك تستطيع ببساطة أن تجد رجلًا يوفر لها حياة كريمة… كما تعلمين... شخصًا يكسب ما يكفي من المال حتى لا تضطري إلى تنظيف القيء من أجل كسب لقمة العيش."

ارتعشت عضلة صغيرة عند صدغ إلينا… فتحت فمها وكانت على وشك أن تخبره بالتحديد أين يمكنه أن يضع نصائحه المالية حين رن هاتفها داخل حقيبتها.

لم تكن ترد على المكالمات الشخصية أثناء المواعيد الغرامية… كانت والدتها تعتبر ذلك وقاحة لا تُغتفر.

لكن في تلك اللحظة تحديدًا بدت الوقاحة أهون بكثير من البقاء دقيقة أخرى أمام فينش.

أدخلت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الهاتف ثم ألقت نظرة سريعة إلى الشاشة.

تجمدت أصابعها.

رقم المستشفى.

وليس أي رقم.

كان الخط المباشر لمكتب رئيس الأطباء.

"يجب أن آخذ هذه المكالمة."

دفعت كرسيها إلى الخلف ونهضت بينما قطّب فينش حاجبيه.

"لكننا لم نطلب الطعام بعد."

"إنها حالة طارئة."

لم تنتظر إذنه أو احتجاجه بل استدارت وغادرت الطاولة مسرعة متجهة إلى الجزء الخلفي من المطعم بالقرب من دورات المياه حيث خفتت أصوات الأحاديث وابتعد عنها رنين أدوات المائدة.

أجابت المكالمة.

"إلينا."

كان الصوت على الطرف الآخر للدكتور أليستر.

لم ينادها قط باسمها الأول.

لكن نبرته هذه المرة لم تحمل شيئًا من تعاليه المعتاد… كانت جافة، حادة، وعاجلة على نحو جعلها تنتبه فورًا.

"عليكِ العودة… الآن."

تجمدت للحظة.

"أنا لست في وقت العمل دكتور أليستر… هل هناك شيء ما—"

"ليس لدي وقت لأكرر كلامي."

صمتت إلينا، فتابع إليستر:

"هذا ليس تدريبًا… نحن في أطلس."

توقفت أنفاسها للحظة.

"أكرر، أطلس… جميع الإجازات أُلغيت… تعالي إلى هنا خلال عشر دقائق أو لا تكلفي نفسك عناء العودة أبدًا."

وانقطع الخط.

ظلت إلينا واقفة في مكانها والهاتف لا يزال ملتصقًا بأذنها بينما ظل صوت إليستر يتردد في رأسها.

أطلس.

طوال سنوات تدريبها، ثم خلال أشهر تدريبها العملي لم تسمع هذا المصطلح إلا همسًا في غرف الاستراحة.

أطلس لم يكن اسمًا عاديًا.

كان يعني كارثة.

خسائر بشرية فادحة... أو تهديدًا أمنيًا بالغ الخطورة.

كان يعني أن العالم، أو على الأقل جزءًا كبيرًا منه، ينهار في مكان ما.

خفضت الهاتف ببطء، ثم استدارت وعادت إلى الطاولة بخطوات آلية كأن جسدها يتحرك قبل أن يلحق به عقلها.

كان فينش قد بدأ يحتسي الماء، لكن ملامحه كانت متجهمة، وبدت علامات الانزعاج واضحة على وجهه.

قالت إلينا وهي تصل إلى كرسيها:

"يجب أن أذهب."

مدت يدها إلى معطفها المعلق خلف الكرسي وارتدته على عجل.

"هناك حالة طارئة في المستشفى."

أطلق فينش ضحكة ساخرة قصيرة، ثم وضع كأسه على الطاولة بقوة.

"أنتِ تمزحين، أليس كذلك؟ أي نوع من حالات الطوارئ يمكن أن تواجهها ممرضة؟"

رفعت إلينا عينيها إليه.

تابع وقد بدأ الغضب يتسلل إلى صوته:

"هل ستتركينني جالسًا هنا هكذا؟"

"إنه قسم أطلس."

قالتها بهدوء، رغم أنها لم تتوقع منه أن يفهم معنى الكلمات.

ثم أضافت:

"أنا آسفة… عليّ أن أغادر."

فتحت محفظتها وأخرجت ورقة نقدية من فئة خمسين دولارًا ثم وضعتها على الطاولة بجوار كوب الماء الخاص به.

كانت كافية لتغطية حصتها من شيء لم تطلبه أصلًا.

"انتظري، لا يمكنكِ فقط أن—"

احمر وجه فينش بشدة لكن إلينا لم تمنحه الفرصة لإكمال اعتراضه.

استدارت على كعبها وغادرت المطعم دون أن تلتفت.

وحين خرجت إلى الشارع، اصطدم هواء واشنطن البارد بوجهها، فشدت معطفها حول جسدها ومضت مسرعة.

….

كانت السماء تمطر بغزارة… لم يكن الأمر مجرد رذاذ عابر بل وابلًا كثيفًا انهمر بلا توقف يحجب الرؤية ويغرق الأرصفة بالمياه. ولم تكن إلينا تحمل مظلة.

خرجت إلى الرصيف ورفعت يدها في محاولة لإيقاف سيارة أجرة لكن السيارات التي مرت أمامها كانت جميعها مشغولة.

اشتد خفقان قلبها.

كان الأدرينالين الذي أشعلته مكالمة إليستر قد محا تمامًا آثار الاشمئزاز التي خلّفها موعدها الأخير… لم يعد فينش ولا كلماته المهينة يشغلان حيزًا في رأسها.

كل ما بقي هو كلمة واحدة.

أطلس.

وأخيرًا، لمحت سيارة أجرة تتوقف على بُعد مبنى واحد لتُنزِل أحد الركاب.

انطلقت نحوها فورًا وكعوباها تضربان الرصيف المبلل بإيقاع متسارع والماء يتناثر حول قدميها مع كل خطوة.

وصلت إلى السيارة وفتحت الباب الخلفي.

"مركز واشنطن الطبي."

كانت تلهث وهي تنزلق إلى المقعد ثم أضافت بسرعة:

"بأسرع ما يمكنك."

أصدر السائق صوتًا مكتومًا بالموافقة، ثم انطلق بالسيارة.

أسندت إلينا رأسها إلى الزجاج البارد، بينما راحت أضواء المدينة تنعكس عليه وتتشوه أمام عينيها بفعل قطرات المطر.

حاولت أن تضبط أنفاسها.

شهيق...

زفير...

لكن ذلك لم ينجح.

ظلت كلمة واحدة تتردد في رأسها بلا توقف.

أطلس.

ما الذي كان يحدث في المستشفى؟

ولماذا أُلغيت جميع الإجازات؟

ولماذا استُدعيت هي تحديدًا؟

لم تجد وقتًا للإجابة عن أي من تلك الأسئلة.

توقفت سيارة الأجرة فجأة أمام المستشفى.

كان المطر قد خفّ إلى رذاذ خفيف، لكن إلينا لم تنتظر حتى تستقر السيارة تمامًا بل أخرجت ورقة نقدية مجعدة من حقيبتها ألقتها نحو السائق ثم فتحت الباب وقفزت إلى الخارج.

خطت خطوة واحدة...

ثم توقفت وقد تلاشت قدرتها على الحركة.

كان المدخل الرئيسي مغلقًا.

ليس بسيارات الإسعاف بل بالشرطة العسكرية.

على الجانب الآخر من الممر، رُكنت مركبتان عسكريتان مدرعتان تخترق مصابيحهما الأمامية الضباب الكثيف… خلف المتاريس وقف رجال يرتدون الزي العسكري ويحملون بنادق بينما امتد شريط أصفر عبر الأبواب الأوتوماتيكية ليمنع المرور.

ضيقت إلينا عينيها هذا لم يكن مجرد حادث كارثي… كان إغلاقًا تامًا.

تقدمت نحو أقرب نقطة تفتيش ومدت يدها إلى بطاقة هويتها… رفع الحارس، وكان شابًا ذا فك قوي، يده أمامها ليوقفها.

"سيدتي، هذه المنطقة محظورة."

"أنا من الموظفين."

رفعت بطاقتها التعريفية رغم أن أصابعها كانت ترتجف قليلًا.

"إلينا تومسون… استدعاني الدكتور إليستر."

أخذ الحارس البطاقة وسلط عليها ضوء مصباحه اليدوي ثم قارن بياناتها بما هو مدون على لوحة الكتابة التي يحملها.

رفع عينيه إلى وجهها ثم أعاد النظر إلى البطاقة.

مرّت لحظة صامتة قبل أن يتنحى جانبًا.

"اذهبي مباشرة إلى مكتب الاستقبال الرئيسي. لا تحيدي عن الممر."

أومأت إلينا، ثم انزلقت من أسفل الشريط الأصفر.

لكن ما إن دخلت الردهة حتى توقفت للحظة أخرى… لم يعد المكان يشبه المستشفى الذي تعرفه.

اختفت الفوضى المعتادة التي تملأ قسم الطوارئ. لا أصوات أجهزة، ولا صرخات، ولا خطوات متعجلة.

فقط صمت خانق.

كان عدد قليل من الأطباء والممرضات يقفون في مجموعات متفرقة يتحدثون فيما بينهم بأصوات خافتة بينما اصطف جنود مسلحون على امتداد الممرات.

شعرت إلينا بأن شيئًا ثقيلاً يضغط على صدرها.

ثم جاءها صوت تعرفه جيدًا:

"إلينا!"

التفتت.

كان الدكتور إليستر يتجه نحوها بخطوات واسعة.

توقفت عيناها عنده للحظة إذ بدا أكبر بعشر سنوات مما كان عليه صباح اليوم نفسه… كان معطفه الأبيض مجعدًا وبقعة قهوة واضحة تلطخ ربطة عنقه… ما إن وصل إليها حتى قال بحدة:

"لقد تأخرتِ."

رمشت إلينا.

لقد وصلت في وقت قياسي، لكن على ما يبدو لم يكن هذا وقت الجدال وقبل أن تتمكن من الرد، تابع إليستر بسرعة:

"اسمعي جيدًا… ليس لدي وقت للأسئلة."

مد يده إليها بجهاز النداء.

"أنتِ مكلّفة بغرفة العناية المركزة رقم ثلاثة. ستراقبين العلامات الحيوية للمريض."

وضعت إلينا يدها على الجهاز بينما ظل صوته حازمًا لا يمنحها فرصة للمقاطعة.

"لن تتحدثي معه عن أي شيء سوى راحته."

ثم ثبت عينيه عليها.

"ولن تلمسي أيًا من أغراضه الشخصية داخل الغرفة."

توقف لحظة، ثم أضاف:

"إذا تذبذب معدل ضربات قلبه بأكثر من عشرة بالمئة، فاضغطي على هذا الزر."

وأشار إلى جهاز النداء في يدها.

"هل فهمتِ؟"

استقامت إلينا في وقفتها.

"نعم، سيدي."

لم يضيع إليستر ثانية واحدة.

"اذهبي. الآن."

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا    ٨

    الفصل 8 بدلًا من صوت ارتطام إلينا المروع بالخرسانة، شعرت بتغير مفاجئ وعنيف في الهواء. اصطدم بها وزن ثقيل من الجانب، فانتزع ما تبقى من أنفاسها دفعة واحدة. وفي اللحظة التالية، التف ذراع حول خصرها كحلقة من الفولاذ، وجذبها بقوة نحو جسد عضلي صلب. دار العالم من حولها بعنف. لم تعد تعرف أين الأعلى وأين الأسفل، بينما تدحرج الاثنان معًا على الدرج، وتشابكت أطرافهما وسط سقوط متواصل. ثم دوّى ارتطام مروع. جسده هو من تلقى الضربة. ارتطم كتفه بدرجات السلم، ثم ارتطم ظهره بالدرابزين، وتتابعت الضربات بعنف مع كل درجة يهبطانها. لكن ذراعه التي أحاطت بها لم ترتخِ لحظة واحدة. لف جسده حولها، وحما رأسها بيده، بينما تلقى بجسده كل ضربة كان يمكن أن تصل إليها. كان الضجيج يصم الآذان. تردد صدى سقوطهما داخل العمود الخرساني، مختلطًا بأنين ألم منخفض وحاد صدر من الرجل الذي كان يحميها. ثم... توقف كل شيء فجأة. استقرا على المنصة في الأسفل. كانت إلينا محاصرة تحته، ووجهها مدفونًا في ياقة زيه العسكري. تسارعت أنفاسها، بينما تسللت إلى أنفها رائحة الدم النفاذة، ممزوجة برائحة البارود المعدنية ورائحته الرجولية النظيف

  • خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا    ٧

    الفصل 7 تحرّك الرجل كالأفعى. في لمح البصر، أصبح خلف إلينا، ولف ذراعه حول عنقها بقوة خانقة. وقبل أن تستوعب ما يحدث، شعرت ببرودة مشرط يضغط على رقبتها، ثم غرزت حافته الحادة في جلدها. شهقت، لكن الذراع الملتفة حول عنقها خنقت الصوت في حلقها. صرخ الرجل: «ابتعدوا!» تناثر رذاذ لعابه من خلف القناع مع انفعاله. «ألقوا أسلحتكم، وإلا سأذبحها!» تجمّد الحراس في أماكنهم. بقيت بنادقهم مرفوعة، لكن أصابعهم ابتعدت عن الزناد، خشية أن تؤدي أي حركة خاطئة إلى إصابة إلينا. كان قلبها يضرب صدرها بعنف. اشتدت ذراع الرجل حول عنقها، تضغط على قصبة هوائها حتى أصبح كل نفس معركة. وفي الوقت نفسه، انغرز المشرط أكثر في جلدها. وخزة حادة. ثم دفء خفيف انساب على رقبتها. لقد أراق دمها بالفعل. حاولت ابتلاع ريقها، لكن حلقها لم يستجب. ضاق الهواء من حولها، وبدأت بقع سوداء تتراقص عند أطراف رؤيتها. ثم جاء صوت من المدخل: «أطلق سراحها.» كان الصوت هادئًا. باردًا. هادئًا إلى درجة جعلت التهديد الكامن فيه أكثر رعبًا. تمكنت إلينا من تحريك رأسها قليلًا. كان ريكاردو يقف عند المدخل. ثبتت عيناه الرماديتان على الرجل الذي يحت

  • خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا    ٦

    الفصل 6 مرّت ساعات نوبة العمل ببطء ثقيل. أمضت إلينا فترة ما بعد الظهر إلى جوار بيتر، تراقب مؤشراته الحيوية وتتابع الأرقام المتغيرة على الشاشة بدقة متناهية. كان خفض جرعة التخدير قد بدأ يؤثر فيه؛ أصبح أكثر اضطرابًا، يتقلب في فراشه بين الحين والآخر، ويتمتم بكلمات متقطعة لم تستطع إلينا التقاطها بوضوح. كانت تعدّل قناع الأكسجين على وجهه عندما انفتح الباب فجأة. رفعت رأسها بسرعة. دخل رجل يرتدي معطف طبيب أبيض وقناعًا جراحيًا يغطي النصف السفلي من وجهه. كانت سماعة طبية معلقة حول رقبته، وفي يده لوحة كتابة. للوهلة الأولى، لم يكن في مظهره ما يثير الشك. بدا كأي طبيب آخر يعمل في هذا الطابق. لكن شيئًا ما لم يكن صحيحًا. توقفت يد إلينا فوق قناع الأكسجين. ضاقت عيناها وهي تتفحص الرجل من رأسه حتى قدميه. كانت تلك عادة قديمة لم تستطع التخلص منها؛ كانت تلتقط التفاصيل الصغيرة التي يتجاوزها الآخرون دون انتباه. بدأت بالمعطف. كان واسعًا أكثر مما ينبغي، وأكمامه طويلة بحيث تجاوزت معصميه، بينما تجمعت ثنيات القماش بكثافة حول كتفيه. الأطباء عادةً ما يرتدون معاطف بمقاسات مناسبة، أو على الأقل لا تبدو عليهم بهذ

  • خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا    ٥

    الفصل 5 في صباح اليوم التالي، بدت رحلة إلينا إلى المستشفى وكأنها مرت داخل ضباب كثيف. كان ذهنها مخدّرًا، عالقًا في دوامة من كلمات فينش: «أنتِ فتاة مطيعة»، وابتسامة والدتها المنتصرة. لم تستطع التخلص من ذلك الإحساس الخانق بأنها لم تعد تملك زمام حياتها، وكأنها دمية تتناقلها أيدي الآخرين، ويحركها كل من حولها بخيوط غير مرئية. وما إن دخلت المستشفى حتى رن هاتفها. أخرجته من حقيبتها، فوجدت رسالة نصية من برينا: «المزيد من التعليمات. وحدة العناية المركزة مغلقة بإحكام. توخّي الحذر.» توقفت عينا إلينا عند الكلمات للحظات، ثم أطلقت زفيرًا بطيئًا وأغلقت الهاتف. اتجهت نحو المصعد. لكن ما إن وصلت إلى جناح العناية المركزة حتى شعرت بأن شيئًا ما قد تغيّر منذ الأمس. كان التوتر يخيّم على المكان بصورة أثقل، والحراس المتمركزون في نهاية الممر لم يكونوا أولئك الذين رأتهم في اليوم السابق. كانوا أضخم حجمًا، أشد صرامة، ويحملون أسلحة أثقل. وعندما تقدمت إلينا نحو نقطة التفتيش، فحصوا بطاقتها مرة... ثم ثانية... ثم ثالثة، قبل أن يسمحوا لها أخيرًا بالمرور. دفعت باب الغرفة رقم ثلاثة، ثم توقفت. كان الدكتور سيمون أد

  • خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا    ٤

    الفصل 4 هزّت إلينا رأسها محاولةً طرد الفكرة من ذهنها، ثم عادت إلى عملها. مرّت بقية نوبة العمل بهدوء نسبي حتى جاءت الساعة السابعة صباحًا، ودخلت برينا لتتولى مكانها. وما إن تأكدت إلينا من أن كل شيء أصبح تحت السيطرة حتى اتجهت مسرعة إلى غرفة تبديل الملابس. خلعت ملابسها الطبية وألقتها في سلة الغسيل، ثم دخلت الحمام. انهمر الماء الساخن على جسدها، وغسل عنها عرق الساعات الطويلة ورائحة المطهر التي التصقت بجلدها. أغمضت عينيها، وتركت الماء ينساب فوق وجهها، متمنية أن يمحو معها إرهاق الليلة الماضية... لكنه لم يستطع أن يمحو ذكرى تلك العينين الرماديتين. بعد أن انتهت، ارتدت الملابس التي كانت قد حضرت بها لموعدها: الفستان الأسود القصير والحذاء ذي الكعب العالي. وقفت أمام المرآة للحظة. بدت لها ملابسها الآن سخيفة. بل شعرت هي نفسها بالسخافة. كل هذا الاستعداد من أجل موعد انتهى قبل أن يبدأ، ثم ليلة كاملة في المستشفى بسبب حالة طوارئ غامضة، ورجل مخيف بعيون رمادية لم تستطع إخراج صورته من رأسها. خرجت من المستشفى واستقلت سيارة أجرة عائدة إلى منزل والديها. كانت رحلة العودة خانقة. ازدحام الصباح كان كابو

  • خلف ضلوعي امرأة _ سلسلة قلوب تتناحر عشقًا    ٣

    الفصل 3 كانت الساعات الاثنتا عشرة التالية أشبه بحلم طويل بلا فواصل. لم تغادر إلينا سرير الملازم بيتر لحظة. ظلت تتنقل بين الأجهزة، تفحص علاماته الحيوية، تراجع القراءات، وتعدّل المحاليل الوريدية كلما احتاج الأمر إلى ذلك. لم تجلس ولو مرة واحدة. كلما تحرك بيتر، كانت إلى جواره فورًا. تفحص حدقتي عينيه، تراقب تنفسه، وتتأكد من كمية السوائل الخارجة من جسده. لم تسمح للإرهاق بأن يصرف انتباهها، رغم أن الساعات كانت تمر ببطء ثقيل. عند الثالثة صباحًا تقريبًا، تحرك بيتر بعنف خفيف. توقفت إلينا عن الحركة، وانحنت نحوه. فتح عينيه بصعوبة. كانتا دامعتين، والألم واضحًا في انقباض ملامحه. تحركت شفتاه. "ماء." التقطت إلينا الكوب المزود بماصة، وقربته من شفتيه. "ببطء، يا ملازم. لقد كنت فاقدًا للوعي فترة طويلة." ارتشفت شفتاه الماء بضع مرات متقطعة. ظل ينظر إليها لحظات، وكأنه يحاول فهم المكان الذي وجد نفسه فيه. ثم انحرفت عيناه نحو الباب، حيث وقف الحارسان في الخارج. "أين..." خرجت الكلمة ضعيفة ومبحوحة، ثم خذله صوته قبل أن يتمكن من إكمال السؤال. قالت إلينا بهدوء: "أنت بأمان." توقفت لحظة. حتى هي لم تكن

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status