تسجيل الدخولمرت الدقائق داخل الجناح الرئاسي وكأنها دهور.
كانت الكلمات الخرسانية التي ألقاها “إيڤان” ما زالت تهتز في أركان الغرفة الفاخرة، كحقيقة قاطعة أطاحت بكل أحلامها الملونة. وقف إيڤان يراقبها بملامحه الرصينة والجامدة، منتظراً ردة فعلها ببروده المعهود. كانت “ميلا” تشعر بجسدها النحيل يتجمد بالكامل داخل فستانها الوردي الهادئ. تراجعت لمعة الفرح من عينيها العسليتين ببطء، ليحل محلها انكسار شديد غمر ملامحها النظيفة. شعرت بغصة حارقة في حلقها كادت تخنقها. لم تصرخ، ولم تهاجمه، فحبها العريق له جعلها عاجزة عن إيذائه حتى بالكلمات. ارتجفت شفتيها بعنف، واجتمعت الدموع في عينيها لتسيل بغزارة على وجنتيها الشاحبتين. رفعت رأسها تنظر إليه بقلة حيلة، وصوتها خرج متقطعاً، طفولياً ومملوءاً بالرجاء: — “أختك الصغيرة؟ ولكننا.. ولكننا تزوجنا يا إيڤان.. والدتي ووالدي الراحل.. الجميع يعلم أنني أصبحت زوجتك!” التفت إيڤان نحو الطاولة ليلتقط سترته السوداء برصانته الطاغية. ولم يلتفت حتى لينظر إلى وجهها؛ انشغاله بترتيب أفكاره للمرحلة القادمة في السوق جعله لا ينتبه لعينيها المحمرتين ولا لدموعها التي كانت تسيل بغزارة. ألقى كلماته بجمود تجاري بارد، كأنه يملي بنود عقد عمل: — “الزواج حماية ورعاية يا ميلا، واسمي الآن درعكِ أمام الجميع. تذكري أنني لم أخذلكِ يوماً، ولن أسمح لمخلوق بأن يؤذيكِ.. لكن مشاعري تجاهكِ ستبقى مشاعر أخ يريد رؤية شقيقته في أعلى المراتب. اذهبي لترتاحي الآن، وسأطلب لكِ عشاءً دافئاً.” تراجعت ميلا ببطء. صدمتها من عدم اكتراثه بدموعها آلمتها أكثر من الكلمات نفسها. أومأت برأسها بضعف شديد، وجرجرت أقدامها نحو غرفتها دون أن تنطق بحرف آخر. أغلقت الباب خلفها بنعومة. وانهارت أخيراً خلفه. أسندت ظهرها إلى الخشب البارد، وسقطت على ركبتيها، تدفن وجهها بين كفيها، وتبكي بنحيب صامت وممزق. كانت الصدمة تفوق قدرتها على الاحتمال، لكن قلبها الصغير لم يكرهه. بل كان ينبض بالحب والألم معاً، متمنياً لو أن كل ما قاله كان مجرد كابوس عابر. ⸻ في صباح اليوم التالي، خرجت ميلا من غرفتها بعد ليلة طويلة لم تذق فيها النوم. كانت ترتدي ملابس بسيطة، ووجهها يحمل شحوباً واضحاً، وعيناها منتفختين بوضوح من أثر السهر والبكاء المرير. حاولت أن تظهر متماسكة وهي تتقدم نحو الصالة، مدفوعةً برغبتها البسيطة في أن تكون بجانبه، لعل قسوة الأمس تتلاشى في ضوء الصباح. لكن الصدمة كانت بانتظارها مجدداً. “إيلينا” كانت هناك للمرة الثانية على التوالي. تجلس بكامل أناقتها وسحرها على الأريكة الفاخرة، وأمامها جدول أعمال ممتد، بينما إيڤان يقف بجانبها، يرتشف قهوته المرة ويناقشها بنبرة تفيض بالانسجام والتقدير التام لآرائها. توقفت ميلا في مكانها، وشعرت بوخزة حادة في قلبها. تكرار وجود هذه المرأة في أخص أوقاتهما بدأ يزرع الشك واليقين معاً في عقلها. إيلينا ليست مجرد شريكة… إنها المرأة التي يلتفت إليها عقله وروحه. بمجرد أن رآها إيڤان، وضع فنجانه هادئاً. لم يكلف نفسه عناء التدقيق في وجهها المتعب، ولم ينتبه لعلامات الإرهاق الشديد والشحوب التي تكسو ملامحها البريئة. بدلاً من ذلك، تحركت فيه غريزة التملك والسيطرة الصارمة التي يفرضها على كل من ينتمي إليه. تقدم نحوها بخطواته الفخمة، وبنبرة آمرة، حاسمة، ولا تقبل النقاش، قال أمام إيلينا: — “ميلا.. لقد تواصلتُ مع أمي، ومن اليوم وصاعداً سأشرف بنفسي على مواعيد طعامكِ وجامعتكِ. السائق سينقلكِ بعد قليل إلى قصر عائلتي لتبقي تحت رعايتها ورعايتي المباشرة، ولا خروج بمفردكِ بعد الآن.” في هذه اللحظة بالذات، شعرت ميلا بنوع جديد من الكسر. كسر أعمق وأقسى من كسر ليلة أمس. تصلبت أطرافها وهي تستمع إلى نبرته الواضحة والصريحة القاطعة. لقد كان يتحدث عن شروط زواجهما وفرض سيطرته عليها ومستقبل إقامتها بمنتهى الأريحية والوضوح أمام إيلينا. داهمتها الحقيقة المُرّة كصفعة هزت كيانها. إيڤان لم يكن يحاول حتى إخفاء طبيعة علاقتهما. وهذا يعني بيقين أن إيلينا تعرف كل شيء. تعرف أن هذا الزواج ما هو إلا مسرحية واجب لحمايتها وتنفيذ وصية متوفى. شعرت بموجة جارفة من الخزي تدك كبرياءها كامرأة. فبينما كانت هي تختنق بدموعها وتحاول استيعاب حطام قلبها، كانت إيلينا تجلس هناك مسبقاً، مطلعة على أدق خفايا الغرفة، ومدركة تماماً أن الفتاة الواقفة أمامها ليست سوى طفلة وُضعت تحت الوصاية باسم القانون والزواج. كان حديثه العلني تجريداً كاملاً لميلا من صفة الزوجة أمام غريمتها. رغم هذا الانكسار الشديد العاصف بروحها، تحركت داخلها أول شرارة صغيرة من الاعتراض الخفي جراء إهماله لتعبها وإهانتها الضمنية أمام إيلينا. لم تواجهه بقوة، بل قالت بصوت منخفض ومكسور، لكنه يحمل نبرة تمرد لأول مرة: — “أنا لستُ طفلة يا إيڤان.. يمكنني الذهاب إلى جامعتي والاهتمام بنفسي دون سائق أو رقابة.” تغيرت نظرة إيڤان الرمادية لتصبح حادة وقاسية كالشفرة. واقترب منها لتفوح منه هيبته الطاغية. وضغط على كتفها بلطف، ولكن بقوة كافية لتدرك حجم تملكه وسيطرته التي لا تبالي بضعفها أو إحراجها الآن. وقال بنبرة منخفضة ومهددة: — “أنا الرجل هنا يا ميلا، وكلامي هو ما ينفذ في هذا البيت. ستذهبين إلى قصرنا، وتلتزمين بالقواعد التي أضعها.. مفهوم؟” انكمشت ميلا تحت نظراته الصارمة وسيطرته الطاغية. وأومأت برأسها بطاعة مجبرة، بينما كانت دموعها المحبوسة تحرق عينيها. وهي تدرك أن حصار تملكه بدأ يشتد عليها بجفاء، دون أن يرى حجم الألم الذي يعتصر قلبها الصغير وهو يُنتهك أمام عيني إيلينا الباردتين.بخطوات واسعة وثقيلة، شق إيڤان طريقه خارج الغرفة، مغلقاً بابها بقوة لتتردد أصداؤها المدوية في الممر الطويل. كانت مِيلَا تسير خلفه مكرسة كل ما تبقى فيها من صمود لمجاراة خطواته السريعة والواثقة، بينما كانت عيون الحراس في الخارج مطأطأة وملتزمة بصمت تام، مهابةً من عاصفة الغضب التي تحيط بسيدهم. في الطابق الأرضي، وقف العم جاكسون على رأس البهو يتابع خروجهم بملامح هادئة خالية من أي محاولة للمواجهة، مدركاً تماماً عبثية الوقوف في طريق إيڤان وهو في هذه الحالة من التملك المطلق والبركان المكتوم. ما إن تجاوزا الباب الرئيسي حتى هجم نسيم الليل البارد على وجه مِيلَا، لتجد نفسها محاطة بكتيبة الحراس حتى استقرت داخل سيارة إيڤان السوداء الفارهة. انغلق الباب بعزل تام عن صخب الخارج، وما هي إلا لحظات حتى تحرك الموكب بكامل أبهته ليخترق بوابات القصر الموحش، ويترك خلفه أضواء المكان وأسراره معلنةً بداية فصل جديد أكثر خطورة وقرباً بينهما. انطلقت السيارة بسرعة جنونية تقطع طرقات المدينة المظلمة، وكأنها هاربة من ساحة حرب وشيكة. كان الصمت داخل المقصورة الفاخرة ثقيلاً وناطقاً بالتوتر، لا يكسره سوى صوت المحرك الخا
ترددت كلماته الأخيرة في أذنها كحكم نهائي لا رجعة فيه، قبل أن ينقطع الخط مجدداً. بقيت مِيلَا جالسة على حافة السرير، وهاتفها يسقط من يدها المرتجفة ليستقر على الغطاء بوجه مظلم. كلمات إيڤان الباردة كانت تعصف برأسها وتزرع الرعب في مفاصلها؛ لقد قال إنه في الطريق إلينا، وهو لا يعاكس تهديداته أبداً. لم تكن تمر سوى دقائق معدودة حتى بدأ سكون الليل المطبق في القصر يتصدع. في البداية، كان مجرد صوت خافت لارتجاج أرضي بعيد يشبه هدير محركات سيارات ضخمة تقترب بسرعة جنونية من البوابة الخارجية، ثم تحول شيئاً فشيئاً إلى أصوات جلبة وبلبلة قادمة من الطابق الأرضي، وأصوات حراس القصر وهم يركضون بتوجس واضطراب. وقفت مِيلَا بسرعة مذعورة، واتجهت نحو النافذة الزجاجية لتزيح الستارة بحذر شديد وتنظر إلى الأسفل. كانت أضواء باهرة وقوية تسطع في باحة القصر الخارجية، حيث اقتحمت المكان عدة سيارات سوداء ضخمة تتوسطها سيارة إيڤان، لتتوقف بصورة حاسمة ومخيفة وسط الحديقة. انفتحت الأبواب دفعة واحدة، وترجل منها الحراس بملامح جامدة وصارمة، بينما ظهر إيڤان من بينهم بخطواته الواسعة والثقيلة التي تفرض هيبتها وسط الظلام، عيناه مشد
تردد صدى صوت ماكسيميليان المتهكم في أرجاء الغرفة الباردة، ليخترق السماعة وينقل كل حرف بوضوح مرعب إلى إيڤان الذي كان يستمع من الطرف الآخر. ساد صمت مميت ومطبق عبر الخط لثانية واحدة، لكنه كان صمت الهدوء الذي يسبق انفجار بركان هائل. وعبر السماعة، سمعت مِيلَا صوت أنفاس إيڤان وهي تتحول إلى هدير خشن ومكتوم، قبل أن تنفجر نبرته بغضب جنوني كاد يفقده صوابه: — "من هذا الساقط الذي يقف في غرفتكِ في هذا الوقت المتأخر يا مِيلَا؟!" ارتجف جسد مِيلَا بالكامل من حدة نبرته التي كانت تنبئ بأنه على وشك الجنون، وحاولت فتح فمها للتبرير: — "إيڤان... أرجوك..." لكنها لم تلحق حتى أن تكمل حرفاً واحداً؛ فقد قاطعها بصوت صارخ ومرعب يقطر أمراً نافذاً: — "الآن سوف تجلسين وحدكِ في الغرفة، وتغلقين الباب عليكِ حالاً!" وقبل أن تستطيع رمش عينها أو ترد بكلمة واحدة، انقطع الاتصال بغتة؛ فقد أقفل الخط بوجهها بقسوة تامة، تاركاً إياها متسمرة مكانها في منتصف الغرفة، وأصداء صوته الغاضب تتردد في أذنيها كإنذار لعاصفة مدمرة لا مفر منها. بقي الهاتف في يدها مظلماً وساكناً، كأنما يحمل في جوفه بقايا شحنة كهربائية أحرقت أصاب
— "إيڤان..." جاء صوته عبر السماعة هادئاً وخالياً من أي وعيد مبالغ فيه، وكأن رغبته الوحيدة الآن هي التأكد من أنها بخير وسط تلك الأجواء الغريبة: — "مِيلَا... كيف هي الأمور هناك؟" تنهدت بعمق، وشعرت بأن بعضاً من توترها قد زال أمام نبرته المطمئنة وغير المتعسفة، فأجابت بصوت خفت منه حذر تلك اللحظات: — "العم جاكسون استقبلني والأوراق جاهزة للتوقيع الآن. أنا في المكتب." أتاها صوته المعتدل يحمل طمأنة خفية وتوجيهاً عقلانياً: — "جيد... انهي ما أتيتِ من أجله ولا تتأخري هناك بلا داعٍ. أنا فقط أردت الاطمئنان عليكِ... سأترككِ الآن لتنهي أمركِ، وتأكدي من إبقاء هاتفكِ بجانبكِ." — "حسناً..." قالتها بخفوت، فبادلها بكلمات قصيرة وهادئة قبل أن يغلق الخط، تاركاً إياها تنهي أوراق الإرث المزعجة بتركيز أكبر، بينما رافقها طوال النهار شعور بأن خلف هذا الهدوء طمأنينة حقيقية. لكن مع حلول الليل وهبوط الظلام على جنبات قصر العائلة الموحش، انقلبت الأمور. كانت مِيلَا جالسة في غرفتها الخاصة داخل الجناح العلوي، تحاول استعادة أنفاسها بعد يوم شاق وطويل، حين ترامى إلى قريحتها صوت طرقات خفيفة ومزعجة على باب الغرفة. و
ما إن اجتازت مِيلَا البوابة الحديدية الضخمة وخطت إلى داخل البهو الواسع للقصر، حتى استقبلتها رائحة الخشب القديم والعطور الثقيلة التي طالما ارتبطت بذاكرتها العائلية الموحشة. لم تكن سويعات الغياب الطويلة كفيلة بنسيان طابع هذا المكان؛ جدرانه المرتفعة، ولوحات الأجداد العبوسة التي تتابع خطواتها بتوجس، والوجوه التي بدأت تخرج من الغرف الجانبية وكأنها كانت ترقب وصولها منذ ساعات. لم تكن مِيلَا تهاب القصر بذاته بقدر ما كانت تهاب ثقل لم شملهم المفاجئ؛ وما هي إلا لحظات حتى وجدته تحاط بحلقة من أبناء عمومتها وأقاربها الشباب الذين لم ترهَم منذ سنوات طويلة. تفاجأ بعضهم بمدى تغيرها وتحولها إلى امرأة شابة تفيض رقة، فبدؤوا يغدقون عليها عبارات الترحيب المبالغ فيها، ومحاولات التقرب والحديث بنبرات ودودة تحاول استرجاع أيام الطفولة البريئة. — "يا الهي! هل هذه حقاً مِيلَا الصغيرة؟" هتف أحدهم بابتسامة واسعة وهو يقترب منها بخطوات متطفلة: "أكاد ألا أصدق! لقد كنتِ ترتعدين خوفاً خلف أثاث هذا القصر، والآن تنظرين إلينا بهذه الثقة!" تراجع قلب مِيلَا خطوة إلى الوراء، وحاولت رسم ابتسامة باهتة على شفتيها لتتجنب الدخول
رافق رنين محرك السيارة طنينٌ مستمر في رأس مِيلَا طوال الساعات الأولى من الطريق الطويل. كانت المناظر الطبيعية تتبدل خارج النافذة ببطء، وتتحول المباني والشارع المزدحم إلى مساحات شاسعة من التلال والأشجار الموحشة التي تقرّبها تدريجياً نحو قصر العائلة؛ ذلك المكان الذي لم تكن تحمل منه سوى ذكريات مغبرة وثقيلة. وضعت يدها المرتجفة على حقيبتها، وأخرجت الهاتف لتتأكد من شحنه مجددًا. كانت تعرف أن كل دقيقة تتأخر فيها عن الرد ستكون بمثابة صاعقة توقظ جنون إيڤان وتهديداته. أضاءت الشاشة لثانية، فبدت خالية من أي رسالة، لكنها أدركت يقيناً أن عينيه المعلقتين على شاشته الخاصة في الشقة البعيدة لا تنامان، وأنه ينتظر أول نبضة اتصال أو إشارة وصول لتتحقق رغبتها في الهيمنة. أغلق السائق زجاج السيارة قليلاً ليحجب هواء الطريق البارد، بينما غرقت هي في أفكارها؛ كانت تتأرجح بين قهر قسوته وطغيانه، وبين شعور غريب بالخوف من اللحظة التي سيلتقي فيها هاتفها باتصاله الحتمي. بعد أكثر من ساعتين ونصف من القيادة المستمرة، بدت معالم القصر القديم تلوح في الأفق بأسواره العالية وبوابته الحديدية الضخمة التي تحمل طابع العائلات القد







